آخر الأخبار

رواية "أصل الأنواع".. القاهرة في مختبر داروين

شارك

تفاجئك رواية "أصل الأنواع" منذ البداية، فإلى جانب عنوانها الإشكالي، فإن بياضها يرهقك فعلا، فأنت تمشي في حقل من الكلمات بلا ترقيم ولا فواصل ولا نقاط، وهذا سوف ينهكك بصريا، وقد تتوقف أكثر من مرة، لكنك في آخر الأمر ستدخل اللعبة، لأن هذا جزء من تكنيك الرواية ولعبتها.

فمنذ الصفحات الأولى للرواية -التي وصلت إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية- يبدو أن الروائي أحمد عبد اللطيف لا يراهن على الحبكة التقليدية، بل على بناء نصٍّ أقرب إلى مختبر سردي، تُفحَص فيه العلاقة بين الجسد والمدينة، وبين السلطة واللغة، وبين الفقد بوصفه تجربة فردية والفقد بوصفه حالة عامة.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 "مخبرون ومخبرون".. توثيق لكواليس البوليس السري في مصر إبان الاحتلال الإنجليزي
* list 2 of 2 "الخروج من عهد ستالين".. كتاب يغوص في التاريخ السوفياتي لفهم واقع روسيا end of list

العنوان، بإحالته الواضحة إلى العالم التطوري الشهير تشارلز داروين، يبدو للوهلة الأولى إحالة علمية، لكن الحقيقة أنه استعارة ثقافية كبرى، فالتطور هنا لا يعني التقدّم، بل إعادة ترتيب الخسارات، وتحويل الإنسان إلى كائن يُستبدل فيه العضو بالوظيفة، والذاكرة بالإدارة.

تكتمل نبوءة الرواية منذ عتباتها الأولى، حيث يضعنا أحمد عبد اللطيف أمام "إهداء" ملغز وحميم في آن

ولا تنشغل رواية "أصل الأنواع" بسرد حكاية مكتملة الأركان بقدر ما تنشغل بطرح سؤال مركزي، وهو " ماذا يتبقى من الإنسان حين تُدار الحياة بمنطق التطوير الخالي من المعنى؟".

تكتمل نبوءة الرواية منذ عتباتها الأولى، حيث يضعنا أحمد عبد اللطيف أمام "إهداء" ملغز وحميم في آن: "إلى موتاي.. لأنكم أحياء في قلبي"؛ وهي جملة ليست مجرد تعبير عن الفقد، بل هي المفتاح التأسيسي لفهم فلسفة الرواية حول المقابر والذاكرة.

فهذا الإهداء يحول "الموتى" من مجرد غائبين إلى فاعلين وأحياء يزاحمون الأحياء في مدينتهم، وهو ما يعزز أطروحة الرواية بأن تجريف المقبرة وهدم الشواهد ليس إلا محاولة بائسة لدفن ذاكرة تأبى الانقراض.

وتتأكد هذه الرؤية عبر الاقتباسات الافتتاحية من "الجاحظ" و"داروين"، اللذين يظهران هنا لا بوصفهما مرجعين علميين فحسب، وإنما كمنظرين لصراع وجودي لا يرحم.

إعلان

فبينما يتحدث الجاحظ عن الصراع على البقاء، ويشير داروين إلى غريزة الاستعباد، تُرسم ملامح هذا العالم الجديد الذي تضيع فيه الحدود بين الإنسان والحيوان، وبين التاريخ والمخطط الهندسي، لتصبح الرواية منذ صفحتها الأولى بياناً عن أنواع تُجبر على التحول، وعن موتى يرفضون الخروج من قلب البطل "رام" ومن قلب المدينة التي تفقد أعضاءها.

مصدر الصورة أبو عثمان الجاحظ رائد النثر والفصاحة (مواقع التواصل الاجتماعي)

(تنتهي الرواية بمشهد ملحمي يُصلب فيه "رام" عارياً فوق منصة خشبية في "مدينة الموتى")

أصل الحكاية

تتمحور رواية "أصل الأنواع" حول رحلة وجودية وميتافيزيقية بطلها "رام" وهو مهندس مدني في الأربعينيات، وتستعرض تحولات عميقة تصيب الجسد البشري والمدينة (القاهرة) بالتوازي، في أجواء تغلب عليها الفانتازيا والكابوسية.

وتبدأ الأحداث بصدمة التحول الجسدي باكتشاف "رام" سقوط شعر جسده بالكامل فجأة ليصبح أملس تماماً. يتزامن هذا التحول مع عمله في "تطوير المدينة" الذي يتضمن هدم المقابر التاريخية (القرافة) وبناء طرق جديدة، مما يخلق توازياً بين تجريف المدينة وتجريف جسده من معالمه.

وتناقش الرواية فقدان الذاكرة والهوية من خلال رموز جسدية؛ فالبشر في عالم الرواية يبدؤون بفقدان أصابعهم وأطرافهم وحتى رغباتهم.

وتتبنى "أصل الأنواع" رؤية "تطورية" قاسية، حيث يرى البطل أن الإنسان يتحول إلى كائن أملس وجالس بلا تناسل، وذلك في محاكاة لنظريات التطور لكن بشكل مشوه يؤدي إلى الفناء.

مصدر الصورة الروائي أحمد عبد اللطيف يتحدث عن مشروعه في رصد التحولات العميقة التي تضرب القاهرة وسكانها (الجزيرة)

تنتقد الرواية تحويل القاهرة إلى مدينة "رمادية" خالية من الطعم والألوان، حيث تستحيل الفاكهة رمادية وماسخة. وتصبح المدينة غريبة عن سكانها، والموتى (الأشباح) يخرجون من مقابرهم المهدومة ليسيروا بظهورهم في الشوارع، في إشارة إلى رفض التاريخ للزوال.

وتنتهي الرواية بمشهد ملحمي يُصلب فيه "رام" عارياً فوق منصة خشبية في "مدينة الموتى"، حيث يطوف حوله المئات بملابس بيضاء كالأكفان. وفي لحظة موته أو تحوله الأخير، يرى الناس في عينيه "القاهرة القديمة" بكل تفاصيلها (المآذن والقباب والوكالات) التي محيت من الواقع، وكأن الجسد أصبح المستودع الأخير للذاكرة المهدمة.

الرواية لا تخلو من خيط رومانسي جنائزي يربط بين الحب والموت في جدلية مؤلمة

الجسد.. من الكينونة إلى المخطط

في القراءة الدلالية، نلحظ أن الجسد في الرواية ليس معطى بيولوجيا، ولكنه مساحة تتجسد فيها علاقات القوة، وإذن فإن سقوط الشعر، واختفاء الأصابع، وتشوّه القدمين في الحلم، ليست عناصر غرائبية معزولة، بل هي علامات على انسحاب المعنى من الجسد الذي يخضع مثل المدينة ذاتها لمنطق الإزالة وليس الرعاية، ويجري عليهما معا منطق الصيانة الشكلية وليس الحياة.

وهنا يلتقي الخاص بالعام، فما يحدث لرام في حمّامه، وما يحدث لشخصية "بتشان" في سوقه، وما يراه اللاعب في حلمه، ليس سوى تنويعات على المنطق نفسه، أي ذلك المنطق الذي يُجزّئ الإنسان، ويعيد تعريفه بوصفه مجموعة وظائف قابلة للتعطيل أو الاستبدال.

وفي مستوى آخر، نجد أن المدينة كائن يتعرّض لعملية جراحية بلا تخدير، ويمكن أن نعتبر أن هدم المقابر ليس عملا عمرانيا، إنما هو إعلان قطيعة مع الزمن، وإزاحة للذاكرة من مركز المشهد، وبذلك يتضح أن المدينة الجديدة، كما تقدَّم في الرواية، هي مدينة بلا قلب، وبلا رحم وبلا نهر، أي بلا إمكانية للإنجاب الرمزي.

إعلان

وإذا كان الجسد الفردي يفقد أعضاءه، فإن المدينة تفقد وظائفها الإنسانية الأساسية، لتتحول إلى خريطة إدارية لا تسكنها إلا الأشباح.

وعلى الرغم من جفاف لغة الأرقام والمخططات التي تحاصر البطل، إلا أن الرواية لا تخلو من خيط رومانسي جنائزي يربط بين الحب والموت في جدلية مؤلمة.

ويتجلى ذلك في علاقة "رام" مع "نيفين" (الميتة) و"مريم" (الحية)، حيث تتداخل صورهما في ذهنه حتى يعجز عن الفصل بين الحي والميت.

إن الحب في هذه الرواية تجربة مشوهة ومستحيلة في عالم يفقد ملامحه؛ حيث يتحول المحبوب بدوره إلى جزء من ذاكرة مهدمة، وكأن الرواية تؤكد أن العواطف الإنسانية الكبرى لا يمكن أن تنجو في مدينة تُدار بمنطق الإزالة، ليصبح الفقد هو الرابط الوحيد الممكن بين الأجساد.

البنية.. شذرات الانهيار

تعتمد الرواية بنية تقوم على التوازي لا التصاعد، فالشخصيات لا تتقاطع لتبني حبكة، إنما نراها تتجاور لتصنع أرشيفا سرديا للفقد. وكل فصل يبدو مستقلا ظاهريا، لكنه ينتمي إلى منطق واحد، أي منطق التشظي. وبهذا المعنى، لا تبحث الرواية عن ذروة، لأن الانهيار هنا ليس لحظة، بل حالة مستمرة.

أما على صعيد الدلالة، فتتحرك الرواية ضمن منظومة رمزية مكثفة تتخلى عن براءتها لصالح كشف المسكوت عنه، حيث تُعاد صياغة المفردات المادية لتصبح علامات على مأساة الوجود؛ فيتحول "الشَّعر" من صفة بيولوجية إلى علامة جوهرية للذاكرة والهوية التي تُجرف، بينما تبرز "الأصابع" بوصفها أدوات العمل واللمس والكرامة الإنسانية التي يؤدي فقدانها إلى تجريد الفرد من فاعليته في العالم.

وفي هذا السياق، يتجاوز معنى "المقابر" من كونها مستقر للموتى، إلى وصفها ذاكرة جمعية مؤجلة يرفض الحاضر استيعابها، بينما يتجلى "الملعب" كرمز لوهم الخلاص الجماعي والهروب المؤقت من الواقع الضاغط.

غير أن اللافت في أسلوب الرواية هو أن هذه الرموز لا تُستثمر لتقديم أي نوع من العزاء أو الطمأنينة، وإنما يتم توظيفها لتأكيد القلق الوجودي وتعميقه، وكأن النص يمرر لنا رسالة مفادها أن الرمز نفسه، في ظل هذا التشويه المنهجي للمدينة والجسد، لم يعد قادراً على إنقاذ المعنى أو ترميم الشتات الإنساني.

لغة الروائي محسوبة ومتأنية، تخلو من الزخرفة، لكنها مشبعة بالاستعارة الوظيفية، تعبّر عن حالة انسداد، وكأن النص نفسه يرفض أن يلتقط أنفاسه

البناء المعماري وغياب الترقيم

يمكن قراءة البنية الجمالية لرواية "أصل الأنواع" بوصفها استراتيجية سردية موازية، فهي تدمج بين "السيولة الداخلية" و"الصرامة الخارجية" لخلق حالة من التوتر البنيوي الذي يجسد مأساة الإنسان المعاصر.

فالرواية تعتمد تكتيكاً مزدوجاً؛ إذ تأتي الفقرات والمتون كتلة سيّالة تفتقر لعلامات الترقيم التقليدية، فهو نص منسكب بدون فواصل أو نقاط أو فواصل منقوطة أو علامات استفهام أو تعجّب، مما يحول النص إلى جسد واحد بلا مفاصل، وهو ما ينسجم مع ثيمة تلاشي الأعضاء وذوبان الهوية الفردية في تيار التحول الكلي.

هذا الغياب للترقيم ليس مجرد خيار شكلي، بل هو فعل مقاومة للمنطق البيروقراطي، ونسف لوهم التقدم الخطي، حيث يجد القارئ نفسه منغمساً في تيار شعوري وزمني متصل لا يمنحه رفاهية التوقف أو الاستراحة.

إلا أن هذه السيولة الداخلية تصطدم ببناء خارجي يتسم بصرامة هندسية لافتة، حيث تُقسم الرواية إلى فصول تحمل عناوين ذات حمولة طقسية ودينية مثل "الجمعة العظيمة" و"سبت النور".

هذه العناوين تعمل بوصفها "نتوءات" أو محطات أخيرة للذاكرة، تحاول استعادة قداسة مفقودة في عالم أملس ومجرف، وتربط التحولات البيولوجية للشخصيات بدورة الموت والبعث الوجودي.

وفي داخل هذه الفصول، يبرز تقسيم داخلي آخر يتأرجح بين الأحرف الأبجدية والأرقام؛ فالأحرف (أ، ب، ج) توحي بمحاولة المؤلف كتابة "قاموس" جديد لعالم ينهار، محاكياً في ذلك أمهات الكتب الموسوعية والعلمية مثل كتاب "الحيوان" للجاحظ و"أصل الأنواع" لداروين، وكأننا بصدد دراسة مخبرية لحالات انقراض بشرية تُسجل كمدخلات في معجم الخراب.

مصدر الصورة تشارلز داروين صاحب نظرية التطور ومؤلف كتاب "أصل الأنواع" (مواقع التواصل الاجتماعي)

أما التقسيم الرقمي، فيضفي صبغة تقنية تتسق مع مهنة البطل "رام" كمهندس مدني، حيث تعكس الأرقام منطق "الكم" الذي تتعامل به السلطة مع المدينة والأجساد على حد سواء، محولةً البشر إلى بيانات إحصائية في كشوفات الفقد أو خطط التطوير.

إعلان

إن هذا التلاعب بمفهوم الترقيم -بين حضوره في العناوين وغيابه في المتون- يخلق مفارقة ثقافية مذهلة؛ فهو يضع الإنسان في برزخ ضيق بين خطة هندسية صارمة تحاول تدجين الواقع، وبين واقع هروبي وجسد يتداعى خارج نطاق السيطرة.

وبهذا المعنى، تصبح الرواية تشريحاً أدبياً لـ "إنسان ما بعد المعنى"، الذي لا يُقمع بالوسائل التقليدية، بل يُدار ويستنزف وتسحب منه اللغة تدريجياً، ليغدو الأدب في النهاية، إحدى آخر المساحات التي تتيح مقاومة هذا التواطؤ الصامت مع الخراب المنظّم.

يمكن القول إن لغة الروائي أحمد عبد اللطيف محسوبة ومتأنية، وهي تخلو من الزخرفة، لكنها مشبعة بالاستعارة الوظيفية، فالجملة الطويلة ليست استعراضا أسلوبيا، لكنها تعبّر عن حالة انسداد، وكأن النص نفسه يرفض أن يلتقط أنفاسه. وعليه فاللغة هنا ليست وسيلة تواصل، وإنما تقول لك إنها شاهد على تعذّر التواصل، وعلى تحوّل الكلام إلى أثر مهدد بالاختفاء.

خاتمة جدلية

في خاتمتها، تضع رواية "أصل الأنواع" القارئ أمام سؤال ثقافي حاد ومؤرق حول إذا كان ما نعيشه اليوم يمثل تطوراً فعلياً للبشرية، أم أنه مجرد إدارة ذكية للخسارات المتلاحقة؟ فالرواية هنا لا تكتفي بمهاجمة الحداثة كشعار، بل تعمل على تفكيك خطابها وكشف الفجوات المرعبة التي تنشأ حين يفصل التطور عن قيم العدالة، وحين ينعزل العمران عن الذاكرة التاريخية، وأيضا حين تعلي السلطة من شأن الكفاءة التقنية على حساب الجوهر الإنساني.

إننا أمام عمل يستشرف ملامح "إنسان ما بعد المعنى"؛ ذلك الكائن الذي لا يقمع بالوسائل التقليدية بالضرورة، بل يدار بذكاء، ولا يقتل جسدياً بقدر ما يستنزف وجودياً. كما أنه قد لا يمنع من الكلام قسراً، لكن تُسحب منه اللغة وأدوات التعبير تدريجياً حتى يفقد القدرة على الاحتجاج.

وبهذا المعنى، تقدم الرواية نبوءة سوداوية للمستقبل وتضع تشخيصاً دقيقاً لراهننا المعاش؛ كما أنها تؤكد أن الأدب في لحظاته الكبرى، وإن كان لا يملك القدرة على إنقاذ العالم بأسره، فإنه ينجح على الأقل في منعنا من التواطؤ الصامت مع الخراب المحيط بنا، وهي مهمة ليست بالهينة في زمننا الراهن.

باختصار، الرواية هي رصد ثقافي لعملية "المحو" التي تتعرض لها الهوية الإنسانية والمعمارية، وذلك باستخدام لغة هندسية جافة لوصف مشاعر إنسانية في غاية التعقيد.

إن "أصل الأنواع" هي الصرخة الأخيرة لإنسان يُسحق تحت عجلات "التحديث" البارد؛ حيث تبرهن الرواية على أن السلطة حين تعيد هندسة المدن، فإنها في الحقيقة تعيد هندسة أرواحنا، لتتركنا في النهاية كائنات بلا أطراف، في مدن بلا ذاكرة، ولا يربطنا بواقعنا سوى خيط واهن من الأشباح.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار