آخر الأخبار

تحقيق رقمي للجزيرة يكشف: لماذا استهدفت أمريكا وإسرائيل 75 مقرا للشرطة الإيرانية؟

شارك

في جنوب طهران، كان يقف مبنى تعرفه الصحافة المحلية بوصفه القاعدة الحادية عشرة لشرطة التحقيقات الجنائية، وهي وحدة بوليسية تختص بالجرائم الاقتصادية وقضايا السرقة في عدة أحياء سكنية مكتظة. لا صواريخ باليستية خلف جدرانه، ولا أجهزة طرد مركزي في أقبيته، ولا غرف عمليات عسكرية. هناك فقط مكاتب تحقيق، وملفات جنائية، ومحققون يتعاملون مع بلاغات السرقة والاحتيال.

لكن في مارس/آذار 2026، وفي وسط الحرب التي بدأتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، اختفى هذا المبنى من على الخريطة. تُظهر صور الأقمار الصناعية أن المبنى دُمّر بالكامل ضمن الموجة الأولى من الضربات الأمريكية والإسرائيلية على العاصمة الإيرانية. لم يكن الهدف عسكريًا بأي تعريف تقليدي، والأهم أنه لم يكن حالة منفردة.

مصدر الصورة القاعدة الحادية عشرة، 26 فبراير/شباط و 6 مارس/آذار 2026 (الجزيرة – بلانت)

فقد تحققت وحدة التحقيقات الرقمية في شبكة الجزيرة من تعرّض 75 موقعًا أمنيًا داخليًا للقصف منذ بدء الحرب في 28 فبراير/شباط وحتى 10 مارس/آذار 2026 من بينها مراكز شرطة محلية، وقواعد تحقيقات جنائية، ومقرات أمن عام، ونقاط تفتيش تابعة لقوات الباسيج. لم يكن أيٌّ من هذه المواقع موقعًا عسكريًا أو نوويًا أو صاروخيًا. كلها مؤسسات أمن داخلي، من تلك التي تدير من خلالها الدولة الإيرانية حضورها اليومي في الأحياء والشوارع والأسواق.

"تحققت وحدة التحقيقات الرقمية في شبكة الجزيرة من تعرّض 75 موقعًا أمنيًا داخليًا للقصف منذ بدء الحرب في 28 فبراير/شباط وحتى 10 مارس/آذار 2026".

يتتبع هذا التحقيق خريطة الاستهداف، ويحلل نمطها الجغرافي، ويفحص طبيعة المواقع المستهدفة، ويتساءل عن المنطق الاستراتيجي وراء تدمير مراكز الشرطة في حرب يُعلن قادتها تارة أن هدفها تفكيك البرنامج النووي الإيراني، وتارة أخرى أنه القضاء على برنامجها الصاروخي، وتارة ثالثة أنه تغيير النظام هكذا بلا مواربة.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 خلف الأبواب المغلقة.. كيف فشل رجال ترمب في منع مغامرة إيران؟
* list 2 of 2 "الهالاخاه" و"الدارما".. تاريخ "الغرام" الأيديولوجي بين الهند وإسرائيل end of list
إعلان

اعتمدت وحدة التحقيقات الرقمية في الجزيرة على جمع البيانات من المصادر المفتوحة، مثل التقارير الإعلامية، والمقاطع المصورة، وكتابات محللين مستقلين، والتحقق منها عبر صور الأقمار الصناعية المتاحة للتأكد من وقوع أضرار جزئية أو كلية في كل موقع. لم يعتمد التحقيق على مصادر حكومية، حيث أن ما يقدمه هو قراءة في البيانات المفتوحة والصور الفضائية، وتحليلا لما تقوله هذه البيانات حين تُجمع معا.

كيف أُنجز هذا التحقيق؟

جُمعت البيانات على مرحلتين. في المرحلة الأولى، رُصدت التقارير الواردة عن استهداف مواقع أمنية داخلية من مصادر متعددة مثل البيانات الرسمية الإيرانية، والمقاطع المصورة التي نشرها مواطنون وصحفيون على منصات التواصل، وتحليلات محققين مستقلين في مجال المصادر المفتوحة، إضافة إلى ما نشرته الحسابات المرتبطة بوزارة الحرب الأمريكية، أو بالجيش الإسرائيلي، وكذلك وسائل إعلام دولية ومنصات تحقق جغرافي. سُجّل كل موقع بإحداثياته الجغرافية، وصُنّف بحسب نوعه، سواء كان مركز شرطة، أو قاعدة تحقيقات جنائية، أو مقر أمن عام، أو نقطة تابعة للباسيج، وحُدّد تاريخ الاستهداف المُبلّغ عنه حيثما توفرت المعلومة.

في المرحلة الثانية، أُخضع كل موقع للتحقق عبر صور الأقمار الصناعية. استُخدمت صور من منصة "بلانت لابز – Planet Labs" (بدقة متوسطة عبر أقمار PlanetScope)، إلى جانب صور متاحة من مزودين آخرين حسب التغطية المتوفرة لكل موقع. قورنت صور ما قبل الحرب بصور ما بعد الضربات للتأكد من وقوع تدمير كلي أو جزئي في المبنى المُبلّغ عنه. لم يُدرج أي موقع في قاعدة البيانات النهائية ما لم يُؤكَّد الضرر بصريًا عبر صور الأقمار الصناعية.

غير أن هذا العمل التوثيقي يواجه عقبة متصاعدة. ففي 6 مارس/آذار، فرضت شركة "بلانت لابز" تأخيرًا مدته أربعة أيام على إتاحة صورها التجارية من منطقة الشرق الأوسط، ثم وسّعت القيد في 9 مارس/آذار مكانيا ليشمل جميع صور إيران والقواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة وإسرائيل، وزمانيا ليبلغ 14 يومًا. وقالت الشركة إن القرار يهدف إلى منع "أطراف معادية" من استخدام صورها لاستهداف قوات حلف الناتو والمدنيين.

"أُدرجت المواقع الـ75 المُتحقق منها في خريطة تفاعلية، ثم وُضعت في سياقها الجغرافي والديموغرافي عبر مقارنتها بخريطة الكثافة السكانية وخريطة انتشار مقرات الشرطة والباسيج".

وفي الاتجاه نفسه، فرضت شركة "فانتور – Vantor" قيودًا مماثلة على توزيع صورها. ولاحقًا، كشف الصحفي المستقل كين كليبنستاين عن وثيقة مسرّبة صادرة عن القوات الفضائية الأمريكية تتضمن توجيهات لشركات الأقمار الصناعية التجارية بشأن اللغة المسموح بها في وصف الأضرار، ما يعني أن التعتيم لم يكن تجاريًا بحتًا بل جزءًا من إدارة أمريكية واعية لتدفق المعلومات في زمن الحرب.

عمليًا، يعني هذا أن البنية التحتية للمعلومات التي يعتمد عليها التحقيق المستقل في هذه الحرب قد أُغلقت جزئيًا. ولذلك، يعمل هذا التحقيق على استكشاف مصادر بديلة للصور الفضائية من خارج المنظومة الأمريكية، بما فيها من مزودي الخدمات الصينيين والأوروبيين، للحفاظ على القدرة على التحقق المستقل مما يجري على الأرض، حتى لو كانت هذه البدائل أقل دقة أو أكثر تعقيدًا في الوصول والاستخدام.

إعلان

أُدرجت المواقع الـ75 المُتحقق منها في خريطة تفاعلية، ثم وُضعت في سياقها الجغرافي والديموغرافي عبر مقارنتها بخريطة الكثافة السكانية وخريطة انتشار مقرات الشرطة والباسيج، وكلتاهما بُنيتا اعتمادًا على بيانات عامة. وقد حُدّد الإطار الزمني للتحقيق من تاريخ بدء الضربات في 28 فبراير/شباط وحتى 10 مارس/آذار 2026. ومن المرجح أن عدد المواقع الأمنية المستهدفة فعليًا يتجاوز كثيرًا ما وثّقه هذا التحقيق، نظرًا لمحدودية التغطية بالأقمار الصناعية في بعض المناطق وانقطاع الإنترنت داخل إيران الذي يحدّ من تدفق المعلومات الميدانية.

مصدر الصورة خريطة أماكن الاستهدافات للمقار الأمنية منذ بدء الحرب وحتى 10 مارس/آذار (الجزيرة)

للتنويه، تتألف منظومة الأمن الداخلي في إيران من ركيزتين مؤسسيتين رئيسيتين: قيادة إنفاذ القانون في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، المعروفة اختصارًا بـ"فراجا"، وهي جهاز الشرطة الوطني، وقوات التعبئة الشعبية (الباسيج) التي تعمل تحت مظلة الحرس الثوري الإيراني. ورغم تباين مهامهما التنظيمية، تتشابك هاتان المنظومتان ميدانيًا في وظيفة واحدة محورية تتمثل الحفاظ على السيطرة الداخلية ومحاصرة أي تحرك شعبي مناهض للنظام.

فراجا والباسيج

تأسست "فراجا" عام 1991 من دمج ثلاث مؤسسات سابقة: الشهرباني (الشرطة الحضرية)، والدرك (الشرطة الريفية والحدودية)، ولجان الثورة الإسلامية. ويبلغ عدد أفرادها نحو 260 ألفًا، وتتولى مهام إنفاذ القانون اليومية في المدن والأرياف في جوانب مكافحة الجرائم الجنائية والاقتصادية، وتنظيم المرور، ومراقبة المنشآت العامة، وإدارة شؤون الجوازات والهجرة، وملاحقة المخدرات.

غير أن التحول المفصلي في طبيعة هذا الجهاز جاء في ديسمبر/كانون الأول 2021، حين أصدر المرشد الأعلى الراحل علي خامنئي قرارًا بترقية المؤسسة إلى مستوى "فرماندهي" (قيادة)، ما ساوى مرتبتها بالجيش والحرس الثوري ووسّع صلاحياتها وميزانيتها. وفي يناير/كانون الثاني 2023، عُيّن أحمد رضا رادان قائدًا عامًا لفراجا بقرار مباشر من المرشد. ورادان ضابط في الحرس الثوري بدأ مسيرته في الباسيج خلال الحرب العراقية الإيرانية، وتدرّج في مناصب أمنية في كردستان وسيستان وبلوشستان وخراسان وطهران.

تضم فراجا عدة أجهزة متخصصة ذات صلة مباشرة بموضوع هذا التحقيق. أحد هذه الأجهزة هو جهاز شرطة التحقيقات الجنائية المسؤول عن قضايا السرقة والجرائم الاقتصادية والجنائية في المدن، وشرطة الأمن العام، المكلفة بمراقبة النشاط السياسي والاجتماعي وإدارة شبكات المخبرين، ويندرج تحتها جهاز شرطة الآداب. كما تضم فراجا وحدات خاصة، وهي قوة احتياطية استراتيجية متخصصة في مواجهة الاحتجاجات.

"المراكز الشرطية التي ظهرت في خريطة الاستهدافات التي يوثقها التحقيق تمثل البنية التحتية التي تدير من خلالها الدولة الإيرانية حضورها الأمني اليومي في الأحياء السكنية".

بعبارة أخرى، فإن المراكز الشرطية التي ظهرت في خريطة الاستهدافات التي يوثقها التحقيق تمثل البنية التحتية التي تدير من خلالها الدولة الإيرانية حضورها الأمني اليومي في الأحياء السكنية بجانب مراكز التحقيق الجنائي التي تُستقبل فيها البلاغات وتُنفذ منها حملات الاعتقال وتجري فيها المراحل الأولى من التحقيق والاستجواب والحبس المؤقت، إضافة إلى مقرات الأمن العام التي تُدار منها شبكات المراقبة المجتمعية.

تمثل قوات الباسيج الركيزة الثانية للأمن الداخلي. وقد تأسست عام 1979 بأمر من روح الله الخميني بوصفها "جيش العشرين مليون شخص"، المبني على جحافل من المتطوعين. وشاركت في الحرب العراقية الإيرانية قبل أن يتحول دورها تدريجيًا نحو الأمن الداخلي بعد انتهاء الحرب. تعمل الباسيج تحت إمرة القوات البرية للحرس الثوري، وتحتفظ بوجود في كل مدينة وبلدة إيرانية تقريبًا.

مصدر الصورة شعار قوات الباسيج (الجزيرة)

يقوم هيكل الباسيج التنظيمي على تقسيم المدن إلى "مناطق مقاومة"، تنقسم بدورها إلى "نواحٍ"، ثم "قواعد مقاومة"، ثم "مجموعات". وتشمل أجنحتها المسلحة ألوية عاشوراء والزهراء المكلفة بأمن الأحياء، وألوية الإمام حسين المؤلفة من قدامى المحاربين. وتمتد فروعها إلى الجامعات والمدارس والنقابات والأسواق، بحيث تعمل كشبكة مراقبة اجتماعية شاملة تتجاوز الوظيفة العسكرية التقليدية.

إعلان

تتفاوت تقديرات حجم البسيج تفاوتًا كبيرًا. فبينما تتحدث المصادر الرسمية الإيرانية عن ملايين الأعضاء، تُقدّر المصادر الغربية عدد الأفراد الفاعلين أمنيًا بعشرات الآلاف (بجانب مئات الآلاف من الاحتياطيين)، ينتشرون في آلاف المقار في أنحاء البلاد.

ميدانيًا، مثّلت الباسيج القوة الأكثر حضورًا في قمع الاحتجاجات الداخلية: في الحركة الخضراء عام 2009، واحتجاجات الوقود عام 2019، وحركة التظاهرات التي أعقبت مقتل الفتاة مهسا أميني على يد الشرطة في سبتمبر/أيلول 2022. وتعتمد الباسيج في عملها على شبكة مخبرين واسعة على المستوى المحلي، تستهدف أي صوت يُعدّ تهديدًا للنظام.

"التفريق بين المنشآت العسكرية ومقرات الأمن الداخلي يمثل حجر الزاوية في منهجية هذا التحقيق".

إن التفريق بين المنشآت العسكرية ومقرات الأمن الداخلي يمثل حجر الزاوية في منهجية هذا التحقيق. فالمنظومة العسكرية الإيرانية، والتي تضم سلاح الصواريخ الباليستية، والقوات البحرية، والبرنامج النووي، تتبع هيكلًا قياديًا مختلفًا وتؤدي وظيفة دفاعية خارجية. أما فراجا والباسيج فتمثلان الواجهة اليومية للنظام مع مواطنيه من خلال التعامل مع المشكلات المجتمعية، وتمثيل النظام على الأرض عبر نقاط التفتيش في الأحياء، والدوريات في الأسواق، ومراكز التحقيق، والمقرات التي تُراقب من خلالها الحركة السياسية والاجتماعية للإيرانيين.

لذلك، فحين تستهدف ضربة جوية أمريكية تتكلف عشرات الملايين من الدولارات مركزًا للتحقيقات الجنائية يتعامل مع قضايا سرقة الدراجات النارية في جنوب طهران، أو قاعدة شرطة تخدم حيًا سكنيًا وتختص بجرائم الجنح البسيطة، فإن الهدف ليس تدمير قدرة البلاد العسكرية، أو منعها من امتلاك سلاح نووي، بل تفكيك البنية التي يستطيع من خلالها النظام إدارة الحياة اليومية لمواطنيه. وهذا ما يجعل نمط الاستهداف الذي يكشفه هذا التحقيق ذا دلالة استراتيجية تتجاوز الأبعاد العسكرية البحتة وأهداف الحرب المعلنة.

يكتسب نمط الاستهداف دلالته الكاملة حين يُقرأ إلى جانب ما لم يُستهدف بالطريقة ذاتها. فلم يرصد هذا التحقيق استهدافًا ممنهجًا (حتى الآن) لمباني الوزارات المدنية أو المستشفيات الحكومية أو المدارس أو شبكات المياه والكهرباء بالنمط المنظّم نفسه الذي طال المقرات الأمنية. صحيح أن بنى تحتية مدنية ومنشآت طاقة تعرضت للقصف في سياق الحرب الأوسع، لكن ما يميّز استهداف مقرات الأمن الداخلي هو طابعه المنهجي خلال قصف 75 موقعًا على الأقل من نوع واحد، في إطار زمني محدد، بنمط جغرافي متسق.

الاستهداف في غرب إيران

رصد هذا التحقيق 75 موقعًا أمنيًا داخليًا تعرّض للقصف منذ بدء الحرب في 28 فبراير/شباط وحتى 10 مارس/آذار 2026، وتحقّق من وقوع أضرار فيها عبر صور الأقمار الصناعية. وحين تُعرض هذه المواقع على الخريطة، يبرز نمط جغرافي واضح حيث تتمركز الضربات بكثافة عالية في النصف الغربي من إيران، مع تركّز استثنائي في العاصمة طهران.

حصدت طهران وحدها 31 استهدافًا من أصل 75، أي ما يتجاوز 40% من إجمالي الضربات على المقرات الأمنية الداخلية. تليها مدينة سنندج، عاصمة إقليم كردستان، بـ8 استهدافات. وتتوزع بقية الضربات على مدن في المحافظات الغربية والوسطى: أصفهان، كرمانشاه، همدان، لرستان، وغيرها، فيما تكاد المحافظات الشرقية والجنوبية الشرقية تخلو من أي استهداف لمقرات أمنية داخلية.

"حصدت طهران وحدها 31 استهدافًا من أصل 75، أي ما يتجاوز 40% من إجمالي الضربات على المقرات الأمنية الداخلية".

هذا التوزيع لا يعكس جغرافيا الصراع العسكري. فالمنشآت الصاروخية والنووية والقواعد العسكرية الكبرى منتشرة في أنحاء إيران كلها، بما فيها المناطق الشرقية والجنوبية. لكن حين نضع خريطة الاستهدافات الأمنية جنبًا إلى جنب مع خريطتين أخريين تمثلان الكثافة السكانية وانتشار مقرات الأمن الداخلي، يتكشّف المنطق الذي يحكم اختيار الأهداف.

يتركز أكثر من 70% من سكان إيران في المناطق الحضرية، ومعظم هذه المناطق يقع في النصف الغربي من البلاد. طهران الكبرى وحدها تضم نحو 15 مليون نسمة، أي ما يقارب سدس سكان البلاد. وتمتد سلسلة المدن الكبرى غربًا وجنوبًا من أصفهان (نحو 5 ملايين نسمة)، وكرمانشاه (نحو مليوني نسمة)، وهمدان، وسنندج، وتبريز. في المقابل، تتسم المحافظات الشرقية مثل سيستان وبلوشستان، وجنوب خراسان، وكرمان بكثافة سكانية منخفضة موزعة على مساحات شاسعة.

مصدر الصورة خريطة حرارية للكثافة السكانية في إيران (الجزيرة)

حين تُسقط خريطة الاستهدافات على خريطة الكثافة السكانية، يظهر تطابق شبه كامل حيث تتركز الضربات في مناطق تركز السكان. وهذا يعني أن منطق الاستهداف لا يتعلق بتدمير قدرة النظام العسكرية، بل بتفكيك البنية الأمنية في المناطق التي يعيش فيها أكبر عدد من الإيرانيين.

إعلان

الخريطة الثالثة تؤكد هذا الاستنتاج. إذ تنتشر مراكز فراجا وقواعد الباسيج بكثافة أعلى في المناطق الغربية ذات الكثافة السكانية المرتفعة، وهو أمر متوقع، إذ تتطلب المدن الكبرى حضورًا أمنيًا أكبر. لكن المهم هنا أن خريطة الاستهدافات لا تختار من بين هذه المقرات بشكل انتقائي يوحي بأهداف تكتيكية محددة كاستهداف نقاط حدودية مثلًا أو مراكز قيادة بعينها، بل تطال الشبكة الأمنية بأكملها في المناطق المكتظة من مراكز شرطة محلية، وقواعد تحقيقات جنائية، ومقرات أمن عام، ونقاط تفتيش للباسيج.

مصدر الصورة خريطة تمركز مقار الشرطة والباسيج (الجزيرة)

أشارت تحليلات نُشرت في الأيام الأولى للحرب إلى أن استهداف المقرات الأمنية في غرب إيران قد يهدف إلى خلق ممر أمني مفتوح يسمح بتسلل مجموعات مسلحة (نظامية أو غير نظامية) من العراق إلى داخل الأراضي الإيرانية. وذهب بعض المحللين إلى أن التركيز على الغرب يعكس رغبة في إضعاف السيطرة الأمنية على طول الحدود العراقية تحديدًا.

هذا الاحتمال يبقى قائمًا ولا يمكن نفيه أو تأكيده بشكل قاطع. لكن البيانات التي جمعها هذا التحقيق تشير إلى أن فرضية الممر الحدودي لا تفسّر النمط الكامل. فلو كان الهدف إنشاء ثغرة على الحدود الغربية، لتركزت الضربات في المحافظات الحدودية المباشرة: إيلام، كرمانشاه، كردستان. لكن ما نراه هو أن طهران الواقعة في عمق البلاد تستأثر وحدها بأكثر من 40% من الاستهدافات. كما تطال الضربات مدنًا عدة في محافظات ليست على الحدود العراقية.

يشير ذلك إلى أن الهدف أوسع من إنشاء ممر تسلل عبر الحدود. ما تكشفه خريطة الاستهدافات حين تُقرأ مع خريطتي الكثافة السكانية وانتشار القوات الأمنية هو استراتيجية تستهدف الإضعاف الشامل لمنظومة الأمن الداخلي في المناطق الأكثر اكتظاظًا، أي تلك التي يمكن أن تشهد تحركات شعبية واسعة إذا ضعفت القبضة الأمنية.

طبيعة الأهداف

توثّق قاعدة البيانات التي بنتها وحدة التحقيقات الرقمية في الجزيرة استهداف 75 موقعًا أمنيًا عبر صور الأقمار الصناعية. وتتنوع هذه المواقع بين مراكز شرطة محلية، وقواعد تحقيقات جنائية، ومقرات أمن عام، ونقاط تفتيش وقواعد تابعة لقوات الباسيج. ولفهم دلالة هذا الاستهداف، لا يكفي إحصاء المواقع، بل يجب النظر في وظائفها اليومية.

أولًا: مراكز الشرطة المحلية

تمثل المراكز الأمنية التابعة لجهاز الشرطة (فراجا) المكون الأبرز في قائمة الاستهدافات؛ وهي المؤسسات التي تمس حياة الإيرانيين اليومية عبر مهامها في تقييد البلاغات، وملاحقة قضايا السرقة، وإدارة المرور، ومراقبة الأسواق والمنشآت الحيوية.

ومن بين النماذج التي رصدها هذا التحقيق:


* مركز شرطة سقز في محافظة كردستان؛ حيث تظهر الصور الجوية والمقاطع المصورة تدمير المرفق بالكامل ومحوه من الخريطة. وتبرز أهمية سقز، التي يقطنها نحو 180 ألف نسمة، لكونها مهد احتجاجات عام 2022، ما يجعل غياب مركزها الأمني الرئيسي تغييبًا لأداة السيطرة وإنفاذ القانون في المدينة بأكملها.


* مقر الشرطة الخامس في طهران (35.70679°N, 51.36023°E). وهو مرفق أمني يخدم أحياء سكنية في قلب العاصمة، تعرض لتدمير شامل وفق ما وثقته المقاطع الميدانية. مقر الشرطة الخامس في طهران، قبل وبعد استهدافه حسب صور الأقمار الصناعية. (الجزيرة – بلانت)
* مركز شرطة أصفهان (32.54602°N, 51.68908°E). أكدت تحليلات المصادر المفتوحة وصور الأقمار الصناعية وقوع أضرار جسيمة طالت بنية المركز وحولته إلى ركام. مقارنة قبل وبعد استهداف مركز شرطة أصفهان، 09 آذار/مارس 2026. (الجزيرة – بلانت)

وكان فريق "بلينغكات" (Bellingcat) قد وثق في مستهل الحرب قصف 15 مركزًا على الأقل في العاصمة طهران بين 1 و3 مارس/آذار، من أبرزها مقر الشرطة الدبلوماسية بميدان فردوسي، وهو أحد أكثر التقاطعات حيوية في العاصمة، والمقر القريب من منطقة البازار الكبير.

ثانيًا: قواعد التحقيقات الجنائية

تُشير البيانات التي وثقتها وحدة التحقيقات الرقمية في الجزيرة إلى أن رقعة الاستهداف لم تقتصر على مراكز الشرطة التقليدية فحسب، بل امتدت لتطال "قواعد التحقيقات الجنائية". تُمثل هذه القواعد الركيزة الإدارية والأمنية المسؤولة عن التحقيق في الجرائم الاقتصادية والسرقات الجنائية المعقدة، وتتوزع وفق تقسيمات جغرافية محددة تخدم الأحياء السكنية المكتظة في كبرى المدن الإيرانية. ومن أبرزها ما يلي:


* القاعدة الحادية عشرة لشرطة التحقيقات الجنائية في طهران الكبرى: كشفت صور الأقمار الصناعية عن تدمير كلي لهذا المرفق الذي أشارت التقارير المحلية قبل اندلاع الحرب إلى تخصصه في مكافحة الجرائم الاقتصادية وقضايا الاحتيال والسرقة. لم يكن الموقع يضم منصات صواريخ أو غرف عمليات عسكرية، بل كان مجرد وحدة تحقيق جنائية تخدم النطاق السكاني المحيط بها. القاعدة الحادية عشرة، 26 فبراير/شباط و 6 مارس/آذار 2026 (الجزيرة – بلانت)
* القاعدة السادسة لشرطة التحقيقات الجنائية (35.6916667° N, 51.4018234° E): تُظهر تحليلات المصادر المفتوحة وصور الأقمار الصناعية وقوع أضرار جسيمة في هذا المركز الذي يخدم منطقة سكنية حيوية، ويختص، وفقًا للأرشفة الصحفية الإيرانية، بملاحقة القضايا الجنائية والجنح. صور أقمار صناعية تظهر القاعدة السادسة للتحقيقات الجنائية في طهران قبل وبعد الضربة ويظهر فيها آثار الدمار (الجزيرة – بلانت)
* مركز الشرطة السابع في طهران (35.68881, 51.39432): يتبع هذا المقر الدائرة الشرطية في الحي الخامس عشر بالعاصمة، وتؤكد السجلات المحلية تخصص المجمع في التعامل مع بلاغات السرقات المنظمة. وثّقت وحدة التحقيقات استهداف مبانٍ متعددة داخل المربع الأمني نفسه، حيث كشفت صور الأقمار الصناعية عن دمار واسع النطاق طال عدة منشآت خدمية داخل المجمع. مركز الشرطة السابع في طهران، قبل وبعد الضربة (الجزيرة-بلانت)

تكمن الدلالة الاستراتيجية في استهداف هذه الفئة تحديدًا في تجريدها من أي قيمة عسكرية؛ فهذه القواعد لا تضم ترسانات حربية أو غرف قيادة وسيطرة، بل هي عبارة عن مكاتب تحقيق وأرشيفات جنائية. لذا، فإن تدميرها لا يستهدف تقويض القدرة الدفاعية الإيرانية بقدر ما يستهدف تفكيك البنية التحتية التي تمارس من خلالها الدولة وظائفها الأساسية في إدارة المجتمع وحفظ النظام العام.

ثالثًا: مقرات ونقاط تفتيش البسيج

تُمثل مقرات وقواعد قوات التعبئة الشعبية (الباسيج) ونقاط تفتيشها الميدانية الفئة الثالثة التي رصدها هذا التحقيق ضمن بنك الأهداف، حيث شهدت وتيرة استهدافها تصعيدًا ملحوظًا وممنهجًا بدأ في منتصف مارس/آذار 2026.

ووفقًا لما أورده تقرير لصحيفة وول ستريت جورنال، فقد نُفذت عملية اغتيال غلام رضا سليماني، قائد قوات الباسيج، استنادًا إلى معلومات استخباراتية يُعتقد أن مصدرها مواطنون من الداخل الإيراني. ومنذ 17 مارس/آذار، شرع جيش الاحتلال الإسرائيلي في بث مقاطع مصورة توثق استهداف نقاط تفتيش تابعة للباسيج، سواء في قلب العاصمة طهران أو في أقاليم أخرى من البلاد.

يؤشر هذا التحول إلى نقلة نوعية في العقيدة الاستهدافية؛ فبينما انصبت الضربات في الأسبوع الأول من الحرب على المنشآت الثابتة من مراكز شرطة وقواعد تحقيق ومقرات إدارية، انتقلت العمليات لاحقًا لملاحقة الحضور الأمني الميداني والمتحرك في الشوارع. ويتماهى هذا النمط مع التوجه الإسرائيلي المعلن لـ "تحطيم ركائز النظام"، عبر تفكيك قدرته على ممارسة السيادة اليومية والسيطرة الميدانية حتى من خلال المواقع البديلة.


* من بين مقرات الباسيج التي تعرضت للاستهداف، مقر ناحية باسيج بهشتي في المنطقة الثامنة في العاصمة طهران (35.73049° N, 51.48237° E)، وعادة ما تشرف "النواحي" على عدد من القواعد الأصغر. وقد وثّقت وحدة التحقيقات عبر صور الأقمار الصناعية تعرض عدد من المباني داخل المقر للدمار. آثار الدمار الذي لحق في مقر تابع لقوات الباسيج في بهشتي بطهران بعد قصفه. 06 آذار/مارس 2026. (الجزيرة – بلانت).

وبالنظر إلى التقديرات التي تشير إلى وجود مئات الآلاف من العناصر الفاعلة أمنيًا في الباسيج، يغدو القضاء التام على هذه القوة البشرية عبر سلاح الجو هدفًا غير واقعي من الناحية العملياتية، كما أثبتت تجارب سابقة في لبنان وغزة. ومن ثم، يرجح التحقيق أن الغاية الاستراتيجية تكمن في تقويض "هيبة" المنظومة الأمنية وتعطيل قدرتها التشغيلية، مع إيصال رسالة مباشرة للأفراد بأن ممارسة المهام الأمنية باتت تحمل كلفة باهظة وفورية.

ماذا يريد الأمريكيون والإسرائيليون؟

في الساعة 2:30 فجرًا بتوقيت واشنطن يوم 28 فبراير/شباط 2026، نشر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بيانًا مصورًا مدته ثماني دقائق أعلن فيه بدء "عمليات قتالية كبرى" ضد إيران. ذكر ترامب أهدافًا متعددة هي تدمير البرنامج الصاروخي، وإبادة البحرية الإيرانية، ومنع إيران من امتلاك سلاح نووي. لكنه اختتم بمخاطبة الشعب الإيراني مباشرة بقوله: "حين ننتهي، تولّوا أمر حكومتكم. ستكون لكم".

في اليوم نفسه، خاطب بنيامين نتنياهو الإيرانيين بالفارسية داعيًا إياهم إلى "النزول إلى الشوارع بالملايين لإنهاء المهمة وإسقاط نظام الخوف". ووصف لاحقًا استراتيجية الضربات بأنها "كسر عظام النظام".

هاتان الرسالتان تضعان نمط الاستهداف الذي يوثقه هذا التحقيق في سياقه الذي أعلنه أكبر المسؤولين في الولايات المتحدة وإسرائيل. فتدمير مراكز الشرطة وقواعد التحقيقات الجنائية ونقاط تفتيش الباسيج ليس هدفًا عسكريًا بالمعنى التقليدي، لكنه يصبح منطقيًا تمامًا إذا كان الهدف هو إحداث حالة من الفوضى الأمنية التي قد تضعف النظام وتُسهم في تآكل شرعيته شعبيًا بهدف تنظيم ثورة ضده أو تحرك شعبي مدعوم خارجيا لإسقاطه.

ويكشف التسلسل الزمني للأحداث أن البنية العسكرية لهذه الحرب سبقت مبرراتها المُعلنة. فقد كشف وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس في 4 مارس/آذار أن إسرائيل كانت تخطط أصلًا لضرب إيران في منتصف عام 2026، أي قبل أن تندلع احتجاجات يناير/كانون الثاني التي استُخدمت لاحقًا مبررًا أخلاقيًا للحرب.

وكان الحشد العسكري الأمريكي الأكبر في المنطقة منذ غزو العراق 2003 قد بدأ فعليًا في يناير/كانون الثاني، بالتزامن مع الاحتجاجات التي اندلعت في ديسمبر/كانون الأول 2025 بفعل انهيار العملة الإيرانية وتفاقم الأزمة الاقتصادية. واستثمرت واشنطن وتل أبيب في هذه الاحتجاجات خطابيًا، إذ هدّد ترامب مرارًا بالتدخل العسكري "إذا استمر النظام في قتل المتظاهرين" وهو ما قُدّم مبررًا أخلاقيًا للحرب، رغم أن التخطيط العسكري كان يسبق المظاهرات بوقت كبير.

"خطاب تحرير الشعب الإيراني يمثل إطارا دعائيا يُضفي شرعية أخلاقية على حرب هدفها الجوهري إزالة إيران بوصفها قوة إقليمية تهدد إسرائيل".

والأهم من ذلك أن هذه الحرب تأتي في سياق تسلسل استراتيجي إسرائيلي واضح. فبعد هجوم السابع من أكتوبر 2023 الذي أدركت فيه إسرائيل مدى هشاشة نظامها الأمني، بدأت بحرب الإبادة في غزة، ثم محاولة القضاء على حزب الله في لبنان، ثم التعامل مع حقيقة سقوط نظام الأسد في سوريا، ثم ضربات يونيو/حزيران 2025 على المنشآت النووية والصاروخية الإيرانية. في كل خطوة كانت إسرائيل تسخر الوضع القائم لإضعاف طرف من أطراف "محور المقاومة" الذي تقوده إيران. والحرب الحالية هي الحلقة الأخيرة في هذا التسلسل لضرب المركز بعد تفكيك الأطراف.

في هذا السياق، يصبح خطاب "تحرير الشعب الإيراني" وظيفيًا لتوفير إطار دعائي يُضفي شرعية أخلاقية على حرب هدفها الجوهري إزالة إيران بوصفها قوة إقليمية تهدد إسرائيل، وهو ما قاله نتنياهو نفسه حين وصف العملية بأنها لـ"إزالة التهديد الوجودي الذي يمثله نظام الإرهاب في إيران".

التناقضات داخل الموقف الأمريكي تؤكد هذه القراءة. فبينما كان ترامب يخاطب الإيرانيين بلغة تحرير الشعب، صرّح وزير حربه بيت هيغسيث مبكرًا في 2 مارس/آذار بأن "هذه ليست حرب تغيير نظام". ورفض ترامب نفسه التعامل مع رضا بهلوي، نجل شاه إيران الأخير/ بوصفه بديلًا، قائلًا إن "شخصًا من الداخل ربما يكون أنسب"، وتحدث وزير الخارجية ماركو روبيو عن أن الهدف هو تدمير القدرات الصاروخية والبحرية، وأن تغيير النظام "مرحّب به إن حدث" لكنه ليس الهدف الأساسي.

أما دانيال ليفي، المستشار الإسرائيلي السابق، فقدّم التوصيف الأكثر صراحة في حديث سابق للجزيرة قال فيه إنه "ليس لدى إسرائيل مصلحة حقيقية في تغيير سلس للنظام. ما تريده إسرائيل هو انهيار النظام والدولة. وإذا امتدت تداعيات ذلك إلى العراق والخليج والمنطقة بأكملها، فهذا أفضل من وجهة نظرها".

كيف استجاب الإيرانيون؟

بعد نحو شهر من بدء الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، تكفي نظرة إلى المؤشرات المتاحة للإجابة على السؤال المركزي الذي تطرحه استراتيجية تفكيك الأمن الداخلي: هل أدت إلى النتيجة المرجوة؟ الإجابة المختصرة: لا.

إذ لم تشهد إيران منذ بدء الحرب انتفاضة شعبية واسعة من النوع الذي دعا إليه ترامب ونتنياهو. لم تنزل الحشود إلى الشوارع لإسقاط النظام، ولم تسقط مؤسسات الدولة، ولم تُعلن مدن انشقاقها عن السلطة المركزية. أي أنه بالمعيار الذي وضعه مهندسو الحرب أنفسهم، فشلت الاستراتيجية في تحقيق هدفها المعلن.

محتجون يدوسون العلم الأمريكي خلال مظاهرات يوم القدس في طهران -13 مارس 2026 (رويترز)

فرغم تدمير عشرات المقرات الأمنية واغتيال قيادات عسكرية بارزة، تُظهر المؤشرات المتوفرة أن منظومة الأمن الداخلي الإيرانية لا تزال تعمل. ليس بالمستوى السابق بالضرورة، لكن بما يكفي لممارسة وظائفها الأساسية في ضبط الشارع وفرض حضور الدولة.

في 21 مارس/آذار، أعلن قائد الشرطة عن تفعيل دوريات مركبات ودراجات نارية على مدار الساعة في أحياء طهران ومدن أخرى. وأظهرت مقاطع مصورة انتشار مركبات مدرعة وقوات الباسيج في أنحاء البلاد. وأعلن قائد الوحدات الخاصة في "فراجا" والذي وصف المعركة بـ"حرب رمضان"، نشر وحداته على المستوى الوطني واستمرار الدوريات السرية والعلنية ونقاط التفتيش. كما فعّل رئيس شرطة الوقاية فرق دورية على مدار 24 ساعة واستخدام شبكات المخبرين المحليين لتغطية المناطق التي وُصفت بأنها عالية الخطورة.

وقبل ذلك، قامت الشرطة بفضّ احتفالات "الأربعاء الأحمر" في مناطق متعددة قبيل عيد النوروز، وهو مؤشر مباشر على أن المنظومة الأمنية لا تزال قادرة على التعامل مع التجمعات العامة وفرض القيود عليها حتى في ظل الحرب.

"رغم تدمير عشرات المقرات الأمنية واغتيال قيادات عسكرية بارزة، تُظهر المؤشرات المتوفرة أن منظومة الأمن الداخلي الإيرانية لا تزال تعمل".

ينطوي فشل هذه الاستراتيجية على أسباب بنيوية تسلط الضوء على ضعف في المقاربة التي قادت إلى هذه الحرب. فالإيرانيون يعيشون تحت القصف، لا في ظل فراغ أمني مُحرَّر. فحين تسقط الصواريخ على الأحياء السكنية وتُدمّر البنى التحتية ويختنق الناس بدخان مصافي النفط المحترقة، فإن أولوية المواطن ستكون البقاء حيًا لا التظاهر من أجل إسقاط النظام. قيل للإيرانيين إن تدمير مراكز الشرطة سيفتح لهم الطريق إلى الحرية، لكن ما حصلوا عليه فعليًا هو حرب تقتلهم وتهدم مدنهم وتقطع عنهم الخدمات الأساسية. وقد وصف المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بحقوق الإنسان في إيران الوضع بأن المدنيين الإيرانيين يواجهون "أزمة عسكرية وحقوقية متزامنة".

من ناحية أخرى فإن الحرب توحّد ولا تُفرّق. وهذه ربما النقطة التي أخطأ فيها مخططو الحرب أكثر من غيرها. ففي أي مجتمع يتعرض لعدوان خارجي، بصرف النظر عن علاقته بنظامه السياسي، تنشأ ديناميكية التفاف وطني تُعلّق الخلافات الداخلية مؤقتًا. وقد ظهر ذلك في الإحصاءات التي أعلن عنها محافظ طهران الذي قال إنه خلال حرب الاثني عشر يومًا في يونيو/حزيران انخفضت نسبة الجرائم بمقدار الثلثين، وكذلك في التعاطف الذي يبديه بعض الإيرانيين في المهجر والذين كانوا يطالبون بالتدخل العسكري الأمريكي لإسقاط النظام، قبل أن يعبر الكثيرون منهم عن تراجعهم بعد بدء استهداف مقدرات البلاد والبنية التحتية للطاقة والاقتصاد.

محتجون يرفعون صورة المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي في لندن (الأوروبية)

والسابقة التاريخية الأقرب لا تبعث على التفاؤل بنجاح المقاربة الإسرائيلية والأمريكية. ففي العراق عام 2003، فكّكت الولايات المتحدة أجهزة الأمن الداخلي بالكامل ضمن ما عُرف بـ"اجتثاث البعث"، وكان المنطق مشابهًا: إزالة أدوات القمع لتمهيد الطريق أمام نظام جديد. لكن النتيجة لم تكن ديمقراطية مستقرة بل انفلاتًا أمنيًا شاملًا وحربًا أهلية طائفية وصعود تنظيمات مسلحة.

الفارق الجوهري أن واشنطن في العراق كانت تملك 150 ألف جندي على الأرض ومع ذلك عجزت عن ملء الفراغ. في إيران لا وجود لقوات برية أمريكية أو إسرائيلية (حتى الآن)، ما يعني أن أي فراغ أمني، إن تحقق، لن يملأه سوى القوى الموجودة داخل المشهد الإيراني. وليس في التجربة المعاصرة ما يشير إلى أن انهيار أجهزة الأمن في غياب بديل منظّم يُفضي إلى تحوّل ديمقراطي — بل العكس هو الأرجح، من بغداد إلى طرابلس إلى بلغراد.

إن ما يكشفه هذا التحقيق أن المنظومة الأمنية الإيرانية تعمل تحت ضغط هائل وغير مسبوق، لكنها لم تنهر ولا يبدو أنها في طريقها للانهيار، وأن الرهان الأمريكي الإسرائيلي فشل حتى الآن في تحقيق الأهداف المرجوة من الحرب.

ما يبقى هو السؤال الذي لا يملك هذا التحقيق الإجابة عنه: ماذا بعد؟ هل يتحول التآكل التدريجي في قدرات الأمن الداخلي إلى انهيار فعلي في لحظة ما، أم أن النظام سيعيد بناء أدواته كما فعل بعد كل أزمة سابقة؟ وماذا سيحدث للإيرانيين حين تتوقف الطائرات عن القصف: هل سيجدون أنفسهم أحرارًا من النظام كما تروج البروباجندا؟ أم وسط ركام دولة مفككة تماما كما تريد إسرائيل؟

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا