كشف تحقيق استقصائي موسع نشرته صحيفة 'ذا غارديان' البريطانية عن تفاصيل صادمة تحيط بليلة استهداف سلاح الجو الإسرائيلي لسبعة من عمال الإغاثة التابعين لمنظمة 'المطبخ المركزي العالمي' في قطاع غزة خلال شهر أبريل الماضي. وأكد التحقيق أن المجزرة لم تكن مجرد خطأ تقني عابر، بل نتجت عن سلسلة من الإخفاقات المتعمدة في التنسيق الداخلي لدى جيش الاحتلال، إلى جانب تبني القيادات الميدانية عقيدة عسكرية عدوانية تُعرف بمفهوم 'التجريم بالاقتران'.
بدأت فصول المأساة مساء الأول من أبريل 2024، حين كان الفريق الإغاثي يشرف على تفريغ شحنة بحرية ضخمة تضم نحو 200 طن من المواد الغذائية على رصيف مؤقت وسط القطاع. ورغم أن العملية تمت بتنسيق مسبق استغرق أياماً مع قيادة الجيش الإسرائيلي وبحضور ضابط ارتباط في الموقع، إلا أن تأخر صدور التصاريح الأمنية الإسرائيلية أجبر الموكب على التحرك جنوباً بعد حلول الظلام، مما وضعه في دائرة الخطر الميداني.
أظهرت الوثائق والتقارير التي استند إليها التحقيق أن تفاصيل خط سير الموكب المنسق لم تُنقل من القيادة الجنوبية إلى 'لواء ناحال' المسؤول عن المنطقة أو إلى مشغلي الطائرات المسيرة في الجو. وعند وصول الشاحنات إلى مركز الاستقبال، استعان الفريق بحراس محليين مسلحين لحماية المساعدات من الفوضى، وهو إجراء قبله الفريق بسبب تأخر الوقت وتصاعد المخاطر الأمنية في تلك المنطقة.
بمجرد قيام أحد الحراس بإطلاق طلقة تحذيرية في الهواء، سارعت قيادة 'لواء ناحال' إلى افتراض أن حركة حماس قد سيطرت على الموكب بالكامل، مستندة في ذلك إلى مفهوم 'التجريم بالاقتران'. تمنح هذه العقيدة الميدانية القادة صلاحية اعتبار كل من يتواجد على مقربة من مسلحين هدفاً عسكرياً مشروعاً، دون الحاجة للتأكد من هويتهم أو طبيعة عملهم الإنساني.
أكدت المصادر أن الموكب أفرغ حمولته بسلام في مستودع المنظمة بدير البلح، وانفصل الحراس المسلحون تماماً عن عمال الإغاثة الذين استقلوا ثلاث سيارات مصفحة تحمل شعارات المنظمة بوضوح. ورغم رصد الطائرات المسيرة لانفصال المسلحين وتوجههم شمالاً، صدرت الأوامر بقصف سيارات عمال الإغاثة المتجهة نحو رفح، حيث تم استهداف المركبات الثلاث تباعاً خلال أربع دقائق فقط.
في شهادات وصفت بالمستفزة، أوضح العقيد في الاحتياط نوخي ميندل، الذي أصدر أمر القصف المباشر أن عمال الإغاثة في نظره 'لم يكونوا أبرياء' لمجرد تواصلهم مع المسلحين لتأمين المساعدات. وذهب ميندل إلى أبعد من ذلك بوصفه الحادثة التي هزت الرأي العام العالمي بأنها مجرد 'حدث جانبي غير مهم' في سياق العمليات العسكرية الواسعة التي يشنها الجيش في القطاع.
أثار قرار النيابة العسكرية الإسرائيلية بإغلاق التحقيق الجنائي واعتبار ما حدث 'خطأ في التحديد' موجة تنديد دولية واسعة، خاصة من بريطانيا وأستراليا وكندا التي فقدت مواطنيها في الهجوم. ووصفت هذه الدول النتائج الإسرائيلية بـ 'المخزية'، بينما جددت منظمة المطبخ المركزي العالمي مطالبتها بضرورة إجراء تحقيق دولي مستقل لضمان المساءلة ومنع تكرار مثل هذه الجرائم.
خلص التحقيق إلى أن سياسة 'التجريم بالاقتران' والتوسع غير المحدود في هامش الأضرار الجانبية ساهما بشكل مباشر في الارتفاع المهول لعدد الضحايا المدنيين في غزة. وتشير البيانات الداخلية لجيش الاحتلال إلى أن أكثر من 75% من القتلى في هذه الحرب هم من المدنيين، مما يعكس نهجاً عسكرياً يضع حماية الأرواح في أدنى سلم أولوياته الميدانية.
المصدر:
القدس