في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
في وقت لا تزال دولتا المصب في حوض نهر النيل (مصر والسودان) تحاولان حسم الكثير من الملفات العالقة مع إثيوبيا، فيما يتعلق بإدارة وتشغيل سد النهضة بطريقة لا تؤثر في حصتهما من المياه، جاءت دولة جنوب السودان لتعلن عن تحد جديد ربما يواجه دولتي الجوار خلال الأشهر القادمة، وذلك بعد أن أعاد وزير الطاقة والسدود في جنوب السودان أغوك ماكور ملف سد "فولا" إلى الواجهة.
وأعلن أغوك -في تصريحات صحفية نشرت في 17 سبتمبر/أيلول 2026- استعداد بلاده للمضي في خطط إنشاء السد، معتبرا أن هذا المشروع جزء من حق جنوب السودان في تطوير موارده المائية.
وأثار التصريح حالة من الجدل، ربما كان سببها أنه جاء في خضم أزمة سد النهضة الإثيوبي التي لا تزال قائمة، لكن الأمر لا يتعلق بمشروع يظهر للمرة الأولى هذا العام، فقد ظل موقع فولا، قرب مدينة نيمولي بولاية شرق الاستوائية بدولة جنوب السودان، مطروحا منذ سنوات لتوليد الطاقة الكهرومائية.
وزار وفد من الاتحاد الأوروبي ووزارة الطاقة والسدود في جنوب السودان المواقع المحتملة للسد في مارس/آذار 2026، ولذلك فإن السؤال المهم ليس ما إذا كانت جوبا ستبني السد أم لا، لكن السؤال الأصعب هو: ماذا سيحدث للمياه بعد أن يمر النيل عبر سد فولا، وهل يمكن أن تصل تأثيراته إلى السودان ثم مصر؟
يقول الدكتور بيتر هاني أستاذ مساعد في الري والهيدروليكا بكلية الهندسة في جامعة عين شمس المصرية إن "الإجابة العلمية الحالية عن هذا السؤال أكثر تعقيدا من القول إن أي سد في جنوب السودان سيقلل مياه مصر والسودان، فمجرد وجود سد لا يكفي لإثبات ذلك، فالأمر سيتوقف على طريقة التشغيل وطبيعة الاستخدام".
وقبل أن يشرع في تفصيل تلك الإجابة، يشير الدكتور بيتر إلى أن الموقع المخطط لهذا المشروع عند منطقة فولا، بالقرب من مدينة نيمولي، حيث يدخل النيل جنوب السودان قادما من منطقة بحيرة ألبرت بأوغندا، ويُعرف المجرى هناك باسم "بحر الجبل".
ويوضح أن أهمية هذا الموقع بالنسبة لمصر والسودان تكمن في أن المياه تمر عبر فولا لتواصل رحلتها شمالا داخل جنوب السودان، ثم تدخل الأراضي السودانية، وتلتقي في الخرطوم بالنيل الأزرق، قبل أن يتجه النيل الموحد إلى مصر.
وتصف وثائق مبادرة حوض النيل المنطقة بأنها جزء من حوض بحر الجبل، الذي يمتد من مخرج بحيرة "ألبرت" إلى بحيرة "نو" لمسافة تقارب ألف كيلومتر، مع فارق ارتفاع كبير يوفر إمكانات لتوليد الكهرباء من الطاقة المائية.
ووفقا لذلك، يقع سد فولا في الجزء الأعلى من مجرى النهر بدولة جنوب السودان، أي قبل السودان شمالا ومصر باتجاه جريان المياه.
ومن ثم، يخلص الأكاديمي من ذلك إلى أن مصر والسودان يقعان باتجاه المصب من السد، مما يعني أن طريقة تشغيله يمكن أن تؤثر نظريا في توقيت تدفقات المياه المتجهة شمالا، بينما يعتمد تأثيره في حجم المياه التي تصل الدولتين على تصميم السد، وحجم التخزين، وطريقة تشغيله، وأي استخدامات مائية مرتبطة بالمشروع.
ويقول "قبل إصدار حكم علمي على التأثير المحتمل، فإن هناك تفاصيل محددة للغاية يجب أن تكون معروفة مثل حجم الخزان، مساحة سطح البحيرة، منسوب التشغيل، حجم التخزين، مدة الملء، قواعد التشغيل، التصريف التصميمي، مقدار المياه التي ستُسحب لأغراض أخرى مثل الري".
ويضيف أن سدا ذا تخزين محدود ومصمم أساسا لاستغلال فرق الارتفاع لتوليد الكهرباء "قد تكون آثاره في إجمالي حجم المياه السنوي (في مصر والسودان) مختلفة بشكل جذري عن سد يمتلك بحيرة تخزين ضخمة ويحتجز المياه لفترات طويلة وله استخدامات أخرى غير توليد الكهرباء".
ومع ذلك، فإن الأكاديمي بجامعة عين شمس يرى -من خلال قراءة خريطة المشروعات السابقة على النيل الأبيض- أن مشروعات السدود هناك تكون بهدف توليد الكهرباء، لعدم الحاجة إلى تخزين المياه لاستخدامها في الزراعة، لأن الأمطار تهطل هناك بغزارة طوال العام.
ويشير إلى أن مصر والسودان لن تكون لديهما مشكلة إذا كان السد بهدف توليد الكهرباء، لأن ذلك قد يحقق للطرفين مصلحة مشتركة، إذ قد يساعد في الحفاظ على كميات كبيرة من المياه التي تهدر في المستنقعات هناك، حيث كشفت دراسة علمية منشورة في دورية "ووتر ريسورسز ريسيرتش" (Water Resources Research) أن تجفيف أحد المستنقعات، وهو مستنقع السد، أحد أكبر الأراضي الرطبة في حوض النيل، يمكن أن يزيد كمية المياه المتاحة لجريان النيل بما يصل إلى نحو 36 مليار متر مكعب سنويا، نتيجة الحد من الفاقد الناتج عن التبخر.
ويفسر ذلك أسباب تعاون القاهرة وجوبا سابقا في إنشاء سد قرب مدينة "واو" عاصمة ولاية غرب بحر الغزال في جنوب السودان، لتوليد نحو 10.4 ميغاواط من الكهرباء.
لكن ذلك لا ينفي أنه يمكن أن تقام سدود في النيل الأبيض لأغراض أخرى قد تضر بمصر والسودان، لذلك يجب أن يكون هناك شفافية وتبادل للمعلومات لطمأنة دولتي المصب بشأن عدم تضررهما من هذا المشروع، كما يوضح بيتر.
ورغم أن الضرر، إن حدث، لن يكون كبيرا بقدر ما يمكن أن يحدثه سد النهضة، لضعف مساهمة النيل الأبيض في كمية المياه التي تصل إلى دولتي المصب، إلا أنه ليس لديهما رفاهية التفريط في أي نقطة مياه، كما يقول بيتر.
ويضيف أن "النيل الأبيض يساهم بنسبة لا تزيد على 15% من مياه النيل التي تصل دولتي المصب، بينما النيل الأزرق، هو أحد أهم مصادر مياه النيل السنوية، لذلك فإن استدعاء المقارنة بين سد فولا على النيل الأبيض وسد النهضة على النيل الأزرق ليست مقارنة هيدرولوجية سليمة".
وتؤيد التصريحات الرسمية المصرية ما يشير إليه بيتر، حيث كان مشروع سد فولا مطروحا عام 2013، وأعلن السفير المصري في جوبا آنذاك أن بلاده لا تعترض على مشروعات السدود الكهرومائية المقترحة في جنوب السودان.
وأكد وزير الموارد المائية والري هاني سويلم أمس الثلاثاء المعنى نفسه، وقال إن "هناك تفاهمات لبناء جنوب السودان لسد مائي ووافقنا عليه بعد دراسته، وعلاقتنا مع دول حوض النيل الجنوبي في أزهى صورها".
المصدر:
الجزيرة