في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
قال محللون إن دخول جماعة أنصار الله (الحوثيين) رسميا في الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران يمثل نقطة تحول قد تعيد تشكيل مسارات التصعيد بالمنطقة، وتحولا في إستراتيجية طويلة المدى تهدف إلى مضاعفة الضغوط على واشنطن وحلفائها عبر فتح جبهات متعددة.
وفي مقابلات مختلفة مع الجزيرة، حذر محللون وخبراء عسكريون من أن الموقع الجغرافي للحوثيين المطل على مضيق باب المندب يمنحهم القدرة على تعطيل الملاحة الدولية، خاصة إذا تزامن ذلك مع التهديدات الإيرانية في مضيق هرمز، مما قد يؤدي إلى شلل اقتصادي عالمي غير مسبوق.
والخطورة الحقيقية -كما يراها الخبراء- تكمن في أن هذا التصعيد ليس عفويًا ولا متسرعًا، بل جاء ضمن تنسيق محكم مع صناع القرار الإيراني، ووفق إستراتيجية متدرجة تمنح طهران وحلفاءها مرونة في التصعيد والتراجع حسب الحاجة، خاصة أن الحوثيين أثبتوا قدرتهم عبر استهداف إسرائيل مباشرة من دون التصعيد الكامل في البحر الأحمر.
والأكثر إثارة للقلق هو تحذيرات المحللين من أن الولايات المتحدة باتت في وضع إستراتيجي محرج، حيث إن توسيع الحدود الجغرافية للحرب سيمدد القدرة العسكرية الأمريكية إلى أقصى حد، مما يجعل هذا الصراع قابلا للتحول إلى حرب أكبر من أن تكون إقليمية.
وجاء هذا التصعيد من قبل الحوثيين بعد استهدافهم السبت مواقع عسكرية إسرائيلية بصواريخ باليستية، وأعلن المتحدث العسكري باسم الجماعة العميد يحيى سريع أن العمليات ستستمر حتى "يتوقف العدوان على كافة جبهات المقاومة في إيران ولبنان والعراق وفلسطين".
وتشن إسرائيل والولايات المتحدة منذ 28 فبراير/شباط الماضي حربا على إيران، مما أودى بحياة مئات الأشخاص وأبرهم المرشد الإيراني علي خامنئي ومسؤولون أمنيون، في حين تستهدف إيران ما تصفه "بمواقع ومصالح أمريكية" في دول عربية، مما أسفر عن قتلى وجرحى وأضرار بمنشآت مدنية.
التنسيق بين طهران وجماعة أنصار الله يجعل الحوثيين يتحركون ضمن رؤية إيرانية شاملة تهدف إلى توزيع الضغوط على الولايات المتحدة وإسرائيل عبر جبهات متعددة، مع الحفاظ على مرونة كافية للمناورة حسب تطورات الميدان، مما يمنح إيران وحلفاءها القدرة على التصعيد والتراجع بما يخدم المصالح الإستراتيجية المشتركة.
وهذا ما يؤكده الباحث في شؤون الأمن والنزاعات إبراهيم جلال، إذ يرى أن دخول الحوثيين كان متوقعا منذ بداية الحرب، لكن التوقيت ليس عشوائيا بل جاء بتنسيق مع صناعة القرار في الحرس الثوري الإيراني.
ويكشف جلال -في تصريحاته للجزيرة- عن أن الحوثيين اعتمدوا تاريخيا نهجا مرحليا ومتعدد الطبقات في تصعيد هجماتهم، حيث قد ينتقلون من استهداف إسرائيل مباشرة إلى استهداف السفن الإسرائيلية في باب المندب، وهو ما يمثل طبقة أخرى من التصعيد قد تعطل الشحن العالمي.
والسيناريو الأخطر -حسب جلال- يتمثل في حصار منسق عبر مضائق متعددة، وهو ما كانت إيران تستعد له خلال السنوات الأخيرة بالتنسيق مع الحوثيين، مما يزيد إمكانية الإنكار بشأن تعطيل الملاحة البحرية ويؤثر في شحنات الغاز الطبيعي المسال.
ويذهب كبير المحللين في مجموعة الأزمات الدولية أحمد ناجي إلى أبعد من ذلك، معتبرا أن هذا التصعيد يمثل معركة وجودية بالنسبة للحوثيين، وأن تأخيرهم في الدخول المباشر لم يكن ترددا بل كان خيارًا محسوبًا بالتنسيق مع إيران.
ويلفت ناجي -في تصريحاته للجزيرة- إلى أن استهداف الحوثيين لإسرائيل مباشرة دون التصعيد في البحر الأحمر يحمل رسالة مزدوجة:
ولكنه -في الوقت نفسه- يحذر من أن أي ضغط عسكري إضافي من الجانب الأمريكي قد يدفع الحوثيين للتصعيد الكامل في باب المندب، مما سيمنح إيران نفوذا كبيرا.
الحوثيون يمارسون لعبة دقيقة من التوازن الإستراتيجي، حيث يسعون لتحقيق أقصى ضغط ممكن على خصومهم دون الوصول إلى نقطة اللاعودة التي قد تستدعي ردا عسكريا قويا.
وهذا النهج يعكس خبرات سابقة من تجارب التصعيد، فالهدف ليس المواجهة الشاملة بل إيجاد حالة من عدم الاستقرار المستمر التي تخدم الأجندة الإيرانية من دون تحمل التكاليف الباهظة لحرب مفتوحة.
الخبيرة في شؤون الشرق الأوسط واليمن ومديرة كلية غيرتن بجامعة كامبريدج إليزابيث كيندال تؤكد أن الحوثيين أثبتوا أن تهديداتهم بأن "أيادينا على الزناد" قابلة للتنفيذ فعلا، رغم أن القصف على إسرائيل بحد ذاته لم يكن كبيرا أو فتاكا، لكن أهميته تكمن في الإشارة الملموسة التي يبعثها بأن إيران ومحور المقاومة التابع لها لا يتوسلان السلام مع أمريكا، وأن التصعيد ما زال ممكنا.
كيندال في تصريحاتها للجزيرة تعتبر أن التوقيت مهم، إذ وقع الهجوم تماما مع بدء وصول القوات الأمريكية، محذرة من أن تصاعد القيود في باب المندب متزامنا مع مضيق هرمز سيعطل أو يشل التجارة المتجهة نحو أوروبا. غير أنها ترصد أن الحوثيين حتى الآن مارسوا صبرا إستراتيجيا ويزنون تصعيدهم بعناية شديدة، فضربهم لإسرائيل غير مثير للجدل لدى جمهورهم المحلي، بينما الانتقال إلى ضرب البحر الأحمر قد يستفز ردا سعوديا أو أوسع.
الخبيرة البريطانية تكشف كذلك عن احتمال وجود ترتيبات بين أطراف فاعلة في المنطقة لتحقيق منافع مشتركة، حيث تعتقد أن "المنطقة المثلى" للحوثيين هي القيام بما يكفي للمضايقة والتهديد، لكن من دون الوصول لاستفزاز قد يؤدي إلى حملة منسقة ضدهم مرة أخرى، وهو ما يفسر نمط العمليات المحدودة نسبيا حتى الآن.
التمدد العسكري الأمريكي على جبهات متعددة يوجد معادلة إستراتيجية جديدة، حيث تجد واشنطن نفسها في موقف دفاعي متزايد أمام خصوم يوظفون إستراتيجيات غير متماثلة بفاعلية كبيرة.
وهذا الوضع لا يستنزف القدرات العسكرية فحسب، بل يفرض تحديات لوجستية واقتصادية قد تؤثر على قدرة أمريكا على الحفاظ على انتشارها العالمي، ويمثل دخول الحوثيين تعقيدا إضافيا لهذه المعادلة، خاصة مع قدرتهم على تهديد ممرات حيوية للتجارة العالمية.
ومن ثم، يحذر الضابط السابق في البحرية الأمريكية والمحلل الإستراتيجي العسكري هارلان أولمان من أن الصراع يقترب كثيرا من حرب عالمية وليس فقط إقليمية، مشيرا إلى أن إسرائيل أصبحت حاليا منخرطة في 5 جبهات.
ويؤكد أولمان أن الولايات المتحدة باتت منهكة بسبب تمدد قواتها، وإعادة تزويد البحرية الأمريكية بصواريخ توماهوك في البحر أمر بالغ الصعوبة، مما يعني أن استمرار الصراع على هذا النحو قد يؤدي إلى استنزاف خطير للترسانة الأمريكية.
ويرى المحلل الأمريكي -في تصريحاته للجزيرة- أن توسيع الحدود الجغرافية للحرب عبر زيادة انخراط الحوثيين سيمدد القدرة العسكرية الأمريكية إلى أقصى حد، محذرًا من أن الحوثيين لا يحتاجون للقيام بالكثير لخلق أزمة، فمجرد إعلانهم تلغيم البحر الأحمر سيحدث حالة ذعر.
ويكشف أولمان كذلك عن ورقة إيرانية رابحة قد تكون الأخطر على الإطلاق: ضرب محطات تحلية المياه في الخليج التي تزود 95% من المياه العذبة لهذه الدول، مما قد يفضي إلى كارثة إنسانية هائلة.
ويخلص الضابط الأمريكي إلى أن إيران والحوثيين يوظفون إستراتيجيات غير متماثلة بفاعلية كبيرة عبر الضغط الاقتصادي والعسكري، في حين تواجه الولايات المتحدة قيودا منهكة من تمدد مواردها العسكرية إلى مواطن ضعف اقتصادية، مبينا أن تداعيات هذه الحري قد تكون أسوأ من تداعيات حرب العراق الثانية (2003)، خاصة إذا تصاعدت الأمور نحو مواجهة شاملة.
دخول الحوثيين لا يعيد رسم خريطة الصراع فحسب، بل يعيد تشكيل التحالفات الإقليمية ويفرض على القوى الخليجية إعادة حساباتها الإستراتيجية، فالمخاطر التي يمثلها التصعيد الحوثي لا تقتصر على التهديدات العسكرية المباشرة، بل تمتد إلى البعدين الاقتصادي والأمني الذي قد يهدد استقرار المنطقة برمتها.
وهذا ما يذهب إليه اللواء المتقاعد في الجيش البريطاني والمستشار الأول السابق لشؤون الشرق الأوسط في وزارة الدفاع البريطانية سيمون مايال، مبينا أن دخول الحوثيين يضيف تعقيدا وإن كان متوقعا منذ وقت طويل.
حيث إن التهديدات المتعلقة بمضيقي باب المندب وهرمز تتعلق بمسألة التأمين أكثر من الإغلاق الفعلي لهما، فالتهديد وحده يكفي لتعطل الشحن التجاري حتى لو لم يكن المضيق مغلقا فعليا، وهو ما قد يرفع تكاليف الشحن بشكل جنوني، حسب تصريحات مايال للجزيرة..
ويرى المحلل البريطاني أن الحوثيين يتحركون "كجزء من حملة عامة برعاية طهران لمحاولة تخفيف الضغط عن النظام الإيراني المتهاوي"، مشيرا إلى أن "لديهم مبرراتهم الخاصة ومشاعر ولاء لإيران، وأن ذلك يعزز سمعتهم داخليا".
لكن مايال يحذر من أن الحوثيين يجعلون أنفسهم معرضين للضربات الانتقامية، متوقعا أن تمضي دول خليجية أبعد في دعم حلفائها السنة ومن يعارضون الحوثيين داخل اليمن.
وتتقاطع آراء المحللين عند نقطة محورية: دخول الحوثيين الحرب ليس مجرد تطور تكتيكي، بل تحول إستراتيجي قد يعيد رسم خريطة الصراع الإقليمي، ومع ذلك يمكن أن تتخلص آراؤهم في النقاط التالية:
المصدر:
الجزيرة