أعلنت لجنة نوبل النرويجية اليوم الجمعة عن منح جائزة نوبل للسلام لعام 2026 للقاضية الجنوب إفريقية نافي بيلاي، تقديراً لجهودها الطويلة في الدفاع عن حقوق الإنسان وسيادة القانون الدولي. وتأتي هذه الجائزة في وقت حساس يشهد فيه العالم صراعات قانونية وسياسية كبرى، خاصة فيما يتعلق بالملفات التي أشرفت عليها بيلاي خلال مسيرتها المهنية الحافلة.

وفور إعلان النبأ، شنت سلطات الاحتلال الإسرائيلي هجوماً عنيفاً على اللجنة المانحة، حيث اعتبرت وزارة الخارجية الإسرائيلية أن منح الجائزة لبيلاي يضفي شرعية على ما وصفته بـ 'الكراهية والتحيز المناهضين لإسرائيل'. وذهبت الخارجية الإسرائيلية في بيانها عبر منصة إكس إلى أبعد من ذلك، مشبهة لجنة نوبل بوزير الدعاية النازي جوزيف غوبلز، في إشارة إلى رفضها القاطع لنتائج تحقيقات بيلاي السابقة.

من جانبها، حذرت الفائزة بالجائزة نافي بيلاي، البالغة من العمر 85 عاماً، من تصاعد الهجمات السياسية على القانون الدولي، مشيرة إلى أن ذلك ينذر بعودة العالم إلى نظام الغاب. وأكدت في بيان أصدرته من مدينة نورمبرغ الألمانية أن القوة لا يجب أن تكون هي المعيار الذي يحدد من يستحق الاهتمام والعدالة، بل يجب التمسك بالمبادئ القانونية الدولية.

وشددت بيلاي على أن هذا التكريم يعزز قناعتها الراسخة بضرورة الوقوف صفاً واحداً للدفاع عن استقلالية المحاكم الدولية، وضمان عدم تسييس العدالة. وأوضحت أن النظام القانوني الدولي القائم على المبادئ هو الضمانة الوحيدة لحماية حقوق الشعوب المضطهدة حول العالم، بعيداً عن موازين القوى العسكرية والسياسية العابرة.

وفي سياق ردود الفعل الأممية، وصف مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، فوز بيلاي بأنه 'انتصار جماعي' لكل الساعين لتحقيق العدالة والمساءلة الدولية. وأشار تورك إلى أن بيلاي تمثل تجسيداً حياً للقانون الدولي، خاصة وأنها شغلت منصب المفوضة السامية لحقوق الإنسان لسنوات طويلة تركت فيها بصمة واضحة.

ولفتت مصادر أممية إلى أن هذا الاعتراف لا يقتصر فقط على عمل بيلاي في الملف الفلسطيني، بل يمتد ليشمل دورها في العديد من الصراعات الدولية الأخرى التي طالبت فيها بالمساءلة. وأكدت المصادر أن الجائزة ترسل إشارة قوية حول أهمية آليات المساءلة الجنائية الدولية، بما في ذلك دور المحكمة الجنائية الدولية في عالمنا المعاصر.

وكانت بيلاي قد ترأست لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة المعنية بالأرض الفلسطينية المحتلة، والتي أصدرت تقريراً مدوياً في عام 2025. وخلص ذلك التقرير إلى أن إسرائيل ارتكبت جرائم إبادة جماعية في قطاع غزة، وهو الاستنتاج الذي أثار غضب تل أبيب ودفعها لشن حملات دبلوماسية ضد اللجنة ورئيستها.

تعزز هذه الجائزة قناعتي بضرورة أن نقف معاً دفاعاً عن سيادة القانون، ودفاعاً عن استقلالية المحاكم، وعن نظام قانوني دولي قائم على المبادئ.

بدورها، أشادت المحكمة الجنائية الدولية بمنح الجائزة لقاضيتها السابقة، معتبرة إياها اعترافاً حيوياً بدور العدالة الدولية كركيزة أساسية لتحقيق السلام الدائم. وقالت رئيسة المحكمة توموكو أكاني إن هذا التكريم يكتسب أهمية خاصة في ظل التحديات الجسيمة التي تواجه سيادة القانون والنظام القانوني العالمي في الوقت الراهن.

وتعود جذور نضال بيلاي إلى نشأتها في ظل نظام الفصل العنصري 'الأبارتهايد' في جنوب إفريقيا، حيث واجهت التمييز العرقي منذ صغرها. وفي عام 1967، دخلت التاريخ كأول امرأة سوداء تفتتح مكتباً للمحاماة في إقليم ناتال، مكرسة حياتها للدفاع عن المعتقلين السياسيين وضحايا التعذيب في بلادها.

وقد شملت مسيرة بيلاي المهنية الدفاع عن الزعيم الراحل نيلسون مانديلا والعديد من المناضلين ضد نظام الفصل العنصري، قبل أن تنتقل للعمل في القضاء الدولي. وعملت بيلاي قاضية في المحكمة الجنائية الدولية لرواندا، ثم في المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي، مما منحها خبرة واسعة في التعامل مع جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.

وتبلغ القيمة المالية للجائزة التي نالتها بيلاي 12 مليون كرونة سويدية، ومن المقرر أن يتم تسليمها رسمياً في حفل يقام بالعاصمة النرويجية أوسلو في العاشر من ديسمبر المقبل. ويتزامن هذا التاريخ مع ذكرى وفاة ألفريد نوبل، مؤسس الجوائز العالمية، ليكون يوماً للاحتفاء بالقيم الإنسانية والعدالة التي ناضلت بيلاي من أجلها.

يُذكر أن بيلاي كانت قد تفوقت على 287 مرشحاً آخرين، بينهم أفراد ومنظمات دولية، في سباق نوبل للسلام لهذا العام، رغم سرية هوية المرشحين التي تفرضها المؤسسة. وقد برز اسمها بقوة نتيجة لمواقفها الشجاعة في مواجهة الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في مختلف بقاع الأرض، لا سيما في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

ويرى مراقبون أن منح الجائزة لبيلاي يمثل دعماً معنوياً كبيراً للمؤسسات الحقوقية الدولية التي تتعرض لضغوط سياسية متزايدة من قبل القوى الكبرى. كما يعكس القرار رغبة لجنة نوبل في تسليط الضوء على أهمية القانون الدولي في فض النزاعات وحماية المدنيين في مناطق الصراع المسلح.

وفي ختام بيانها، أعربت بيلاي عن أملها في أن تكون هذه الجائزة حافزاً للأجيال القادمة من الحقوقيين والمحامين لمواصلة النضال من أجل العدالة. وأكدت أن الطريق نحو السلام الحقيقي لا يمر إلا عبر بوابة المساءلة وإنصاف الضحايا، مهما كانت التحديات والضغوط السياسية التي قد تواجه العاملين في هذا المجال.