لم تعد المخاوف الإسرائيلية من انتخابات عام 2026 محصورة في احتمال تزوير الأصوات داخل الصناديق، لكنها اتسعت إلى ما هو أخطر: تهيئة بيئة سياسية وأمنية وقانونية ورقمية تسمح بالتأثير على الناخبين، وقمع التصويت العربي، وتغيير شروط المنافسة، والتشكيك المسبق بشرعية النتائج.
ومن خلال مواد نشرتها صحف ومراكز إسرائيلية، تتشكل صورة انتخابات قد لا تكون معركة على الحكم فقط، بل اختباراً لقدرة النظام الإسرائيلي على تنفيذ انتخابات تحظى نتائجها بالقبول.
في مؤشر معهد سياسات الشعب اليهودي JPPI، المنشور في 14 يناير/كانون الثاني 2026، ظهرت الأزمة بوصفها حالة رأي عام لا مجرد تحذير نخبوي.
فقد أظهر المؤشر أن "ثلث الجمهور يشك في نزاهة انتخابات عام 2026″، وأن نحو 38% من الإسرائيليين غير مقتنعين بأن الجمهور والأحزاب سيقبلون النتائج.
وتزداد دلالة هذه الأرقام حين تُفكك بحسب المجموعات: 51% من العرب غير مقتنعين بأن الانتخابات ستكون نزيهة وحرة، مقابل 78% من اليسار لا يثقون بنزاهتها، وهنا لا يدور الخوف حول النتيجة فقط، بل حول شرعية العملية الديمقراطية نفسها.
ففي دراسة المعهد الإسرائيلي للديمقراطية، المنشورة في يناير/كانون الثاني 2026، يميز الباحثان الدكتور عساف شابيرا والدكتور غاي لوريا بين تزوير الصندوق وبين المساس بالبيئة الانتخابية. حيث لا يرى الباحثان حالياً خطراً كبيراً من "تزوير واسع النطاق في صناديق الاقتراع"، لكنهما يحذران من "استخدام أدوات غير شرعية لتقويض نزاهة الانتخابات مثل تحريف نتائجها وتقويض ثقة الجمهور بها".
وتتضمن هذه الأدوات تعديلات تشريعية تسهل استبعاد القوائم والمرشحين، وقمع التصويت "وخاصة ضد الجمهور العربي (فلسطينيي 1948)، والإضرار بتمويل أحزاب تسعى إلى استبدال الحكومة، وتمرير أوامر مؤقتة مع حل الكنيست من خلال تشريع سريع وبدون نقاش كاف".
ويذهب تقرير معهد زولات للمساواة وحقوق الإنسان أبعد من ذلك، من خلال التقرير الصادر في أبريل/نيسان 2026 بعنوان "تشويش الانتخابات: ممّ يجب الحذر؟"، والذي أعده المحامي إيتاي ماك والدكتورة ميخال إيفرون يانيف.
وفي مقدمة التقرير، يكتب ماك وإيفرون يانيف أن "تعطيل الانتخابات ليس خوفاً نظرياً، بل منظومة أفعال آخذة في التشكل بصورة منهجية، يتخذ من خلالها الائتلاف سلسلة خطوات تمنحه أفضلية، مع الحفاظ على مظهر ديمقراطي".
وهذا الاقتباس يشرح جوهر التحذير: الخطر ليس إلغاء الانتخابات، بل إبقاء شكلها الديمقراطي مع تفريغ المنافسة من شروطها العادلة.
ويعدد التقرير أدوات محتملة في يوم الانتخابات: انتشار مهدد لقوات الشرطة حول مراكز الاقتراع، خصوصاً قرب صناديق يصوت فيها العرب، وحواجز وتفتيشات في بلدات عربية ومختلطة بما قد يعرقل وصول الناخبين.
أما بشأن الشاباك، فيحذر التقرير من أن إدخال اعتبارات سياسية في عمل جهاز يمتلك صلاحيات استخبارية واسعة يخلق "إمكاناً حقيقياً لقمع المعارضة، والمس بالاحتجاج الشعبي، وتقويض العملية الديمقراطية، خصوصاً في فترة الانتخابات"، وهنا يتحول الأمن من وظيفة حماية إلى أداة محتملة لإدارة المجال السياسي.
ويتكرر ذكر الجمهور العربي (فلسطينيي 1948) في معظم التحذيرات بوصفه الحلقة الأضعف في العملية الانتخابية. ففي كالكاليست، كتب تسفي زارخيا في 2 مايو/أيار 2026 عن مخاوف من "تهديدات ومضايقات الناخبين في طريقهم إلى مراكز الاقتراع"، ومن اضطرابات في "المجتمعات العربية ومعاقل اليسار" قد تردع الناخبين.
كما أشار إلى احتمال عدم فتح مراكز اقتراع في بعض مناطق الشمال ذات الكثافة العربية والدرزية بذريعة الوضع الأمني، ما قد يخفض نسبة المشاركة.
وربط زارخيا استقالة أورلي عدس، المديرة العامة للجنة الانتخابات المركزية، بمحاولات تستهدف اللجنة نفسها، ونقل عن روي شوشان، مدير الشؤون العامة في منظمة "المراسل المزيف"، قوله إن هناك "عودة متجددة وخطيرة لحملة سرقة الانتخابات"، واصفاً إياها بأنها "خطوة ممنهجة يروج لها حزب الليكود منذ عام 2019 على الأقل"، هدفها تقويض ثقة الجمهور بالنتائج مسبقاً وتهيئة الأجواء لاتهامات التزوير.
في السياق ذاته، حذر المحامي دين ليفني، المستشار القانوني السابق للجنة الانتخابات، من أن "جهة أو أكثر تحاول التشكيك في النتائج حتى قبل إعلانها"، مضيفاً أنه "عندما يسود الخوف من الخسارة، يحاولون تقويض الثقة، بالقول إن الانتخابات سُرقت".
ويذهب زولات في الاتجاه نفسه، إذ يحذر من تقديم المواطنين العرب وممثليهم وأحزابهم كـ"تهديد أمني" أو "داعمين للإرهاب"، بما يطعن في شرعية مشاركتهم ويمهد للمساس بحقوقهم السياسية. كما يتحدث عن روايات مثل أن "الصوت العربي لا يُحسب على أي حال"، بوصفها أداة لإنتاج اليأس السياسي وقمع التصويت.
وفي موقع شكوف/شفاف، كتب الصحفي إيتامار بَز في 12 مارس/آذار 2026 عن تطبيقات مراقبة الناخبين، وعلى رأسها “إليكتور”، بوصفها خطراً على الخصوصية وسرية التصويت. وخلفية الكاتب هنا مهمة؛ فهو صحفي في “شكوف” و“العين السابعة”، وهما منصتان إسرائيليتان تركزان على الشفافية والرقابة الإعلامية.
ونقل بَز عن رأي قانوني أعده البروفيسور ميخائيل بيرنهاك والمحامية نوعا دايموند من عيادة الخصوصية في جامعة تل أبيب أن هذه التطبيقات تمثل “انتهاكاً مباشراً للحق الدستوري في الخصوصية، وانتهاكاً لمبدأ سرية الانتخابات، وإضراراً بنزاهة العملية الديمقراطية”.
ويكشف التقرير أن الخطر لا يقف عند حشد الناخبين، بل يمتد إلى تخزين معلومات عن حضورهم للصناديق وربطها بمؤشرات سياسية وأنماط تصويت.
وفي هآرتس، نشر الصحفي عمر بن يعقوب في 7 يناير/كانون الثاني 2026 تقريراً عن الذكاء الاصطناعي والتزييف العميق والهجمات السيبرانية.
ونقل عن مراقب الدولة متنياهو إنغلمان تحذيره من “قصور كبير” في الاستعداد للتأثير الأجنبي، بما قد يؤدي إلى “فقدان الثقة العامة، وفوضى يوم الانتخابات، بل وحتى تحريف النتائج”.
وتتصل هذه الزاوية بما يقوله زولات عن “إغراق المجال العام بنظريات مؤامرة حول تزوير وسرقة انتخابات أو دولة عميقة”، بهدف التشكيك مسبقاً بشرعية العملية ونتائجها، خاصة إذا حققت المعارضة نجاحاً.
وإلى جانب هذه التحذيرات البحثية والصحفية، تبرز إشارة مهمة في معاريف إلى أن النقاش حول تقديم الانتخابات يرافقه قلق متزايد في الأوساط السياسية والأمنية من “تقويض ثقة الجمهور في النتائج”. وبحسب معاريف، لم يعد الحديث عن تزوير كلاسيكي بالمعنى الضيق، بل عن “هجمات على الوعي، ونشر معلومات مضللة، ومحاولات أجنبية للتأثير، وحملات تهدف مسبقاً إلى الإضرار بشرعية النتائج”.
وتتقاطع هذه المقالات والدراسات عند خلاصة واحدة بأن الخطر على انتخابات إسرائيل المقبلة لا يتمثل فقط في تزوير مباشر للصناديق، وإنما في تزوير البيئة الانتخابية عبر التأثير على وعي الناخب، ثقته باللجنة، حياد الشرطة، دور الشاباك، قدرة العرب على التصويت، حرية الإعلام، سرية الاقتراع، ونزاهة قواعد المنافسة. لذلك تبدو انتخابات عام 2026، وفق هذه التحذيرات، معركة على شرعية الصندوق قبل أن تكون معركة على نتائجه.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة