تسيطر حالة من «الذعر المنظم» على أروقة أسواق الطاقة العالمية، مع تصاعد احتمالات المواجهة العسكرية المباشرة في منطقة الشرق الأوسط، وهو ما وضع محللي «وول ستريت» وكبار إستراتيجيي السلع في حالة استنفار لتقدير حجم «الصدمة السعرية» القادمة. فبينما كان التركيز منصباً في السابق على أساسيات العرض والطلب، انتقل الثقل الآن إلى «الجغرافيا السياسية» التي تهدد بقفزات سعرية قد تكسر حاجز الـ 150 دولاراً للبرميل.
وفي هذا السياق، حلل الكاتب الاقتصادي تشارلز كينيدي، في تقرير نشره موقع «The Merchants News»، تداعيات هذا التصعيد الميداني، مؤكداً أن الأسواق لم تعد تعتمد على لغة الأرقام التقليدية بل أصبحت رهينة للتطورات العسكرية. ويرى كينيدي أن أي مواجهة مباشرة تتضمن استهدافاً للمنشآت النفطية ستؤدي إلى إعادة تسعير فوري لعلاوة المخاطر، مما يضع الاقتصاد العالمي أمام اختبار هو الأصعب منذ عقود.
شبح «إغلاق المضيق»
ويرى التقرير التحليلي أن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في استهداف المنشآت النفطية الإيرانية، بل في رد الفعل الذي قد يطال مضيق هرمز. هذا الممر المائي، الذي تصفه الوكالات الدولية بـ «عنق الزجاجة» للاقتصاد العالمي، يعبر من خلاله يومياً ما يقارب 20 مليون برميل من النفط والمنتجات المكررة. إن أي تعطيل في هذا الشريان يعني خروج خُمس الإمدادات العالمية عن الخدمة، وهو سيناريو «يوم القيامة» بالنسبة لأسواق الطاقة، حيث لن تستطيع أي طاقة إنتاجية فائضة في العالم تعويض هذا الفقد الهائل.
علاوة المخاطر
ويشير المحللون إلى أن «علاوة المخاطر الجيوسياسية» التي اختفت لسنوات عادت لتتصدر المشهد. ففي حال توجيه ضربة لمصافي النفط الإيرانية، فإن السوق سيفقد بشكل مباشر نحو 1.5 مليون برميل يومياً. وعلى الرغم من أن تحالف «أوبك+» يمتلك قدرة إنتاجية فائضة تقدر بـ 5 إلى 6 ملايين برميل، إلا أن الوصول إلى هذه الإمدادات والقدرة على شحنها بأمان عبر الممرات المائية المهددة يظل السؤال الأهم الذي يؤرق المتداولين.
سيناريوهات الصدمة
يرسم المقال ثلاثة مسارات محتملة للأزمة؛ الأول: مواجهة محدودة تؤدي لارتفاع الأسعار بنسبة 10% لتستقر فوق الـ 90 دولاراً. الثاني: استهداف البنية التحتية النفطية الإيرانية، مما يدفع البرميل لتجاوز الـ 110 دولارات مع دخول السوق في حالة عجز فيزيائي. أما الثالث والأسوأ: فهو اندلاع حرب إقليمية شاملة تشارك فيها أطراف متعددة، مما قد يرتد بالأسعار إلى مستويات تاريخية غير مسبوقة (150 دولاراً فأكثر)، وهو ما يذكر بصدمات النفط في السبعينيات.
تداعيات اقتصادية عابرة للحدود
هذا الارتفاع الجنوني لن يتوقف أثره عند شاشات التداول، بل سيؤدي إلى «تأثير الدومينو» على الاقتصاد العالمي. فالتضخم الذي بدأت البنوك المركزية (وعلى رأسها الفيدرالي الأمريكي) في السيطرة عليه، مرشح للانفجار مجدداً. كما أن ارتفاع أسعار الوقود سيؤدي حتماً إلى تباطؤ النمو العالمي وزيادة تكاليف الشحن، مما يضع العالم أمام شبح «الركود التضخمي». وفي المحصلة، تظل أسواق النفط اليوم في حالة «انتظار القذيفة الأولى»، حيث تتأرجح الأسعار بين توازنات السوق الهشة وطموحات الهيمنة الإقليمية.