في ظل غياب مؤشرات انتهاء الحرب والتحديات الهيكلية والجيوسياسية التي تواجه النظام التجاري الدولي متعدد الأطراف، قد يبدو طرح موضوع إدماج السودان في هذا النظام عبر العضوية في منظمة التجارة العالمية ضربًا من الأوهام، ولا سيما في ظل التحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية المرتبطة بإعادة الإعمار والبناء.
ومن المهم كذلك الاستفادة من التجارب الدولية الناجحة في إعادة الإعمار بعد النزاعات، وتجنب الأخطاء الكارثية التي شهدتها تجارب فاشلة كما في العراق وأفغانستان. فالسبب الرئيسي لفشلها ليس نقص التمويل، بل غياب دولة مركزية قوية تحتكر استخدام العنف الشرعي، وغياب توافق سياسي عريض، حيث تحولت مليارات الدولارات المخصصة للإعمار إلى وقود جديد للفساد والعنف بسبب غياب الشفافية والمؤسسات وسيادة القانون.
وعليه، من الأفضل استغلال ملف الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية لتهيئة بيئة قانونية ومؤسسية مؤاتية لمشاريع إعادة البناء، وضمان إعادة الاستقرار، وجذب الاستثمارات الوطنية والدولية، وتحريك عجلة الاقتصاد، وصولًا إلى إرساء قواعد صلبة لدولة المؤسسات وللبدء في رسم ملامح جديدة للسلام الدائم.
ضمن سلسلة المقالات حول ملف انضمام السودان إلى منظمة التجارة العالمية، يسلط هذا المقال الضوء على مبدأين او قاعدتين من القواعد الأساسية للمنظمة وأثرها في جهود إعادة الإعمار والسلام.
تشدد هذه القاعدة على أهمية أن تحافظ الدول الأعضاء على سياسات تجارية مفتوحة، وأن تتم حماية السلع الوطنية حصريًا عبر التعريفات الجمركية، دون اللجوء إلى الإجراءات الحمائية غير الشفافة مثل تحديد كميات الاستيراد والتصدير، أو دعم الصادرات، أو منح التراخيص الاستثنائية.
وتضيف القاعدة أنه في حال واجهت الدولة مصاعب في ميزان المدفوعات، فعليها أن تختار تدابير قائمة على الأسعار، مثل فرض رسوم إضافية على الواردات. ولا يجوز اللجوء إلى القيود الكمية إلا إذا ثبت أن التدابير السعرية عاجزة عن معالجة أي انخفاض حاد في المدفوعات الخارجية.
بمعنى آخر، تُلزم قواعد المنظمة بأن تكون حماية الإنتاج المحلي عبر التعريفات الجمركية لأنها تُعلن وتُطبق على الجميع بلا استثناء. وهذا من شأنه أن يقفل الباب أمام المحسوبية والفساد الإداري، ويضع حدًا لاقتصاد التمكين والامتيازات الذي عانى منه السودان لعقود.
يلزم هذا المبدأ كل دولة عضو بأن تعامل جميع الدول الأعضاء الأخرى على قدم المساواة. فإذا منحت دولة ما ميزة تجارية، مثل خفض جمركي أو تسهيل إجرائي، لدولة عضو، فعليها فورًا ودون شروط أن تمنح نفس الميزة لجميع الدول الأعضاء الأخرى في المنظمة.
الهدف من هذه القاعدة هو منع التمييز بين الشركاء التجاريين ومنع إنشاء تكتلات مغلقة أو شبكات محاباة. فلا يجوز للدولة أن تكافئ حلفاءها السياسيين بامتيازات جمركية، أو تعاقب خصومها برسوم أعلى، لأن السوق يجب أن يخضع لقاعدة واحدة تسري على الجميع.
وبمعنى آخر، هذا المبدأ يقضي على مفهوم “الصفقات الثنائية السرية” التي تُبرم تحت الطاولة. فهو يفرض أن تكون أي تنازلات تجارية معلنة ومعممة، مما يقفل الباب أمام استخدام التجارة الخارجية كأداة للمحسوبية السياسية أو لتمكين فئات محددة. وبالنسبة للسودان، فإن الالتزام بهذا المبدأ يعني إنهاء حقبة الاتفاقيات الغامضة والامتيازات الخاصة، وإخضاع كل الواردات والصادرات لقانون واحد يراه الجميع.
خلاصة القول ان الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية ليس ترفًا أكاديميًا ولا خيارًا مؤجلًا لما بعد السلام. بل هو أداة عملية لإجبار الدولة السودانية، أيًا كان من يحكمها، على تبني حد أدنى من الشفافية وسيادة القانون في الملف الاقتصادي.
مبدأ الحماية بالتعريفات ينهي عهد التراخيص والحصص التي تُوزع بالولاء، ومبدأ الدولة الأولى بالرعاية ينهي عهد الصفقات الثنائية التي تُبرم في الغرف المغلقة. كلاهما يصب في اتجاه واحد: بناء دولة المؤسسات التي فشلنا في بنائها لسبعة عقود.
لذلك، فإن ملف الانضمام يجب أن يُدار كجزء لا يتجزأ من مشروع إعادة الإعمار والسلام، لا كملف تجاري معزول. فالالتزام بقواعد المنظمة هو الضمانة الوحيدة كي لا تتحول أموال الإعمار القادمة إلى نسخة جديدة من فشل العراق وأفغانستان، وكي نبدأ فعليًا في تفكيك اقتصاد التمكين الذي كان وقود الحرب. السلام الدائم يبدأ بقواعد لعبة عادلة، وهذه القواعد مكتوبة بالفعل في دفاتر منظمة التجارة العالمية.
المصدر:
الراكوبة