آخر الأخبار

أزمة السيولة في العراق.. هل تقود إلى التقشف والاقتراض؟

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

بغداد– "ماكو فلوس" عبارة باللهجة الدارجة قالها وزير الصحة العراقي عبد الحسين الموسوي، بدت أقرب إلى إعلان رسمي عن حجم الضائقة المالية التي تواجهها الدولة العراقية. ففي مكاشفة غير مسبوقة أمام موظفي وزارته، كشف الوزير أن الحكومة باتت تضع تأمين الرواتب في مقدمة أولوياتها، في ظل أزمة سيولة خانقة، لتكون تلك المرة الأولى التي يتحدث فيها وزير في الحكومة بهذا الوضوح عن صعوبة تمويل النفقات الأساسية للدولة.

وتحتاج الحكومة العراقية -بحسب الوزير- إلى نحو 10 تريليونات و800 مليار دينار شهريا (8.24 مليارات دولار) وفق سعر صرف البنك المركزي، لتغطية الرواتب والالتزامات الأساسية، في وقت تتراجع فيه الإيرادات النفطية بصورة حادة عقب توقف الصادرات عبر مضيق هرمز، الأمر الذي أعاد إلى الواجهة هشاشة الاقتصاد العراقي القائم على مورد واحد.

اقرأ أيضا

list of 3 items
* list 1 of 3 من الخبز إلى الهواتف.. موجة غلاء تضرب الأسواق العراقية
* list 2 of 3 العراقيون يترقبون الحرب وقلقهم يسبق ارتفاع الأسعار
* list 3 of 3 هل ينهي العراق عقودا من هيمنة الدولة على الاقتصاد؟ end of list

فجوة مالية

كشف مصدر حكومي للجزيرة نت أن الأزمة تجاوزت مرحلة التحذيرات، بعد اتساع الفجوة بين الإيرادات الفعلية للدولة والتزاماتها الشهرية.

ويقول المصدر -الذي طلب عدم الكشف عن هويته- إن إجمالي رواتب الموظفين والمتقاعدين ومستفيدي الرعاية الاجتماعية يبلغ 7.8 تريليونات دينار شهريا (6 مليارات دولار)، في حين تمكنت الحكومة من صرف 3.5 تريليونات دينار حتى الآن ( 2.7 مليار دولار)، ووفرت وزارة المالية 1.65 تريليون دينار إضافية (1.3 مليار دولار)، لكن ذلك ما زال يترك عجزا يبلغ 3.2 تريليونات دينار (2.4 مليار دولار) لتغطية رواتب الشهر الحالي.

ويضيف أن إيرادات الدولة خلال شهري مايو/أيار ويونيو/حزيران الماضيين لم تتجاوز 3 تريليونات دينار شهريا (2.3 مليار دولار)، وهو رقم أقل كثيرا من حجم الإنفاق الجاري، وفي مقدمته الرواتب.

مصدر الصورة إيرادات العراق خلال شهري مايو/أيار ويونيو/حزيران 2026 لم تتجاوز نحو 2.3 مليار دولار (الجزيرة)

صدمة هرمز

تأتي الأزمة في وقت كانت حكومة رئيس الوزراء علي الزيدي تطرح برنامجا اقتصاديا يقوم على تنفيذ مشروع "طريق التنمية"، وتوسيع الشراكات مع القطاع الخاص والشركات العالمية، في محاولة لإعادة هيكلة الاقتصاد وتقليل اعتماده على النفط.

إعلان

لكن إغلاق مضيق هرمز كشف عن محدودية قدرة العراق على مواجهة الأزمات، بعد أن أدى توقف الصادرات النفطية إلى تراجع الإيرادات بصورة حادة، مع تعثر مشروعات تنويع منافذ التصدير عبر تركيا وسوريا والأردن والسعودية بسبب خلافات سياسية استمرت سنوات، لتجد الحكومة نفسها أمام اختبار مالي غير مسبوق.

وفي اعتراف رسمي بالأزمة، قال الناطق باسم الحكومة العراقية حيدر العبودي -الجمعة الماضية- إن الحكومة قد تضطر إلى الاقتراض الداخلي والخارجي إذا استمرت تداعيات إغلاق مضيق هرمز.

مصدر الصورة العراق يعاني عجزا يبلغ نحو 2.4 مليار دولار لتغطية رواتب موظفي الحكومة في أغسطس/آب الجاري (الجزيرة)

خيارات التقشف

تكشف المصادر الحكومية للجزيرة نت أن الأزمة دفعت الحكومة إلى إعداد برنامج واسع لترشيد الإنفاق، بعد تعثر خططها لتوسيع دور القطاع الخاص، التي تصطدم أساسا بأزمة الكهرباء.

وتوضح المصادر أن "نسبة جباية أجور الكهرباء لا تتجاوز 14%، وتبقى 86% من مستحقات الجباية غير محصلة"، الأمر الذي يحرم الدولة من أحد أهم الموارد التي كانت تعوّل عليها لتمويل مشروعات الطاقة.

وتضيف أن الحكومة تدرس خفض التخصيصات السنوية لوزارة التجارة من 12 تريليون دينار (9.2 مليارات دولار) إلى 7 تريليونات دينار (5.3 مليارات دولار)، وهو ما سيؤدي إلى تقليص مفردات البطاقة التموينية، بحيث يقتصر توزيعها حتى نهاية العام على حصتين فقط لكل عائلة.

كما تتضمن الخطة استيفاء 4 آلاف دينار (3 دولارات) عن كل بطاقة تموينية، وتقليص عدد المشمولين فيها من 27 مليونا إلى 20 مليون مواطن، مع دراسة تأجيل شمول الأطفال في البطاقة التموينية حتى بلوغهم سن الثالثة، وهي إجراءات تتوقع الحكومة أن توفر ما بين 700 و800 مليار دينار سنويا (611 مليون دولار).

ولا تتوقف إجراءات التقشف عند ذلك، إذ تشمل أيضا دراسة خفض كميات شراء محصول الحنطة، مع محاولة الحفاظ على جدوى الزراعة اقتصاديا، إضافة إلى تقليص عدد الملحقيات الدبلوماسية الخارجية وخفض تخصيصات الأقاليم الممنوحة لها.

مصدر الصورة الحكومة العراقية تدرس تقليص عدد المشمولين في البطاقات التموينية من 27 مليونا إلى 20 مليون مواطن (الجزيرة)

ماذا يقول الشارع؟

بعيدا عن الأرقام وخطط التقشف، بدأت آثار الأزمة المالية تظهر في أحاديث الشارع، لا سيما بين الموظفين الذين يترقبون رواتبهم وسط مخاوف من اتساع دائرة الضغوط المعيشية.

تقول الموظفة الحكومية أميرة علي للجزيرة نت إن تأخر صرف الرواتب انعكس مباشرة على الحياة اليومية للعائلات، وأجبر كثيرين على تأجيل تلبية احتياجاتهم الأساسية. وتضيف أن استمرار الأزمة سيؤدي إلى مزيد من التراجع في المستوى المعيشي، مع ارتفاع تكاليف الحياة وصعوبة توفير متطلبات الأسرة.

أما الموظف الحكومي بشار صبار، فيرى في حديثه للجزيرة نت أن تأخير الرواتب ألقى بظلاله على الموظفين الذين يواجهون التزامات مالية ومواعيد سداد لا يمكن تأجيلها، لافتا إلى أنه رغم حجم الضرر الذي لحق بالمواطنين، فإن تداعيات اضطراب مضيق هرمز والأزمة الاقتصادية الراهنة تمثل تحديات تفوق قدرة الحكومة، مؤكدا أن المواطن يبقى الحلقة الأضعف والأكثر تأثرا بالأزمة.

إعلان

ويعتقد طيف من الخبراء والمراقبين أن ما يعيشه العراق اليوم لا يمثل أزمة سيولة بقدر ما يعكس نتيجة سنوات طويلة من الاعتماد على النفط بوصفه العمود الفقري لخزينة الدولة العامة، فكل تراجع في الصادرات ينعكس مباشرة على الرواتب والخدمات والإنفاق، وهو ما يجعل الأزمات المرتبطة به تتحول سريعا إلى أزمات داخلية تنسحب بالدرجة الأساس على رواتب الموظفين التي يعتمد عليها السوق. ومع غياب مصادر دخل قادرة على موازنة هذا الاعتماد، تبقى المالية العامة معرضة للتقلب مع كل هزة في أسواق الطاقة أو طرق التصدير.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار