لم يعد الزمن حليفا لطهران في معركة الحصار المتبادل مع الولايات المتحدة. فالنظام الإيراني، الذي راهن على إغلاق مضيق هرمز وإطالة أمد الحرب لرفع كلفتها على واشنطن، يواجه الآن تراجعا حادا في صادرات النفط، وانهيارا متسارعا للعملة، وارتفاعا قاسيا في أسعار الغذاء، بينما يتحمل الإيرانيون الكلفة اليومية لصراع نفوذ لا تلوح له نهاية.
وبحسب تقرير لصحيفة "وول ستريت جورنال"، أعادت الولايات المتحدة فرض حصارها البحري على الموانئ الإيرانية في يوليو، بعد انهيار تفاهم قصير بين الجانبين. ومنذ ذلك الحين، لم تتمكن إيران، وفق الصحيفة، من شحن نفطها.
وتكشف بيانات موقع "تانكر تراكرز" اختلال المعادلة التي بنت عليها طهران حساباتها. فقد عبر المضيق، خلال 28 يوما، نحو 5 ملايين برميل من النفط يوميا، لم يكن شيء منها تقريبا إيرانيا، بينما خرج نحو 2.5 مليون برميل إضافية عبر موانئ على خليج عمان.
وبذلك استمرت أكثر من 40 بالمئة من تدفقات النفط الإقليمية التي كانت مسجلة قبل الحرب، وبقي سعر الخام العالمي دون 100 دولار للبرميل، خلافا لتوقعات بأن يؤدي إغلاق هرمز إلى أزمة طاقة تشل الاقتصاد العالمي.
وتنسجم هذه الصورة مع تقرير لوكالة رويترز أفاد بأن صادرات النفط الإيرانية هبطت من نحو 1.7 مليون برميل يوميا إلى قرابة 260 ألفا فقط، في ضربة مباشرة لأهم مصادر العملة الصعبة لدى طهران.
كما أصبحت قنوات الالتفاف على العقوبات أعلى كلفة وأكثر صعوبة، مع تشديد واشنطن ملاحقة المؤسسات والأطراف التي تواصل التعامل المالي مع إيران.
لكن الخسارة الأثقل لا تظهر في الخرائط البحرية، بل في الأسواق والبيوت الإيرانية. فقد بلغ التضخم السنوي الرسمي 66 بالمئة في يوليو، فيما قفزت أسعار الغذاء 128 بالمئة على أساس سنوي، وفق بيانات مركز الإحصاء الإيراني التي أوردتها رويترز.
كما هبط الريال إلى أكثر من مليوني ريال مقابل الدولار، وأقر الرئيس مسعود بزشكيان بأن الصادرات والواردات تراجعت بنحو 35 بالمئة بفعل العقوبات والحصار.
وكان مسؤولون إيرانيون قد قدروا، وفقا لـ"وول ستريت جورنال"، أن البلاد تستطيع تحمل الحصار نحو خمسة أشهر قبل ظهور تداعيات اقتصادية خطرة. ومع اقتراب تلك المهلة، تكشف المؤشرات أن هامش المناورة يضيق: عائدات النفط تتآكل، والعملة تفقد قيمتها، والاستيراد يصبح أشد تعقيدا، بينما تنتقل الخسائر مباشرة إلى أسعار السلع الأساسية.
وتعني هذه الأرقام أن الأسر الإيرانية تدفع ثمن الرهان السياسي من قدرتها على شراء الغذاء ودفع الإيجارات والحفاظ على وظائفها. ومع تقلص الإيرادات وصعوبة تمويل الواردات، تتسع مخاطر نقص الوقود وارتفاع كلفة النقل والإنتاج، في وقت تتحدث فيه تقارير عن اضطرار عائلات إلى تقليص احتياجات أساسية أو البحث عن أعمال إضافية.
ورغم هذا الضغط، لا تبدو القيادة الإيرانية مستعدة حتى الآن لتقديم تنازلات تنهي المواجهة.
ويرى الباحث الإيراني الأميركي ولي نصر أن طهران عالقة بين خيارين قاسيين: قبول شروط تعدها استسلاما، أو التصعيد العسكري أملا في تحسين شروط التفاوض. وقد يغري اقتراب انتخابات التجديد النصفي الأميركية النظام بإطالة الحرب لإضعاف الرئيس دونالد ترامب سياسيا، لكن كل شهر إضافي يضاعف العبء على الداخل الإيراني.
وهكذا يتحول مضيق هرمز من ورقة ضغط أرادها النظام سلاحا ضد خصومه إلى عبء يرتد على شعبه. فكلما أطالت طهران أمد المواجهة من دون مخرج سياسي، تقلصت مواردها واتسعت دائرة الغلاء، وبات الإيرانيون مطالبين بدفع فاتورة حرب لم يختاروا توقيتها ولا يملكون قرار إنهائها.
المصدر:
سكاي نيوز