تنظيم “داعش”، الذي راكم خبرة واسعة في تحويل الفوضى إلى نظام بديل، ينظر إلى الجغرافيا المنهكة في السودان بوصفها فرصة لإعادة التموضع، وبناء اقتصاد ظل يمنحه النفوذ والاستدامة.
يقف السودان أمام مفترق طرق دقيق، دولة مثقلة بحرب طويلة، واقتصاد يتسرب من بين أصابع المؤسسات، وسوق مواردها مفتوحة بلا حارس فعلي. هنا يولد الخطر ويتشكل ببطء داخل الفراغ فاعل آخر يستفيد من غياب مؤسسات الدولة، وتفكك السلطة المركزية، وتداخل خطوط الاقتصاد غير الرسمي مع شبكات السلاح، وتحول الجغرافيا من حدود سياسية إلى ممرات مفتوحة.
هذه البيئة هي الأكثر قدرة على استيعاب الفاعلين العنيفين، حيث لا مقياس لتمدد التنظيمات الإرهابية، في ظل الانشغال بالصراع، خصوصاً مع قدرتها على إدارة الموارد في البيئات المنفلتة، فتنظيم “داعش”، الذي راكم خبرة واسعة في تحويل الفوضى إلى نظام بديل، ينظر إلى الجغرافيا المنهكة في السودان بوصفها فرصة لإعادة التموضع، وبناء اقتصاد ظل يمنحه النفوذ والاستدامة.
والسودان، بما يملكه من موارد عابرة للرقابة، وذهب ونفط قابل للتسريب، وشبكات تهريب متجذرة تاريخياً، يقدم نموذجاً مثالياً لهذا النوع من الاستثمار العنيف.
“ينظر تنظيم داعش الي جغرافية السودان المنهكة بوصفها فرصة لإعادة تموضعه”
هل فتح الإخوان أبواب البلاد لداعش؟
السؤال عن داعش في السودان لا يُطرح من فراغ، ولا يمكن عزله عن سياقه السياسي والفكري، وهذا السؤال وجهناه لمحللين سياسيين مهتمين بالجماعات الإرهابية حيث ذكروا في حديثهم لـ”إدراك”، إن وجود شخصيات محسوبة على التيار الإخواني والجهادي معًا، وظهورها المشترك في سياق واحد، ليس تفصيلاً عابرًا ولا مصادفة اجتماعية، بل مؤشر على مسار أعمق: تداخل التنظيمي بالعسكري، والشرعنة الدينية بالفعل المسلح.
“الإخوان فتحوا ابواب البلاد لداعش عبر مسارات من التمكين الايدلوجي والامني”
ظـهور قادة لداعش
ويقول الكاتب والمحلل السياسي، عمار نجم الدين في حديثه لـ”إدراك”، إن وجود محمود عبد الجبار إلى جانب الطيب الإمام جودة في سياق واحد لا يُقرأ كحدث اجتماعي، بل كإشارة سياسية وأيديولوجية ذات معنى. فمحمود عبد الجبار، رئيس حزب اتحاد قوى الأمة (آقم)، هو الشخص الذي أعلن عام 2001 من داخل جامعة الخرطوم قيام تنظيم القاعدة في السودان.
ويضيف عمار، إن ظهوره اليوم مرتديًا الزي العسكري إلى جانب الطيب الإمام جودة يحمل دلالة مضاعفة: انتقالٌ مكتمل من الخطاب والتنظيم إلى الفعل المسلح. أما الطيب الإمام جودة، فقد فُرضت عليه عقوبات من الاتحاد الأوروبي بوصفه أحد داعمي الحرب، وسط مزاعم متداولة عن صلاته بجماعات إسلامية متطرفة داخل السودان. اجتماع هذين المسارين في لحظة الحرب ليس اعتباطيًا، بل يعكس اصطفافًا واعيًا داخل مشهد يُعاد فيه توزيع الأدوار.
ويعلل نجم الدين ، إن هذا الظهور المشترك يأتي في سياق حرب تتقدّم فيها شبكات ذات مرجعيات جهادية إلى واجهة المشهد، وتجد في المؤسسة العسكرية—التي جرى تسييسها وأدلجتها منذ 1989—مظلّةً للحركة والشرعنة. هنا يتكرّس مسار معروف: انتقال التيارات المتطرفة من العمل الدعوي والتنظيمي إلى الفعل المسلح، وإعادة تقديم نفسها كجزء من “المعركة”، لا كطارئ عليها. وتتحوّل بورتسودان إلى مسرح رمزي لهذا الاصطفاف، بما يعيد إلى الواجهة مناخات التطرف التي سادت في النصف الأول من تسعينات القرن الماضي.
من الزاوية المعرفية، هذا المسار مفهوم إذا عُدنا للجذور الفكرية. نحن أمام مدرسة إقصائية تأسست على مفاهيم الفرز الصارم كما صاغها منظّرون مثل سيد قطب وأبو الأعلى المودودي. سيد قطب قدّم تصور “الجاهلية المعاصرة” وربط الانتماء بمنطق الولاء والبراء؛ ولاء للتنظيم وبراء من المجتمع المخالف—even داخل المذهب الواحد ما يجعل العنف أداة “تصحيح”. أما المودودي فأسّس لفكرة الدولة الأيديولوجية القائمة على الحاكمية الإلهية، ونفي المصدر التشريعي البشري المستقل، وبناء تنظيم طليعي يقود المجتمع بالقوة إن لزم. في هذا الإطار تُختزل الدولة إلى جهاز تنفيذ للعقيدة، ويُدار الخلاف بالإقصاء ثم القتال.
ويستطرد عمار نجم الدين في إجابته علي سؤال “إدراك” قائلاً : نعم فتح الكيزان ابواب البلاد لداعش ، ولكن ليس بقرار معلن أو براية مرفوعة. الإخوان فتحوا الأبواب عبر مسار طويل ومقصود من التمكين الأيديولوجي والتنظيمي والأمني منذ 1989. لم يستدعوا داعش كتنظيم باسمِه، بل هيّأوا البيئة التي تسمح بولادته وتموضعه والعمل بواجهات محلية. جرى ترسيخ منظومة فكرية تُنتج عقل داعش وإن لم تُنتج اسمه، وفتح المجال أمام شبكات سلفية جهادية للتحرك والتعبئة والتمويل والإيواء مع غضّ طرف أمني، ثم استخدام مؤسسة عسكرية مُسيّسة كغطاء تحالفي. ومع اندلاع الحرب، اكتمل الدمج بين الخطاب الجهادي والفعل المسلح بوصفه تعبئةً وشرعنةً.
“المجتمع الدولي غير مهتم بهذه الحرب التي تطورت لحرب دينية ممايضاعف من الحلول”
الجماعات الإرهابية من صلب الإخوان
فيما لايستبعد الكاتب والمحلل السياسي، الدكتور زهير السراج قيام “الإخوان” بإستقطاب داعش في هذه الحرب، حيث يقول، “ليس مستبعد علي الاطلاق مع فوضي الحرب، والممارسات والجرائم الخطيرة التي تمت حق الشعب من قبل المتطرفين دنينا، وخصوصا عمليات الذبح والتقطيع في عدد من مدن السودان والمناظر البشعة التي قام بها المتطرفين ضد المدنيين، ومن المعروف ان اسري الحرب يتعاملون بطريقة معينة حسب القوانين والمواثيق الدولية.
ويضيف السراج ،سمعنا كذلك عن قوانين غريبة وهذه مبررات لممارسة الارهاب، فكل مارأيناه في هذه الحرب ارهاب وكما هناك ممارسات باسم الدين، والبرهان يستجدي ويحرض المدنيين وهو استغلال بشع باسم الدين وتسويقه في سياقات الحرب.
وبالتاكيد فان الاخوان(الكيزان) دائما ما يستقطبون مثل هذه الجماعات،لنشر الجرائم والإرهاب وذلك لإستثارة الاطراف الدولية والإقليمية بقدرتهم علي كبح ولجم الارهاب، وبالتالي فإنني لا استبعد اطلاقا خصوصا مع تجاربهم التاريخية ابان فترة حكمهم، فكل التنظيمات الارهابية خرجت من صلب الاخوان المسلمين، وقد حدثت من قبل حيث اصدرت مراكز الدراسات بامريكا الي ضرورة استقطاب الاخوان في العمل السياسي لمكافحة الارهاب وذلك لإرغام المجتمع الدولي في التعامل معهم
ويختم السراج حديثه بقوله :نحن نعرف بان الحدود الغربية من السودان ملئية بهذه الجماعات ولا استبعد ان تدخل هذه الجماعات والسودان اصبح بيئة مولدة للارهاب وانتشار مثل هذه الجماعات، وللاسف فان العالم غير مهتم بهذه الحرب والتي تطورت لان تصبح حرب دينية تستقطب الي جحيمها الجماعات الارهابية مثل داعش لتستغل الاوضاع المضطربة في السودان وهو مايضاعف من جهود حلول الازمة التي قد تتعقد كثيرا.
من المحرر
بناء على ذلك، يمكن استنتاج أن “داعش” وبعد دخوله السودان، واستغلال مناخات الحرب سينتهج استراتيجية التموضع المتدرج والمستهدف قبل أية مواجهة مباشرة، مع التركيز على تعزيز شبكاته اللوجستية وتجنيد العناصر الجديدة، مستفيداً من الأزمة السودانية والفوضى وعلاقات الدعم غير المباشرة مع الكيزان، بما يتيح له خلق موطئ قدم يمكن تطويره مستقبلاً في حال تغيرت المعادلات الإقليمية.
المصدر:
الراكوبة