في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
عندما فرض الرئيس الأميركي دونالد ترامب رسوماً جمركية واسعة على واردات الصلب والألمنيوم، وعلى سلع صينية تزيد قيمتها على 360 مليار دولار في عام 2018، جرى تفسير هذه الخطوة في حينه بوصفها خروجا حادا -لكن قابلا للتراجع- عن عقود من سياسات تحرير التجارة.
ففي ذلك الوقت، كانت الحمائية لا تزال تُفهم وفق تعريفها الاقتصادي الكلاسيكي من حيث كونها تشوّها في السياسات التجارية يتركز على الرسوم الجمركية والحصص، يُستخدم على نحو ظرفي، ويُفترض أن يُلغى مع تراجع الضغوط السياسية.
وبحسب تحليل صادر عن معهد بيترسون للاقتصاد الدولي، ارتفع متوسط الرسوم الجمركية الأميركية المطبقة من نحو 1.5% في عام 2017 إلى أكثر من 3% بحلول عام 2019، وهو ما مثّل أشد انعكاس في مسار السياسة التجارية الأميركية منذ منتصف القرن العشرين.
غير أن المؤسسات الاقتصادية الدولية لم تعد، بحلول عام 2025، تصف هذه الإجراءات بوصفها صدمات مؤقتة، بل بات يُنظر إليها على أنها تبلور لحالة اقتصادية جديدة تعيد تشكيل التجارة والاستثمار والسياسات الصناعية على مستوى العالم.
في عام 2018، كانت منظمة التجارة العالمية و صندوق النقد الدولي لا تزالان تنطلقان من افتراض أن الانفتاح التجاري يمثل حالة التوازن الطويلة الأجل للاقتصاد العالمي.
وقد صنّفت تقارير المنظمة الحمائية حينها بوصفها تصعيدا جمركيا مضرا بالرفاه الاقتصادي، ومدفوعا باعتبارات سياسية، ومتناقضا مع متطلبات النمو، وهو ما جعل الحرب التجارية التي أطلقها ترامب تُوصف كاستثناء عن النظام التجاري القائم.
غير أن هذا الإطار تبدّل جذريًا بحلول عام 2025؛ فوفقًا لتقارير صندوق النقد الدولي، ولا سيما آفاق الاقتصاد العالمي والدراسات المتعلقة بـ"التجزئة الجيو-اقتصادية"، لم تعد الحمائية تُعرّف كرسوم جمركية فحسب، بل تحولا نحو تدخل حكومي منظومي يعيد هيكلة التجارة وسلاسل الإنتاج بما يخدم المرونة والأمن والاستقلالية الاستراتيجية، حتى على حساب الكفاءة.
وبالمثل، حذّرت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في تقريرها لعام 2024 حول السياسات الصناعية وتشوهات التجارة من أن الدعم الصناعي وضوابط التصدير وفحص الاستثمارات ومتطلبات المحتوى المحلي باتت سمات بنيوية في استراتيجيات النمو، تعمل في الغالب خلف الحدود الجمركية، ما يجعل الحمائية الحديثة أكثر رسوخًا وأقل قابلية للتراجع من نظيرتها التقليدية.
وشكّلت رسوم ترامب في ولايته الأولى بين عامي 2018 و2019 لحظة نشوء الحمائية الجديدة، فقد مثّلت الرسوم على الصلب والألمنيوم، المفروضة بموجب المادة 232 بدعوى الأمن القومي، تلتها الرسوم الواسعة على الواردات الصينية بموجب المادة 301، أكبر تصعيد جمركي تشهده الولايات المتحدة منذ ثلاثينيات القرن الماضي، وفق مقارنات تاريخية أوردتها منظمة التجارة العالمية.
غير أن اقتصاديين كثر يرون أن الأثر الأعمق جاء خلال الولاية الثانية لترامب، حين توقفت الرسوم عن كونها أدوات تفاوضية، وأصبحت جزءًا من بنية سياسية دائمة، متكاملة مع الدعم الصناعي، وضوابط التصدير، وسياسات إعادة توطين سلاسل التوريد.
ولم يكن التحول الأميركي معزولًا، إذ تُظهر تقارير منظمة التجارة العالمية تسارع فرض القيود التجارية عالميًا منذ الأزمة المالية العالمية، مع قفزة إضافية بعد جائحة كوفيد-19.
ففي الولايات المتحدة، خصّص قانون الرقائق وقانون خفض التضخم أكثر من 400 مليار دولار لدعم أشباه الموصلات والطاقة النظيفة والتصنيع المتقدم، مع ربط الدعم بالإنتاج المحلي، وهو ما وصفته منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بأنه انتقال من الحياد السوقي إلى الاستهداف الصناعي.
وفي الاتحاد الأوروبي، أُطلقت آلية تعديل حدود الكربون التي وصفها البنك الدولي بأنها تعرفة كربونية فعلية لحماية الصناعات الخضراء، بالتوازي مع توسيع قواعد المساعدات الحكومية.
أما الصين، فعززت استراتيجية "التداول المزدوج" التي تركز، وفق صندوق النقد الدولي، على الطلب الداخلي والاكتفاء التكنولوجي في القطاعات الاستراتيجية.
ووسّعت الهند مبادرات "صُنع في الهند" ورفعت الرسوم على مئات السلع بين 2020 و2025 بحسب بيانات منظمة التجارة العالمية، فيما أطلقت اليابان وكوريا الجنوبية برامج دعم لصناعة الرقائق، واعتمدت المملكة المتحدة بعد بريكست أطرًا تنظيمية ودعمًا صناعيًا متمايزًا عن الاتحاد الأوروبي، وفق مراجعات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.
يتفق اقتصاديون على أن عودة الحمائية تعكس ضغوطًا بنيوية متراكمة في الاقتصاد العالمي، ويتجلّى ذلك في عدد من التحولات الرئيسية، من بينها:
بحسب صندوق النقد الدولي، تستهدف الحمائية الحديثة ثلاثة أهداف رئيسية:
ونظريًا، يمكن للتدخل الانتقائي معالجة إخفاقات السوق في القطاعات ذات الأهمية الأمنية أو الاقتصادية.
لكن عمليًا، تُظهر نماذج الصندوق أن التجزئة التجارية العميقة قد تخفّض الناتج العالمي بما يصل إلى 7% في السيناريوهات القصوى، مع زيادة الضغوط التضخمية وتراجع الإنتاجية.
كما حذّرت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية من أن الدعم الصناعي غير المنضبط قد يؤدي إلى سوء تخصيص رأس المال وترسيخ الشركات غير الكفؤة.
ويشير الاقتصادي داني رودريك، أستاذ الاقتصاد في جامعة هارفارد، إلى أن التوتر الأساسي لا يكمن بين العولمة والحمائية بحد ذاتهما، بل بين عمق التكامل الاقتصادي والشرعية السياسية الداخلية، وهو طرح قدّمه ضمن ما يُعرف بـ"مفاضلة العولمة" في كتابه "مفارقة العولمة"، بما يفسّر تفضيل الحكومات الحالية للعزل الاقتصادي على سياسات التكيّف الداخلي المكلفة سياسيًا.
ورغم المقارنات المتكررة مع ثلاثينيات القرن الماضي، تختلف الحمائية الحالية جوهريًا عن الحروب الجمركية في تلك الحقبة، إذ تُظهر بيانات منظمة التجارة العالمية استمرار نمو التجارة العالمية -وإن بوتيرة أبطأ من نمو الناتج- حتى عام 2024.
ويوصَف الواقع الاقتصادي العالمي بدقة أكبر بالتجزئة لا التفكك؛ إذ يُظهر تقرير الاستثمار العالمي لعام 2025 الصادر عن الأونكتاد أن الاستثمارات الأجنبية المباشرة تراجعت عالميًا في 2023، لكنها تعافت في مناطق "التقارب السياسي"، بما يعكس اندماجًا انتقائيًا لا انسحابًا شاملًا.
وبحلول عام 2025، لم تعد الحمائية انحرافًا مؤقتًا عن مسار العولمة، بل أصبحت حالة بنيوية في الاقتصاد العالمي. وكما تقرّ بذلك مؤسسات عالمية، باتت الدول تعيد تشكيل التجارة والاستثمار بما يراعي المرونة والأمن والاستقرار السياسي.
والسؤال الجوهري لم يعد ما إذا كانت الحمائية ستستمر، بل كيف ستُدار. فالتدخل غير المنضبط قد يؤدي إلى تضخم وتجزئة وعدم كفاءة، بينما قد تتيح المقاربات الأكثر انضباطًا التوفيق بين المرونة والنمو.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة