آخر الأخبار

الدبلوماسية الرقمية.. كيف تحولت سفارات إيران إلى منصات تأثير عالمي؟

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

"الإيرانيون أفضل في التعامل مع الإعلام الزائف والعلاقات العامة مما هم عليه في القتال"

بهذه الكلمات عبر منصة "تروث سوشال" في أبريل/نيسان الماضي، وثق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب شهادته حول كفاءة الخصم، في دلالة واضحة على قوة وفعالية الحملة الإيرانية عبر شبكة الإنترنت التي تزامنت مع الأعمال الحربية.

خلف هذا التصريح، يبرز مشهد مستجد بشكل كلي؛ فلم تعد البعثات الدبلوماسية مجرد مقار لتقديم الخدمات القنصلية أو قنوات لتمرير الرسائل الرسمية، بل تحولت إلى خنادق ومنصات اشتباك يومي، تستهدف توجيه الجماهير والدفاع عن المصالح الوطنية الإيرانية بصورة مباشرة وفعالة.

اقرأ أيضا

list of 1 item
* list 1 of 1 هجوم رقمي منسق من السفارات الإيرانية ضد متحدثة البيت الأبيض end of list

لمع نجم الدبلوماسية الرقمية الإيرانية كنموذج استثنائي كسر القوالب الكلاسيكية الجامدة، حيث استبدلت طهران لغة البيانات الدبلوماسية بسلاح السخرية وصناعة المحتوى، لتتمكن من اختراق الرأي العام العالمي، وتغيير قواعد اللعبة في قلب حرب المعلومات.

السخرية وتكتيكات "الاستفزاز" الموجه

يشير تحليل "معهد الحوار الاستراتيجي" إلى أن حسابات الدبلوماسيين الإيرانيين والبعثات الرسمية عبر منصة "إكس" نفذت انعطافة حادة منذ اندلاع الحرب في فبراير/شباط الماضي.

فقد انتقلت هذه الحسابات من لغة الدبلوماسية الرسمية الجافة، إلى تبني أسلوب هجومي يعتمد على الاستفزاز، والسخرية، والتفاعل السريع مع ثقافة الإنترنت الدارجة.

وبرز في هذا التحول توظيف مكثف للمحتوى المولد عبر الذكاء الاصطناعي، والاستخدام الصريح لرموز الثقافة الشعبية الأمريكية والغربية في سياق التهكم، مثل الاستعانة بشخصيات "سبايدر مان"، و"توم وجيري"، وفيلم "فورست غامب"، لضرب سردية واشنطن.

ومن أبرز الأمثلة، قيام سفارة إيران في طاجيكستان بمشاركة مقطع فيديو مولد بالذكاء الاصطناعي يظهر شخصية السيد المسيح وهو يصفع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وهو منشور حصد وحده أكثر من 24.1 مليون مشاهدة، ليكون المنشور الأعلى من حيث التفاعل بين كافة حسابات السفارات الإيرانية خلال فترة الـ50 يوما الأولى من الحرب.

وفي واقعة أخرى، بثت السفارة الإيرانية في جنوب أفريقيا مادة مرئية ساخرة صنعها صانع محتوى ألماني، تظهر ترامب وهو يغني نسخة محرفة من أغنية بوب تعود لثمانينيات القرن الماضي، حيث تم استبدال كلمات الأغنية الأصلية بكلمات تسخر من الحصار والفشل في عزل إيران، وقد حقق هذا المقطع 8.8 ملايين مشاهدة وعشرات الآلاف من الإعجابات.

تكتيك "الرد الحاسم" والهجوم المنسق

ظهر تكتيك مستحدث في العمل الدبلوماسي الرقمي يتمثل في "الرد الحاسم" المباشر، حيث ترد السفارات بشكل لاذع على تصريحات المسؤولين الأمريكيين، فعندما حدد ترامب مهلة تنتهي في الساعة 8 مساء لتدمير الحضارة الإيرانية، ردت السفارة الإيرانية في زيمبابوي بأسلوب متهكم: "الثامنة مساء توقيت غير مناسب، هل يمكن تغييره إلى ما بين الواحدة والثانية؟".

إعلان

وتطور الأمر إلى خلق حالة من "الهجوم المنسق" بين السفارات لتعزيز انتشار المنشور، فعندما هدد ترامب بضرورة فتح مضيق هرمز، علقت سفارة زيمبابوي قائلة: "لقد فقدنا المفاتيح"، وهو تعليق حصد قرابة 7 ملايين مشاهدة.

وسرعان ما تدخلت سفارة جنوب أفريقيا في المنشور ذاته لتقول: "المفتاح تحت وعاء الزهور، نفتح للأصدقاء فقط"، قبل إضافة تعليق ساخر آخر من سفارة بلغاريا يستهدف واشنطن، مما حول التعليقات الدبلوماسية إلى ساحة تفاعل جماهيري واسع.

انفجار في الأرقام وتغيير الصورة

هذا الأسلوب غير المألوف قاد إلى انفجار غير مسبوق في حجم التفاعل، يوضح المعهد أن نشاط هذه الحسابات تضاعف 4 مرات، حيث قفز النشر من 10.5 آلاف إلى 40 ألف منشور، وتجاوزت 200 تغريدة حاجز المليون مشاهدة، في حين لم تتمكن سوى تغريدتين فقط من تجاوز هذا الرقم في فترة الـ50 يوما التي سبقت الحرب.

كما انعكس هذا الانتشار مباشرة على عدد المتابعين؛ إذ قفز عدد متابعي سفارة جنوب أفريقيا من 4 آلاف إلى أكثر من 180 ألف متابع، وكسبت سفارة زيمبابوي أكثر من 71 ألف متابع خلال أسبوع واحد فقط إثر تفاعلها الساخر مع تصريحات ترامب.

ويخلص التحليل إلى أن هذا الاشتباك الرقمي حقق مكاسب إستراتيجية في حرب المعلومات، حيث ساعد طهران في إعادة تشكيل صورتها أمام مستخدمي الإنترنت.

طمس الحدود بين الترفيه والسياسة

في السياق ذاته، سلطت صحيفة "وول ستريت جورنال" (The Wall Street Journal) الضوء على هذا التحول، وأكدت أن طهران تكسب مساحات ممتدة في حرب المعلومات عبر مقاطع فيديو سريعة الانتشار تستهدف تعميق الانقسامات داخل الولايات المتحدة، مما يؤدي إلى طمس الخط الفاصل بين الترفيه والترويج السياسي.

وأشارت الصحيفة إلى استعانة البعثات الدبلوماسية الإيرانية بمقاطع فيديو تعتمد على الذكاء الاصطناعي، مثل تصوير الرئيس الأمريكي على هيئة قرصان في عالم "ليغو" ضمن محاكاة ساخرة لفيلم "قراصنة الكاريبي"، حيث تظهر القوات الأمريكية وهي تفشل في فتح مضيق هرمز، وتغرق سفنها بشكل يثير السخرية.

ارتدادات دبلوماسية

هذا التأثير الرقمي العميق لم يمر بغير عواقب دبلوماسية فعلية، فقد أوردت رويترز أن الحكومة البريطانية استدعت السفير الإيراني في لندن للاحتجاج على ما وصفته بتعليقات "غير مقبولة" نشرتها السفارة الإيرانية عبر منصات التواصل.

وأكد وزير شؤون الشرق الأوسط البريطاني، هاميش فالكونر، ضرورة وقف السفارة أي شكل من أشكال التواصل الذي قد يفسر على أنه تشجيع على ممارسة العنف.

وجاء هذا التوتر بعد نشر السفارة الإيرانية رسالة عبر حسابها في " تليغرام" تدعو الإيرانيين في بريطانيا إلى التطوع في حملة للدفاع عن بلادهم، وهو ما اعتبره نواب بريطانيون بمنزلة تهديد مباشر.

قوة ناعمة موازية للميدان

لتفسير هذا التحول الملحوظ، قدمت الباحثة في مركز السياسة الدولية بواشنطن، نيغار مرتضوي، في مقابلة مع الجزيرة نت، قراءة تحليلية، أكدت أن الفكاهة والسخرية تعتبر من المكونات الأصيلة للثقافة الإيرانية منذ قرون، لكنها لم تكن تستخدم في الخطاب الرسمي، حتى جاءت هذه الحرب لتغير قواعد التواصل جذريا.

وترى مرتضوي أن هذا التوجه الرقمي يسير في مسار مواز للتكتيكات الميدانية قائلة:

"نرى أن القتال في ميدان المعركة يتميز بأسلوب جديد عبر مرونة في القيادة والسيطرة وتكتيكات مبتكرة، وتسير الدبلوماسية الرقمية في خط مواز لذلك"

وتضيف الباحثة أن هذا المحتوى تمكن من التفوق بوضوح على الرسائل الصادرة من البيت الأبيض، وهو تفوق تحقق بفضل استثمار رفض الرأي العام العالمي للحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل من دون غطاء قانوني دولي.

إعلان

وتوضح أن الصراع يفتقر إلى الشعبية حول العالم، ولذلك لم يكن من الصعب على طهران أن تتقدم وتكسب حرب السردية بتكلفة منخفضة وتأثير بالغ القوة.

مرحلة التجربة والخطأ

رغم هذا النجاح، تشير مرتضوي إلى وجود حدود لهذه الدبلوماسية الرقمية، وتؤكد أن الأجهزة الدبلوماسية الإيرانية تمر في الوقت الراهن بمرحلة من التجربة والخطأ، حيث تتعلم ما الذي ينجح في اختراق الرأي العام وما الذي قد يضر بمكانتها الدبلوماسية، كما حدث في بريطانيا.

وتختم بالتأكيد على أن دمج القوة الناعمة والفكاهة في الفضاء الدبلوماسي أثبت فعاليته قاطعا في إيصال الرسائل السياسية والتأثير في سير الأحداث.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا