بينما مرت أعياد عيد الفطر المبارك بأجواء من الفرح والاحتفال، وجدت مدينة همشكوريب نفسها في مواجهة كابوسٍ مائيٍ لا يرحم، ففي الوقت الذي يتبادل فيه الناس التهاني ويتقاسمون الطعام، يضطر آلاف الأسر إلى البحث عن قطرة ماءٍ صافية لتروي عطشهم، وهذا التناقض الصادم بين مناسبة دينية تدعو إلى العطاء والكرم وبين واقعٍ يقتات على صمتٍ ومعاناةٍ، يسلط الضوء على كارثة إنسانية تستدعي تحركًا فوريًا من جميع الجهات.
وكشف تقرير لوحدة الرصد والمتابعة بالجبهة المدنية العريضة لتحرير شرق السودان عن جفاف شبه كامل للآبار بنسبة تصل إلى 85%، إذ لا تخرج منها سوى مياه مالحة أو غير صالحة للشرب، يرافقه ضعف حاد في محطات الضخ الحالية التي لا تتجاوز قدرتها 30% من الحد الأدنى المطلوب لتلبية احتياجات السكان اليومية.
وتعود جذور هذه الأزمة إلى انعدام الأمطار لمدة عام كامل منذ شهر محرم 1448هـ، مما أدى إلى تجفيف مصادر المياه السطحية واستنزاف حاد للمياه الجوفية التي انخفضت مستوياتها بأكثر من 40 مترًا عن المستوى الطبيعي مع تزايد ملوحتها، وهو ما أجبر أكثر من 150,000 نسمة على الانتقال إلى أحياء بعيدة بحثًا عن الماء، مستهلكين ساعات طويلة في الانتظار أمام صهاريج الشحن.
وتُعزى هذه الكارثة إلى فشل في التخطيط المسبق وتقصير مستمر في إعداد خطط الطوارئ وإهمال صيانة البنية التحتية ونقص الاستثمار في توسيع شبكة المياه، مما ينذر بتفاقم المخاطر وانتشار الأمراض المنقولة بالمياه وازدياد حالات الوفاة المرتبطة بالجفاف والضعف الغذائي.
وتتجسد المعاناة الإنسانية في همشكوريب في صورٍ يومية مؤلمة، من أطفال يرفعون أيديهم للسماء طلبًا للرِيّ، وآباء يراقبون بقلق علامات الجفاف على وجوه أبنائهم، إلى صفوف طويلة من النساء والرجال ينتظرون لساعات أمام شاحنات غير كافية، مما خلف آلامًا جسدية ونفسية تمثلت في حالات الصداع والإعياء والاضطرابات الهضمية والقلق المتزايد الذي يهدد النسيج الاجتماعي للمدينة.
وذكرت الوحدة أن الصمت أمام هذا الوضع لم يعد مقبولًا، ويتطلب نداءً عاجلًا للمنظمات الإنسانية والمانحين ووسائل الإعلام لتوفير استجابة فورية تنقذ حياة الأطفال والشيوخ.
ورأت أن الحل يتطلب تدخلاً إنسانيًا فوريًا لتوفير 500,000 لتر من المياه الصالحة للشرب يوميًا، والبدء في صيانة عاجلة لإعادة تشغيل 70% من الآبار الجافة خلال ساعات مع توفير مواد التنقية، وصولاً إلى وضع خطة مستدامة وبرنامج شامل لإعادة تعبئة الخزانات الجوفية وتطوير محطات ضخ حديثة، وهمشكوريب اليوم لا تحتاج إلى وعودٍ فارغة، بل تحتاج إلى ماءٍ فوري يروي عطشها ويعيد إليها نبض الحياة.
المصدر:
الراكوبة