في صباح بارد داخل جناح مزدحم بالمستشفى، ينتظر رجل يبلغ من العمر 62 عاما فحصه الدوري لمرض السكري، قلقا بشأن قلبه وكليتيه والإرهاق الذي يجعل أبسط المهام صعبة عليه. وفي الجناح نفسه تكافح شابة في عقدها الثالث للتعامل مع تشخيص حديث لمرض مناعي ذاتي، غير متأكدة من مستقبلها الصحي.
وفي إحدى قاعات الانتظار بجناح الأمراض العصبية، يجلس شاب إلى جانب شيخ بلغ من العمر عتيا، يهمس له قائلا "أنا محمد، ابنك"، في مشهد صامت يلخص قسوة مرض ألزهايمر حين يمحو الذاكرة قبل الجسد.
هذه القصص ليست نادرة، بل أصبحت أكثر انتشارا، بعد أن منح الطب الحديث البشرية انتصارات مذهلة؛ إذ زاد متوسط العمر المتوقع من حوالي أربعة عقود في القرن 19 إلى ما يقارب 8 عقود بنهاية القرن 20 وبداية القرن 21.
لقد قضت اللقاحات على الأمراض المعدية أو سيطرت عليها، وأنقذت المضادات الحيوية ملايين الأرواح، وحولت الابتكارات الجراحية الحالات التي كانت مميتة إلى حالات قابلة للبقاء، ومع ذلك ورغم هذه الإنجازات، تواصل الأمراض المزمنة والمعقدة الانتشار عالميا، وهو ما يشكل لغزا يتحدى فهمنا للصحة في العصر الحديث.
يملك الطب الأدوات اللازمة لعلاج الأعراض والأسباب الأساسية للأمراض، ونجح في ذلك في كثير من الحالات، وتنقذ المضادات الحيوية والعلاجات المضادة للفيروسات واللقاحات والجراحات الدقيقة والعلاجات الموجهة ملايين الأرواح سنويا، ومع ذلك نادرا ما تنشأ الأمراض المعقدة من عامل واحد فقط.
فالأمراض مثل السكري من النوع الثاني وأمراض القلب واضطرابات المناعة الذاتية وبعض أنواع السرطان تنشأ نتيجة تفاعلات معقدة بين الجينات والبيئة ونمط الحياة والتوتر النفسي. حتى عندما يفهم العلماء جزءا من آلية المرض فإن علاجه بشكل كامل غالبا ما يكون صعبا للغاية.
وفي بعض الحالات، يمكن للطب معالجة جزء من المشكلة فقط، تاركا العوامل الأخرى دون علاج، وهو ما يفسر استمرار ارتفاع انتشار الأمراض المزمنة على الرغم من التقدم الطبي الكبير.
تُعد زيادة متوسط العمر من أعظم إنجازات الطب الحديث، لكنها تأتي أيضا بعواقب غير مقصودة. فمع عيش الناس إلى سبعينيات وثمانينيات العمر وما بعدها، تظهر لديهم أمراض كانت نادرة سابقا ببساطة لأن القليلين كانوا يعيشون طويلا بما يكفي للإصابة بها.
وأصبحت الأمراض المرتبطة بالشيخوخة مثل ألزهايمر والتهاب المفاصل التنكسي وبعض أنواع السرطان واضطرابات القلب أكثر شيوعا، ليس بسبب فشل الطب، بل بسبب نجاحه في إطالة العمر.
وبهذا يكون نجاح الطب قد غيّر ملامح الأمراض: فقد نجا المزيد من الناس من الأمراض المعدية والمشكلات الصحية المبكرة، لكنهم يواجهون الآن الأمراض المزمنة والمعقدة التي تصاحب التقدم في العمر.
من المفارقات أن التقدم الطبي قد يجعل من الأمراض وكأنها تنتشر بسرعة أكبر من أي وقت مضى، فالتشخيصات المتقدمة وبرامج الفحص المبكر وتحسين تقارير الحالات الصحية، تكشف الآن عن أمراض لم تكن تُكتشف من قبل.
وإضافة إلى ذلك أدت هذه التقنيات إلى إمكانية إعادة تصنيف بعض الحالات القديمة بوصفها أمراضا منفصلة جديدة وفقا لآلياتها البيولوجية المختلفة.
ففي سرطان الثدي مثلا تصنف الاختبارات الحديثة الأورام إلى أنواع مختلفة بناء على علم الأنسجة (شكل الخلايا تحت المجهر) والمؤشرات الجزيئية مثل مستقبلات الهرمونات وحالة بروتين "إتش إي آر 2".
وبالمثل، لم يعد مرض السكري يُنظر إليه بوصفه حالة واحدة فقط، بل يُصنف إلى أنواع: النوع الأول والنوع الثاني والأشكال أحادية الجين والسكري الثانوي، استنادا إلى الآليات الأساسية والجينات وأنماط نقص الأنسولين أو مقاومته.
ونتيجة لذلك يبدو أن عدد الأمراض في ازدياد، ليس بالضرورة لأن صحة الإنسان تدهورت، بل لأن الطب أصبح أكثر قدرة على التعرف على تنوع الحالات المرضية وتفاصيلها الدقيقة.
وما يبدو أنه زيادة حادة في انتشار الأمراض قد يكون في الواقع انعكاسا لقدرة الطب على كشف حالات كانت غير مرئية للأجيال السابقة، مما يبرز قوة الطب وحدوده في الوقت نفسه.
لا تزال بعض الأمراض مقاومة للعلاج، وهو ما يبرز حدود العلم الطبي، هذه الأمراض تشمل اضطرابات الأعصاب التنكسية، وبعض السرطانات النادرة وأمراض المناعة الذاتية، التي غالبا ما تتعلق بآليات بيولوجية لم تُفهم بشكل كامل بعد.
وحتى عندما يحدد الباحثون خللا جوهريا، فإن تطوير دواء آمن وفعال لمعالجته يمكن أن يستغرق عقودا من البحث العلمي الدؤوب، والتجارب السريرية الدقيقة، والموافقات التنظيمية.
هذا الفارق بين المعرفة النظرية والعلاج العملي يعني أنه حتى في عصر القدرات العلمية الاستثنائية، يظل المرضى معرضين للخطر، وأن انتشار هذه الأمراض لا يعكس فشل الطب، بل تعقيد الجسم البشري وبطء تحويل المعرفة إلى علاجات ملموسة.
إن ارتفاع نسبة انتشار الأمراض المزمنة والمعقدة يذكّرنا بأن الطب وحده لا يكفي لضمان الصحة، فالرفاه الحقيقي يتطلب الوقاية وتغيير أنماط الحياة وإصلاح البيئة واستمرار البحث العلمي.
لقد مدد الطب الأعمار وحسّن جودة الحياة وحوّل الأمراض المميتة سابقا إلى أمراض قابلة للإدارة، لكنه لا يستطيع تعويض الضغوط البيئية والعادات الاجتماعية والثغرات في فهم آليات الأمراض.
ولتحقيق صحة مستدامة نحتاج إلى رؤية شاملة: رؤية لا تعالج الأعراض فحسب، بل الظروف الأوسع التي تجعل البشر عرضة للأمراض.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة