آخر الأخبار

أطباء أسنان سودانيون في أوغندا.. نموذج ملهم لتحويل محنة الحرب إلى ثورة صحية

شارك

في أحد أحياء كمبالا الصاخبة، حيث اختلطت لهجات اللاجئين بأصوات المدينة الأوغندية، تستعد طبيبة الأسنان السودانية

شيماء محمود ليوم عمل جديد. قبل أن تستقبل مرضاها، تحرص على سماع آيات من القرآن الكريم، كأنها تستمد منها قوة داخلية تعينها على مواجهة يومٍ آخر في المنفى. بعدها ترتدي كمامتها وتتجه نحو غرفة الانتظار، بابتسامة تخفي قصة وطنٍ غادرته قسراً.

يدخل عبد الله إبراهيم محمد، وهورجل سوداني مسن تبدو على وجهه علامات الألم. يشكو من ضرس فقد حشوته أثناء تناول الطعام، لكن قصته لا تتوقف عند ألم الأسنان. فهو لاجئ بلا عمل، تنقّل بين مستشفيات عدة دون أن يجد علاجاً ميسور التكلفة، إلى أن وصل إلى “عيادة السلام” في كمبالا، حيث وجد ما لم يتوقعه: علاجاً مجانياً وأطباء يتحدثون لغته ويفهمون حكايته.

تقع العيادة في مبنى من ثلاثة طوابق بمنطقة كابالاغالا، التي أصبحت ملاذاً لآلاف السودانيين الفارين من الحرب التي اندلعت عام 2023 بين الجيش وقوات الدعم السريع. ومع تدفق قرابة 100 ألف سوداني إلى أوغندا، باتت العاصمة الأوغندية واحدة من أبرز محطات المنفى السوداني.

داخل العيادة، لا يقتصر الأمر على علاج التسوس وخلع الأضراس. شيماء تؤمن بأن الحرب تترك آثارها حتى على الأسنان. تقول إن كثيرين يعانون من صرير الأسنان ليلاً بسبب الصدمات النفسية، وإن اضطراب ما بعد الصدمة وسوء التغذية وقلة شرب المياه النظيفة كلها عوامل تنعكس على صحة الفم.

لكن قصة شيماء نفسها لا تقل عمقاً عن قصص مرضاها. قبل سنوات قليلة، كانت في شوارع الخرطوم تقود الاحتجاجات ضد نظام عمر البشير. كانت في سنتها الأخيرة بكلية الطب، وواحدة من الأصوات المطالبة بحقوق المرأة والحريات المدنية. تتذكر ضاحكة كيف كان ارتداء البنطال ممنوعاً على النساء قبل الثورة، وتشير إلى جينز قديم ما زالت تحتفظ به كتذكار لمرحلة انتزعت فيها النساء حقاً بسيطاً لكنه رمزي.

اليوم، تجد نفسها في منفى لم تخطط له. حين اندلعت الحرب، اضطرت للفرار دون أن تتمكن حتى من جمع مقتنياتها. لكن الإحساس بالرسالة لم يغادرها.

إلى جانبها يعمل الدكتور الصادق إبراهيم، طبيب من دارفور، فقد عيادته في الفاشر بعد أن تعرضت للنهب والتدمير. كان محظوظاً بمدخرات بسيطة ومساندة شقيقه في كندا، ما مكنه من إعادة المحاولة. مع ثلاثة أطباء سودانيين آخرين، قرر استثمار ما تبقى لديهم في عيادة متهالكة بكمبالا، ليحولوها إلى مركز طبي حديث يخدم اللاجئين والسكان المحليين.

اللافت أن العيادة لا تخدم السودانيين وحدهم. يومان في الأسبوع مخصصان للعلاج المجاني للاجئين، وثلاثة أيام للمرضى القادرين على الدفع، وغالبيتهم من الأوغنديين الذين باتوا يثقون في كفاءة الأطباء السودانيين وسمعتهم المهنية.

في غرفة الانتظار، تجلس نساء محجبات إلى جوار رجال مسنين بعمائمهم التقليدية، وبينهم أطفال وأوغنديون من مختلف الطبقات. اللافتات مكتوبة بالعربية والإنجليزية، وكأن المكان يحاول أن يكون جسراً بين وطنين.

بالنسبة لإبراهيم، الأمر لا يتعلق بالطب فقط، بل باستمرار روح الثورة. يقول إن الأطباء لعبوا دوراً محورياً في انتفاضة 2019، سواء في تنظيم الاحتجاجات أو إسعاف الجرحى. واليوم، حتى في المنفى، يريدون الحفاظ على ذلك الدور الإنساني.

هكذا، تتحول عيادة صغيرة في كمبالا إلى مساحة لاستعادة المعنى. بين صوت جهاز حفر الأسنان وهمسات المرضى، يعيد هؤلاء الأطباء بناء شيء أكبر من مهنة… يعيدون بناء إحساسهم بالهدف، ويمدّون خيط أمل رفيعاً بين وطن ممزق ومنفى يحاول أن يصبح بداية جديدة.

افق جديد

الراكوبة المصدر: الراكوبة
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا