آخر الأخبار

من يحاكم من؟ محاكم بورتسودان "أداة الذعر السياسي" في مواجهة دبلوماسية السلام

شارك

ميرغني أبشر

يقيناً قاطع لا يمكننا قراءة المحاكمات الغيابية التي شرعت فيها سلطات بورتسودان ضد قيادات التحول المدني الديمقراطي بوصفها إجراءً قانونيًا عاديًا، ولا حتى توصيفها كمحاولة متأخرة لفرض هيبة الدولة. ما يجري، في جوهره يا سادتي، هو توظيف سياسي للقضاء، هدفه الأساسي إنتاج شعور زائف بالطمأنينة داخل القاعدة الاجتماعية للتنظيم الكيزاني، وإقناعها بأن الحراك الدبلوماسي الذي تقوده قوى السلام والتحول المدني لا يحمل في طياته أي إمكانية حقيقية لتغيير موازين الصراع أو فتح أفق فعلي لوقف الحرب.
في هذا الإطار، تأتي محاكمة شخصيات مدنية بارزة، على رأسها رئيس الوزراء السابق د. عبد الله حمدوك، متزامنة بدقة لافتة مع انطلاق جولة أوروبية واسعة لتحالف «صمود». هذا التزامن لا يبدو عرضيًا، وإنما يعكس محاولة محسوبة لتقويض أي مسار يمكن أن يفضي إلى شرعية دولية بديلة، شرعية قد تفرض نفسها باعتبارها التعبير الأكثر مصداقية عن تطلعات السودانيين للسلام وإنهاء الحرب.
تدرك السلطة المتمركزة في بورتسودان، بوعي حاد، أن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في خطوط المواجهة العسكرية، وإنما في المساحات التي يُعاد فيها تعريف الصراع أمام العالم. فالتحركات التي يقودها تحالف «صمود» لا تندرج ضمن إطار الدبلوماسية الرمزية أو المجاملات البروتوكولية، وإنما تمثل جهدًا استراتيجيًا لإعادة صياغة السردية الدولية حول السودان: حرب تُدار من قِبل قوى مسلحة عاجزة عن تقديم أفق سياسي، في مقابل مشروع مدني يستند إلى خطاب الديمقراطية والشرعية الثورية ووقف النزاع.
ولهذا السبب تحديدًا، تُستخدم المحاكمات الغيابية كوسيلة لتشويش تلك السردية، عبر خلط متعمد بين الفاعل والمفعول به، وبين من أشعلوا الحرب ومن يسعون إلى إنهائها. إدراج أسماء قادة مدنيين، كانوا في صدارة الثورة وتحملوا كلفتها السياسية، ضمن لائحة اتهام واحدة مع قادة ما يطلق عليهم البرهان مسمى المتمردين، لا يمثل فقط انحرافًا قانونيًا جسيمًا، وإنما يكشف انهيار المعايير الأخلاقية التي تحكم هذا المسار برمته.
يعرف التنظيم الكيزاني، ومعه حواضنه السياسية، أن المجال الأوروبي مغلق أمامهم فعليًا. فالقائد العسكري الذي يستندون إليه لا يستطيع تجاوز دوائر جغرافية محدودة، ولا يحظى بقبول حقيقي في محيطه الإفريقي، ناهيك عن أن حضوره الدولي بات مثقلًا بسجل من الانتهاكات لا يمكن تغطيته بخطاب السيادة أو الأمن. في المقابل، يتحرك د. عبد الله حمدوك وتحالف «صمود» في فضاء دولي مفتوح، ويُستقبلون بوصفهم شركاء محتملين في حل سياسي، لا باعتبارهم سلطة أمر واقع.
من هنا يتولد الغضب، ومن هنا يتكثف القلق. فكل لقاء يعقده وفد «صمود» مع حكومة أو برلمان أوروبي، وكل نقاش يُفتح حول السودان في عاصمة غربية، يُنظر إليه في بورتسودان باعتباره تهديدًا مباشرًا لخطة قائمة على إدامة الحرب، وتحويل الفوضى إلى بديل دائم عن الشرعية.
هذا القلق ليس وليد اللحظة. فمنذ الإعلان عن المؤتمر التأسيسي لتحالف «صمود» في مايو 2024، بدأت سلسلة من الإجراءات التصعيدية: نشرات توقيف، اتهامات بالإرهاب، حملات إعلامية ممنهجة، ومحاولات مستمرة لربط القوى المدنية بقوات الدعم السريع. هذه الحملات تتجاهل، عن قصد، حقيقة أن أبشع الفظائع—خصوصًا في قرى الجزيرة—ارتُكبت بأيدٍ معروفة، وبمشاركة عناصر محلية اصطفّت، في مراحل مختلفة، مع مراكز القوة ذاتها التي تحاول اليوم إعادة كتابة الوقائع.
ولا يسعى هذا المقال إلى إعادة سرد الجرائم التي باتت موثقة في ذاكرة السودانيين، من قصف جوي وحرق للأحياء والأسواق والمناسبات الاجتماعية. السؤال الذي يفرض نفسه، في سياق هذه المحاكمات، أكثر جوهرية: من يملك الحق في الادعاء، ومن يمتلك الأهلية الأخلاقية للمحاكمة؟
إن طبيعة هذه الإجراءات، وتوقيتها، وغياب الانضباط القضائي في انعقاد جلساتها، كلها مؤشرات على سلطة تعاني من ارتباك سياسي عميق، لم يعد لديها من أدوات سوى تجريم خصومها المدنيين، في محاولة لإعادة إنتاج خطاب داخلي يبرر استمرار الحرب، ورسالة خارجية تشكك في مشروعية أي بديل مدني.
غير أن التجربة السودانية الحديثة تشير إلى أن مثل هذه الأدوات محدودة الأثر. فمنذ اندلاع ثورة ديسمبر، أثبتت السلمية—برغم كلفتها الباهظة—قدرتها على زعزعة البنى الصلبة للسلطة العسكرية، وإرباك تنظيم سياسي اعتاد العمل في الظل، ويواجه اليوم أزمة ثقة بنيوية في قدرته على الاستمرار.
الجولات الأوروبية التي يقودها حمدوك تمثل اختبارًا حقيقيًا لتوازنات القوة بين منطق السلاح ومنطق السياسة. وإذا نجح تحالف «صمود» في تأمين دعم أوروبي مؤثر، فإن ذلك قد يُحدث تحولًا ملموسًا في مسار الصراع، خاصة في ظل بحث الولايات المتحدة عن شريك موثوق خارج الأطر التقليدية للآلية الرباعية.
لقد أظهرت القوى المدنية، في محطات سابقة، قدرة واضحة على تعطيل مسارات إقليمية ودولية كانت تهدف إلى شرعنة الأمر الواقع. وما حدث في ملف الاتحاد الإفريقي ليس سوى مثال على فاعلية التحرك المنظم، حين يقترن برؤية واضحة وشبكة علاقات مؤثرة.
لهذا تحديدًا، تخشى السلطة هذه الجولة، وتخشى ما قد تفضي إليه. فهي تدرك، في نهاية المطاف، أن اليد التي ترفع إشارات السلام، وتطالب بوقف الحرب، قادرة—على المدى الطويل—على إرباك اليد التي لا تجيد سوى الضغط على الزناد.

الراكوبة المصدر: الراكوبة
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا