أفاد مصدر عسكري خاص في وزارة الدفاع السورية لبي بي سي أن العمليات العسكرية البرية لم تبدأ بعد في منطقتي الشيخ مقصود والأشرفية في حلب حتى مساء الأربعاء.
وأوضح المصدر أن القوات السورية تستهدف حالياً مقرات ومواقع قوات سوريا الديمقراطية (قسد) باستخدام الأسلحة الثقيلة والطائرات المسيرة، في وقت تجري فيه مفاوضات لتسليم (قسد) السيطرة على المنطقة للجيش والقوى الأمنية.
وأشار المصدر إلى أن المفاوضات تتضمن فتح مجال للخروج لمن يرفض التسليم إلى مناطق شمال شرق سوريا، محذراً من أنه في حال عدم التوصل إلى اتفاق سيتم تنفيذ عمل عسكري لبسط السيطرة على المنطقة. وحتى الآن، لم يتم إحراز أي تقدم ملموس في هذه المحادثات ولا تزال مستمرة.
وفي وقت سابق من يوم الأربعاء، أوردت تقارير بأن الجيش السوري بدأ قصف حيي الأشرفية والشيخ مقصود ذوي الغالبية الكردية في مدينة حلب في شمال سوريا، بُعيد انتهاء مهلة حدّدها لخروج المدنيين منهما، غداة اندلاع اشتباكات دامية تعدّ الأعنف بين الطرفين.
وتبادلت القوات الحكومية والكردية الاتهامات الثلاثاء بإشعال اشتباكات أوقعت تسعة قتلى، على وقع تعثّر المفاوضات بين السلطات السورية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، منذ توقيعهما اتفاقاً في مارس/آذار نصّ على دمج مؤسسات الإدارة الذاتية الكردية في إطار الدولة السورية.
وذكرت وكالة الأنباء الفرنسية أن الجيش بدأ قصف الحيين بالمدفعية وقذائف الهاون عند الثالثة بعد الظهر (12:00 بتوقيت غرينتش)، وهي المهلة التي قال الجيش إنه سيعتبر بعدها الحيين "منطقة عسكرية مغلقة"، داعياً المدنيين "للابتعاد عن مواقع" القوات الكردية.
ورصدت إحدى كتائب الاستطلاع في الجيش العربي السوري قيام قوات "قسد" بتفخيخ الطرق الرئيسية والفرعية في أحياء الأشرفية والشيخ مقصود، بالإضافة إلى تفخيخ ممتلكات عامة وخاصة في المدينة، وفق ما نقلت وكالة سانا.
وأشارت إدارة الإعلام والاتصال في وزارة الدفاع إلى أن "قسد" منعت مئات المدنيين من مغادرة الأحياء عبر إطلاق الرصاص وإرهاب السكان، مستمرةً في استهداف الأحياء بالقذائف والرشاشات الثقيلة والمتوسطة، ما أسفر عن خسائر بين المدنيين والممتلكات.
في المقابل، أعلنت قوات "قسد" الأربعاء عن مقتل سبعة أشخاص وإصابة نحو اثنين وخمسين آخرين، جراء قصف فصائل تابعة لوزارة الدفاع في الحكومة الانتقالية السورية، خلال اليومين الماضيين على حَيَّيْ الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب شمالي البلاد.
وأضاف بيان نشره المركز الإعلامي على منصة (إكس) أن الفصائل التابعة لوزارة الدفاع السورية تحاصر حَيَّيْ الأشرفية والشيخ مقصود وسط مدينة حلب، حيث تمنع تلك الفصائل إدخال الأغذية والأدوية والمواد الأساسية إلى الحيين، ما يفاقم الأوضاع الإنسانية ويعرّض حياة آلاف المدنيين للخطر، حسب ذات المصدر.
ووصفت الحكومة السورية ما ورد في بيان (قسد) بشأن الأوضاع في مدينة حلب بأنه "مغالطات جوهرية وتوصيفات لا تعكس الواقع الميداني، ويخالف اتفاقية الأول من أبريل/نيسان عام 2025".
وقالت إن "تأكيد قوات سوريا الديمقراطية عدم وجودها العسكري داخل مدينة حلب، كما ورد في بيانها، يُعد إقراراً صريحاً يُعفيها كلياً من أي دور أو تدخل في الشأن الأمني والعسكري للمدينة، ويؤكد أن المسؤولية الحصرية عن حفظ الأمن وحماية السكان تقع على عاتق الدولة السورية ومؤسساتها الشرعية، وفقاً للدستور والقوانين النافذة".
وشددت الحكومة السورية على أن حماية جميع المواطنين، بمن فيهم المواطنون الأكراد، هي مسؤولية وطنية وقانونية ثابتة لا تقبل المساومة أو التفويض، وتُمارَس دون أي تمييز على أساس العرق أو الانتماء.
وأعلن الدفاع المدني السوري في وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث، إجلاء أكثر من 2324 مدنياً، حتى الساعة 2:40 (بالتوقيت المحلي) بعد ظهر اليوم الأربعاء، من الحيين؛ "استجابة للأوضاع الإنسانية في المدينة بعد القصف المستمر الذي تتعرض له عدة أحياء من قبل تنظيم قسد".
وخرج الآلاف من السكان بينهم نساء وأطفال ومسنون عبر معبرين حدّدتهما السلطات، بعضهم سيراً على الأقدام وآخرون في سيارات وشاحنات صغيرة.
وحمل بعض السكان أمتعتهم بينما اصطحب بعضهم مواشيهم أو حيواناتهم الأليفة معهم.
وأفاد مسؤولون طبيون وسكان محليون في حلب بأن الاشتباكات المسلحة استهدفت المستشفيات والأحياء السكنية، مما أعاق تقديم الخدمات الطبية للطوارئ وهدّد حياة المرضى والأطباء على حد سواء.
وقال طبيب في مستشفى حلب للأمراض الداخلية لبي بي سي: "كنا على رأس عملنا وتفاجأنا باشتباكات واستهداف للمستشفى بالرصاص وقذائف الهاون، فتوقف عمل المستشفى، وأُغلقت جميع الطرق المؤدية إليه".
وأكدت ممرّضة في المستشفى أن هناك حالات مرضية حرجة لا يمكن نقلها بسبب انعدام الأمن، مشيرة إلى تعرض أحد العناصر الطبية في ساحة المستشفى للقنص، بينما لم تتمكن من تحديد الجهة.
وأشار أحد المواطنين إلى أن "الأوضاع سيئة"، بينما قالت مواطنة إن "الأطفال خائفون ويبكون"، مضيفةً: "مطالبنا نحمي أولادنا، محتاجين نطلع حتى نحمي حالنا، نحن مدنيون، وطالعين بدون أكل ولا شرب".
ولفت بيان الحكومة السورية إلى أن "الإجراءات المتخذة في محيط حيّي الشيخ مقصود والأشرفية تأتي حصراً في إطار حفظ الأمن، ومنع أي أنشطة مسلحة داخل المناطق السكنية أو استخدامها كورقة ضغط على مدينة حلب، مع الالتزام التام بحماية المدنيين وضمان سلامتهم وعدم التعرض لممتلكاتهم".
وشدد البيان على أن الدولة السورية تجدد مطالبتها بخروج "المجموعات المسلحة" من داخل حيي الشيخ مقصود والأشرفية وتدعو إلى تحييد المدنيين بشكل كامل عن أي تجاذبات سياسية أو إعلامية، و"ترفض الخطاب التحريضي والتهويل الذي من شأنه تأجيج التوتر وزعزعة الاستقرار، وتؤكد أن أي مقاربة للأوضاع في مدينة حلب يجب أن تنطلق من مبدأ سيادة الدولة ووحدة أراضيها، وبما يضمن أمن وكرامة جميع المواطنين دون استثناء".
وفي السياق، حذر رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود بارزاني من تعريض المدنيين للخطر أو ارتكاب "عمليات تطهير عرقي"، مؤكداً أن أي خلاف سياسي "لا يمكن أن يكون مبرراً لتهديد المدنيين أو ارتكاب جرائم ضد الإنسانية".
وأشار بارزاني إلى أن التغيرات السياسية في سوريا "تشكل فرصة لإيجاد خارطة طريق للحل"، بما يضمن "الحقوق المشروعة للشعب الكردي"، ودعا السلطات السورية إلى "عدم تحويل الخلافات السياسية إلى صراع قومي".
كما حث الأطراف الكردية، خاصة قوات سوريا الديمقراطية، على وقف القتال والعمل بالحوار لحل الخلافات.
يأتي ذلك في وقت تسيطر فيه قوات الأمن الكردية بشكل رئيسي على الحيين، اللذين خرج منهما المئات من المقاتلين الأكراد في أبريل/نيسان بموجب اتفاق مع السلطات الانتقالية.
وأعلنت قوات الأمن الكردية في بيان أنها تمكنت من إفشال "أول محاولة توغل.. باستخدام الدبابات" بُعيد انتهاء المهلة التي حددها الجيش.
واتهمت "فصائل حكومة دمشق.. بقصف الأحياء السكنية الآمنة بالمدفعية والدبابات".
وأوردت وكالة الأنباء الرسمية "سانا" من جهتها أن قوات سوريا الديمقراطية استهدفت بالقذائف محيط حيي الشيخ مقصود والأشرفية، ما أدى الى اندلاع حرائق عملت فرق الدفاع المدني على إخمادها.
ويتبادل الطرفان منذ أشهر الاتهامات بإفشال الجهود المبذولة لتطبيق الاتفاق الذي وقّعه قائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي والرئيس الانتقالي السوري أحمد الشرع في 10 مارس/آذار.
وكان يُفترض إنهاء تطبيق بنوده بنهاية 2025، إلا أن تبايناً في وجهات النظر حال دون إحراز تقدم، رغم ضغوط تقودها واشنطن بشكل رئيسي.
واتهمت المسؤولة الكردية البارزة في الإدارة الذاتية إلهام أحمد السلطات بإعلان "حرب الإبادة بحق الأكراد" داعية إلى "حل المشاكل بالحوار".
وفي السياق ذاته، أكد مسؤول مكتب الإدارة الذاتية الكردية في دمشق عبد الكريم عمر لوكالة الأنباء الفرنسية أنه "لا مصلحة لأحد في التصعيد"، مؤكداً "تواصل كل الأطراف والدول الضامنة بما في ذلك الولايات المتحدة من أجل التهدئة".
وقال إن "من يحمي الحيين هم قوات الأمن الداخلي (الأسايش) ولا يمتلكون سوى أسلحة فردية".
المصدر:
بي بي سي
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة