ميرغني أبشر
يقيناً قاطع لا يمكننا قراءة المحاكمات الغيابية التي شرعت فيها سلطات بورتسودان ضد قيادات التحول المدني الديمقراطي بوصفها إجراءً قانونيًا عاديًا، ولا حتى توصيفها كمحاولة متأخرة لفرض هيبة الدولة. ما يجري، في جوهره يا سادتي، هو توظيف سياسي للقضاء، هدفه الأساسي إنتاج شعور زائف بالطمأنينة داخل القاعدة الاجتماعية للتنظيم الكيزاني، وإقناعها بأن الحراك الدبلوماسي الذي تقوده قوى السلام والتحول المدني لا يحمل في طياته أي إمكانية حقيقية لتغيير موازين الصراع أو فتح أفق فعلي لوقف الحرب.
تدرك السلطة المتمركزة في بورتسودان، بوعي حاد، أن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في خطوط المواجهة العسكرية، وإنما في المساحات التي يُعاد فيها تعريف الصراع أمام العالم. فالتحركات التي يقودها تحالف «صمود» لا تندرج ضمن إطار الدبلوماسية الرمزية أو المجاملات البروتوكولية، وإنما تمثل جهدًا استراتيجيًا لإعادة صياغة السردية الدولية حول السودان: حرب تُدار من قِبل قوى مسلحة عاجزة عن تقديم أفق سياسي، في مقابل مشروع مدني يستند إلى خطاب الديمقراطية والشرعية الثورية ووقف النزاع.
يعرف التنظيم الكيزاني، ومعه حواضنه السياسية، أن المجال الأوروبي مغلق أمامهم فعليًا. فالقائد العسكري الذي يستندون إليه لا يستطيع تجاوز دوائر جغرافية محدودة، ولا يحظى بقبول حقيقي في محيطه الإفريقي، ناهيك عن أن حضوره الدولي بات مثقلًا بسجل من الانتهاكات لا يمكن تغطيته بخطاب السيادة أو الأمن. في المقابل، يتحرك د. عبد الله حمدوك وتحالف «صمود» في فضاء دولي مفتوح، ويُستقبلون بوصفهم شركاء محتملين في حل سياسي، لا باعتبارهم سلطة أمر واقع.
إن طبيعة هذه الإجراءات، وتوقيتها، وغياب الانضباط القضائي في انعقاد جلساتها، كلها مؤشرات على سلطة تعاني من ارتباك سياسي عميق، لم يعد لديها من أدوات سوى تجريم خصومها المدنيين، في محاولة لإعادة إنتاج خطاب داخلي يبرر استمرار الحرب، ورسالة خارجية تشكك في مشروعية أي بديل مدني.
غير أن التجربة السودانية الحديثة تشير إلى أن مثل هذه الأدوات محدودة الأثر. فمنذ اندلاع ثورة ديسمبر، أثبتت السلمية—برغم كلفتها الباهظة—قدرتها على زعزعة البنى الصلبة للسلطة العسكرية، وإرباك تنظيم سياسي اعتاد العمل في الظل، ويواجه اليوم أزمة ثقة بنيوية في قدرته على الاستمرار.
الجولات الأوروبية التي يقودها حمدوك تمثل اختبارًا حقيقيًا لتوازنات القوة بين منطق السلاح ومنطق السياسة. وإذا نجح تحالف «صمود» في تأمين دعم أوروبي مؤثر، فإن ذلك قد يُحدث تحولًا ملموسًا في مسار الصراع، خاصة في ظل بحث الولايات المتحدة عن شريك موثوق خارج الأطر التقليدية للآلية الرباعية.
لقد أظهرت القوى المدنية، في محطات سابقة، قدرة واضحة على تعطيل مسارات إقليمية ودولية كانت تهدف إلى شرعنة الأمر الواقع. وما حدث في ملف الاتحاد الإفريقي ليس سوى مثال على فاعلية التحرك المنظم، حين يقترن برؤية واضحة وشبكة علاقات مؤثرة.
لهذا تحديدًا، تخشى السلطة هذه الجولة، وتخشى ما قد تفضي إليه. فهي تدرك، في نهاية المطاف، أن اليد التي ترفع إشارات السلام، وتطالب بوقف الحرب، قادرة—على المدى الطويل—على إرباك اليد التي لا تجيد سوى الضغط على الزناد.
المصدر:
الراكوبة