يرغبون في أن تصبح اشكالهم مثل الكوريين والكوريات. يتزايد إقبال الناس في الدول الغربية على منتجات التجميل القادمة من هذا البلد الواقع في شرق آسيا. تترسخ مكانة كوريا الجنوبية كلاعب جديدة في مجال "القوة الناعمة": في البداية كانت السيارات والإلكترونيات، ثم الأفلام والموسيقى الشعبية، والآن تأتي صناعة التجميل. أصبحت منتجات العناية بالبشرة والمكياج التي تحمل عبارة "صنع في كوريا" مطلوبة في جميع أنحاء العالم.
هذا النجاح ليس مصادفة ولا هو ظاهرة جمالية بحتة. بل إن "كي بيوتي" تجمع بين الديناميكية الثقافية والاستراتيجية الاقتصادية والموقع الجيوسياسي. يقول عالم السياسة وخبير الشؤون الكورية هانيس موسلر من جامعة دويسبورغ-إيسن: "القوة الناعمة تعني التأثير على الآخرين من خلال الجاذبية وليس بالإكراه. وهذا أمر أساسي لدولة مثل كوريا الجنوبية : تقع كوريا الجنوبية في موقع جيوسياسي حرج بين القوى العظمى ولذلك تعتمد بشكل هادف على الجاذبية الثقافية"، كما قال الأستاذ الجامعي في مقابلة مع DW.
هذه الاستراتيجية تؤتي ثمارها: ما يُعرف بـ”K-Beauty“ هو اليوم لاعب اقتصادي عالمي. وكما أفادت "وكالة يونهاب للأنباء" Yonhap في سيول ارتفعت صادرات مستحضرات التجميل في عام 2025 بنسبة 12,3 في المائة لتصل إلى 11,43 مليار دولار أمريكي. وحسب وزارة الصناعة الكورية الجنوبية كانت هذه الصادرات قد بلغت بالفعل حوالي 10,2 مليار دولار في عام 2024.
كما أفادت مجلة "Personal Care Magazine" الدولية المتخصصة في صناعة مستحضرات التجميل والعناية بالجسم وتصدر من لندن بأن منتجات التجميل الكورية تُصدر حالياً إلى أكثر من 200 دولة. وبذلك أضحت كوريا الجنوبية من بين أكبر الدول المصدرة في العالم في هذا المضمار.
لكن الأرقام الاقتصادية وحدها لا تفسر هذا النجاح. فالعامل الحاسم هو الارتباط الوثيق بين الثقافة والاستهلاك. "اتجاهات الاستهلاك تعكس الاتجاهات الثقافية"، يقول شتيفان توبيل، المدير التنفيذي لشركة Kencana GmbH المتخصصة في استيراد وتوزيع مستحضرات التجميل الكورية. "لقد دخلت كوريا الجنوبية بقوة إلى الساحة العالمية من خلال موسيقى البوب الكورية ومعها جاءت اتجاهات الاستهلاك"، كما قال توبيل لـ DW.
وتدعم أبحاث السوق الدولية هذه الملاحظة. "لقد ساهمت الثقافة الشعبية الكورية بشكل كبير في النجاح الدولي لمنتجات التجميل الكورية "، كما ورد في تقرير صادر عن معهد التحليل الأمريكي Grand View Research المتخصص في أسواق الاستهلاك والتكنولوجيا العالمية ومقره في سان فرانسيسكو. وبالتالي فقد ساهمت الثقافة الشعبية الكورية بشكل كبير في نجاح K-Beauty.
يذهب خبير الشؤون الكورية هانيس موسلر من جامعة دويسبورغ-إيسن إلى أبعد من ذلك. ويقول: "الموجة الكورية ليست موجهة من قبل الدولة وحدها لكنها حظيت بدعم سياسي في مرحلة مبكرة". ويضيف أن المسلسلات والموسيقى والمنصات الرقمية قد أوجدت بنية تحتية ثقافية ساهمت بتسويق منتجات التجميل على مستوى العالم. وبذلك فإن "كي بيوتي" أصبحت "جزءاً من الصورة الذهنية الأوسع لكوريا الجنوبية".
يتم التأكيد على هذا البعد الاستراتيجي أيضا في الأبحاث. تشير شبكة الأبحاث الدولية ResearchGate التي تجمع الأعمال العلمية من جميع أنحاء العالم إلى دراسات تفيد بأن الثقافة الشعبية الكورية تُستخدم بشكل هادف كأداة للعلامة التجارية الوطنية أي لتشكيل الصورة الذهنية لدولة ما.
وفي هذا السياق تلتقي هذه الجاذبية الثقافية بفهم محدد للجمال. "النهج الكوري أكثر تطوراً بشكل واضح"، يوضح شتيفان توبيل. وتُعد العناية متعددة المراحل أمرا أساسيا: "لا ينبغي تغطية البشرة، بل تحسينها". ويُعد "البرنامج الروتيني المتكامل المكون من 10 خطوات" مثالاً على نظام للعناية المستمرة ، بدلاً من استخدام بعض مستحضرات التجميل المحددة في هذا الموضع أو ذاك من الجسم.
وهذا يشير إلى فرق جوهري: ترى "كي بيوتي" الجمال في المقام الأول كنتيجة للعناية بالجسم والبشرة لا لإخفاء العيوب والندبات. وحسب تحليل سوقي أجرته شركة الاستشارات الدولية "يورومونيتور إنترناشونال" (Euromonitor International) التي تتخذ من لندن مقراً لها والمتخصصة في تحليلات السلع الاستهلاكية والأسواق فإن المنتجات الكورية تركز بشكل كبير على صحة البشرة والوقاية والعناية طويلة الأمد.
ويرى هانيس موسلر أن جذور هذا النهج تكمن في داخل المجتمع. "يلعب المظهر الخارجي دوراً كبيراً جداً. في بيئة شديدة الكثافة والتنافسية تنشأ ضغوط اجتماعية قوية وبالتالي سوق متطلب بشكل خاص. يجب أن تعمل المنتجات بمستوى عالٍ جداً لتتمكن من فرض نفسها"، يوضح الخبير الألماني.
وهذا ما تؤكده الأبحاث أيضا. تصف Grand View Research سوق K-Beauty بأنه يتميز بـ "ابتكار عالٍ وإطلاق منتجات متكرر". يقول شتيفان توبيل إن هذه الديناميكية أساسية من وجهة نظر الصناعة. "السوق سريع التغير للغاية: مكونات جديدة وأشكال جديدة وتقنيات جديدة. من لا يبتكر باستمرار يفقد أهميته على الفور". ويشير توبل إلى أن تحليلات أبحاث مستحضرات التجميل الدولية تشير إلى أن المنتجات الكورية تجمع بين المكونات التقليدية والتكنولوجيا الحيوية الحديثة.
يتضح أن K-Beauty ليست ظاهرة سوقية منعزلة، بل جزء من نظام شامل يضم الثقافة والاقتصاد والسياسة.صورة من: Jung Ui-Chel/Matrix Images/picture allianceفي الوقت نفسه ترتبط هذه القوة الابتكارية ارتباطاً وثيقاً بالبنى الرقمية وعوالمها. "تلعب وسائل التواصل الاجتماعي دوراً محورياً"، يقول توبيل. تعمل منصات مثل تيك توك أو إنستغرام كمسرعات حيث تنشأ اتجاهات الموضة والعناية وتنتشر عالمياً. ويُعد K-Beauty ناجحاً بشكل خاص في الاستفادة من هذه الوسائل في الترويج.
يؤكد عالم السياسة وخبير الشؤون الكورية هانيس موسلر من جامعة دويسبورغ-إيسن على دور المؤثرين الثقافيين. يسترشد المستهلكون بهذه بالمؤثرين وتصبح المنتجات جزءًا من حزمة جمالية وثقافية شاملة.
وبذلك يتضح أن K-Beauty ليست ظاهرة سوقية منعزلة، بل جزء من نظام شامل يضم الثقافة والاقتصاد والسياسة. تظهر التحليلات الدولية أن نموذجا قد ترسخ هنا حيث تكون السلع الاستهلاكية حاملة للتأثير الثقافي والسياسي في آن واحد.
من الناحية الاقتصادية تظهر هذه الديناميكية بوضوح شديد في الانتشار العالمي. لم تعد مستحضرات التجميل الكورية مجرد ظاهرة آسيوية منذ فترة طويلة، بل أصبحت تترسخ بشكل متزايد في أوروبا وأمريكا الشمالية أيضاً، وغالباً ما تكون في منافسة مباشرة مع العلامات التجارية التقليدية.
وهكذا تنشأ صورة متعددة الأبعاد. إن "كي بيوتي" أكثر من مجرد اتجاه إنها نظام يجمع بين الثقافة والتكنولوجيا والسوق والسياسة، أو كما يصفها عالم السياسة وخبير الشؤون الكورية هانيس موسلر من جامعة دويسبورغ-إيسن: "الأمر يتعلق بالجاذبية بالمعنى الثقافي والسياسي على حد سواء". وهنا بالضبط تكمن الأهمية السياسية الحقيقية: الأمر لا يتعلق بالجمال فقط، ولكنه أيضا استراتيجية سياسية.
أعده للعربية: م.أ.م
يتضح أن K-Beauty ليست ظاهرة سوقية منعزلة، بل جزء من نظام شامل يضم الثقافة والاقتصاد والسياسة.صورة من: Jung Ui-Chel/Matrix Images/picture alliance
المصدر:
DW