زكريا س بشاه، باحث أول، أماني أفريقيا
كان الإنجاز الأبرز للمؤتمر الدولي حول السودان الذي عُقد في برلين هو اعتماد إعلان مشترك من قِبل القوى المدنية التي اجتمعت خلال المؤتمر، ففي ١٥ أبريل، وبمناسبة الذكرى السنوية الثالثة لاندلاع النزاع السوداني، عقد الاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي وألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة المؤتمر الدولي الثالث حول السودان في برلين.
وكما هو الحال مع سابقيه، لم يخلُ هذا الاجتماع من الجدل، لا سيما فيما يتعلق بالمشاركة والتمثيل. فقد أثار استبعاد الأطراف المتحاربة (القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع) انتقادات من كلا الجانبين. ونددت وزارة الخارجية السودانية بالمؤتمر لعقده دون التشاور مع الخرطوم، واصفةً إياه بأنه “نهج وصاية استعمارية”. في الوقت نفسه، أعرب التحالف التأسيسي السوداني (تأسيس)، وهو ائتلاف متحالف مع قوات الدعم السريع، عن قلقه إزاء ما اعتبره إشراك جهات فاعلة مرتبطة بالقوات المسلحة السودانية والحركة الإسلامية، محذراً من أن مثل هذه المشاركة قد تُضعف صوت المدنيين وتُعيق جهود السلام.
ورغم هذه النقائص، حقق مؤتمر برلين بعض النتائج الإيجابية في وضعٍ يحتاج إلى بصيص أمل. وفي هذا الصدد، ينبغي تقييم نتائج المؤتمر في ضوء أهدافه المعلنة، لا في ضوء التوقعات التي لم يُصمم المؤتمر لتحقيقها. وقد قللت بعض التعليقات من أهمية المؤتمر، منتقدةً صيغته لعدم تمكنه من التوصل إلى وقف لإطلاق النار أو تقديم إغاثة فورية للمدنيين. وبدلاً من ذلك، ركز المؤتمر على ثلاثة أهداف رئيسية:
• ولفت انتباه العالم إلى أزمة السودان،
• وإتاحة المجال للحوار المدني والسياسي.
وينبغي تقييم نجاحه بناءً على ذلك.
كان من أبرز نتائج مؤتمر برلين إنشاء منصة، ولأول مرة منذ ثلاث سنوات، تجمع الفاعلين المدنيين والسياسيين السودانيين للاتفاق على بيان مشترك يدعو إلى إنهاء الحرب. وقد يسّر هذا المسارَ الفريقُ الخماسي. واستنادًا إلى المشاورات التي بدأت في أديس أبابا واختُتمت في برلين، أيّد نحو 46 ممثلاً دعوةً مشتركةً تتمحور حول سبع أولويات رئيسية:
• وقف فوري لإطلاق النار؛
• حماية المدنيين والبنية التحتية؛
• وصول المساعدات الإنسانية؛
• الحكم الديمقراطي المدني؛
• عملية سياسية سودانية؛
• والعدالة.
يُعدّ هذا التطور بالغ الأهمية، لا سيما في ظلّ استمرار تشتت الجهات الفاعلة المدنية، ومحدودية قدرتها حتى الآن على التأثير الجماعي في مسار النزاع. وقد يسّرت الجهود السابقة التي بذلها فريق الاتحاد الأفريقي رفيع المستوى المعني بالسودان، والذي أُنشئ في يناير/كانون الثاني 2024، إجراء مشاورات تحضيرية في يوليو/تموز وأغسطس/آب 2024 وفبراير/شباط 2025، إلا أنها لم تُحقق تقاربًا مماثلًا.
على الصعيد الإنساني، تسبب الصراع في السودان في أكبر أزمة إنسانية في العالم. ووفقًا لتقرير مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية الصادر في فبراير، يحتاج ما يقدر بنحو 33.7 مليون شخص إلى المساعدة، منهم 28.9 مليون شخص بحاجة إلى الأمن الغذائي ودعم سبل العيش بحلول عام 2026. وقد تأكدت ظروف المجاعة في الفاشر وكادوقلي، مع ملاحظة أنماط مماثلة في الدلنج. ومع استمرار الصراع، تتزايد الاحتياجات الإنسانية، إلا أن الاستجابات لم تواكب هذا التزايد. بل على العكس، أدى النقص الكبير في التمويل إلى تقليص المساعدات المنقذة للحياة. وتبلغ خطة الاستجابة الإنسانية لعام 2026 نحو 2.6 مليار دولار أمريكي، أي بانخفاض يقارب الثلث عن العام السابق، مما يعكس محدودية التمويل. ولم يتم تمويل سوى 35% من خطة عام 2025، وفي عام 2026، لم يتم تأمين سوى 16% فقط من التمويل المطلوب حتى الآن.
في هذا السياق، تمثلت إحدى النتائج الملموسة للمؤتمر في حشد الالتزامات المالية. فقد تعهد المانحون الدوليون بتقديم 1.5 مليار يورو، ساهم الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء بأكثر من نصفها (811 مليون يورو)، ما يعكس زيادة ملحوظة مقارنةً بمؤتمر لندن، حيث بلغ إجمالي التعهدات حوالي 950 مليون يورو. ورغم أن هذا المبلغ غير كافٍ لتلبية الاحتياجات الإجمالية، إلا أنه يمثل مساهمة جوهرية وملموسة لا ينبغي الاستهانة بها، على الرغم من عدم وضوح حجم الأموال المتعهد بها بالإضافة إلى المبلغ الذي تم التعهد به خلال الاجتماع الإنساني الذي عُقد في واشنطن العاصمة.
ثالثًا، نجح المؤتمر في تسليط الضوء على أزمة السودان على الصعيد الدولي، فعلى الرغم من كونها تُشكل أخطر حالة طوارئ إنسانية في العالم، إلا أن السودان بات يُهمّش بشكل متزايد بسبب الأزمات الجيوسياسية الأخرى، بما في ذلك الأزمات في أوكرانيا وغزة، ومؤخرًا إيران. وقد ساهم مؤتمر برلين، ولو مؤقتًا، في إعادة تركيز الاهتمام العالمي على السودان.
بشكل عام، ساهم مؤتمر برلين في تعزيز زخم الفاعلين المدنيين والسياسيين السودانيين للانخراط بشكل أكثر تماسكًا وتشكيل مسار انتقال البلاد نحو الحكم المدني. ويُعدّ هذا تطورًا هامًا نظرًا للجمود المستمر في العمليات التي تركز على القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع. ويقع الآن على عاتق اللجنة الخماسية مسؤولية الحفاظ على هذا الزخم.
وتتمثل الخطوة الرئيسية التالية في إشراك الجهات الفاعلة غير الممثلة في برلين وضمان شمولية أوسع. ومن المشجع أن هناك خططًا جارية لعقد اجتماعات متابعة في مايو/أيار لإشراك أصحاب المصلحة الآخرين. ويُتيح النجاح الذي تحقق في برلين باعتماد بيان مشترك للمدنيين فرصة فريدة للمضي قدمًا في مسألة كيفية متابعة المقترحات المتعلقة بتشكيل سلطة انتقالية مدنية.
المصدر:
الراكوبة