تشهد العاصمة الأردنية عمان تصاعداً ملحوظاً في حدة الاعتراضات السياسية والبرلمانية على حزمة من التشريعات التي تتبناها الحكومة، وكان آخرها قانون الإدارة المحلية الذي شرع مجلس النواب في مناقشة بنوده. وتأتي هذه التحركات التشريعية في وقت حساس تمر به البلاد، حيث تتزامن مع ضغوط اقتصادية ومعيشية متزايدة على المواطنين نتيجة ارتفاع معدلات التضخم.
وأشار مراقبون وناشطون سياسيون إلى أن تمرير هذه القوانين في ظل الظروف الإقليمية القلقة يضع السلطة التشريعية في مواجهة مباشرة مع الرأي العام. ويرى الناشط محمد خلف الحديد أن الحكومة تكتفي بموقف المتفرج على الصدام الحاصل بين الناخبين وممثليهم في البرلمان، دون تقديم ضمانات حقيقية لحماية الطبقات المتضررة.
وتواجه حكومة جعفر حسان انتقادات حادة بسبب ما يوصف بغياب الحوار الوطني حول ملامح القوانين الجديدة، وهو ما أدى إلى انكشاف الغطاء السياسي عن النواب المدافعين عنها. هذا الغياب في الشرح والتوضيح الحكومي تسبب في توتر واضح تحت قبة البرلمان، ظهرت معالمه في الجلسات الأخيرة التي شهدت مشادات كلامية.
وفي تصعيد لافت، اتهم النائب سليمان الزبن الحكومة بأنها تحولت إلى عبء حقيقي على الدولة الأردنية، مطالباً بمراجعة النهج المتبع في إدارة الملفات الداخلية. ولم يتوقف الأمر عند النقد اللفظي، بل دعا النائب أحمد هميسات رسمياً إلى طرح الثقة بوزير الإدارة المحلية وليد المصري، تعبيراً عن رفض المسار الحالي.
من جانبه، اعتبر النائب عبد الناصر الخصاونة أن المستفيد الأبرز من هذه الحالة هو التيار الإسلامي، الذي نجح في تصوير نفسه كالمدافع الوحيد عن حقوق الشارع. وأوضح الخصاونة في تصريحات لمصادر صحفية أن كتلة الحزب الإسلامي باتت تهيمن على المشهد الإعلامي والوطني، مما قلص مساحة المناورة أمام الأحزاب الوسطية.
وتشير القراءات السياسية إلى أن الدولة كانت تراهن على دعم الأحزاب الوسطية لتمرير هذه التشريعات، إلا أن الضغط الشعبي جعل هذا الرهان محفوفاً بالمخاطر. وفي المقابل، يركز الإسلاميون في طروحاتهم على مطالب الناس المباشرة، مما يعزز من رصيدهم السياسي في مواجهة الرواية الرسمية التي تتبناها الحكومة.
وانتقدت أوساط نيابية احتكار المنصات الإعلامية الرسمية من قبل النواب المؤيدين للتشريعات، معتبرة أن ذلك يكرس سياسة الرأي الواحد ويقصي الأصوات المعارضة. هذا النهج الإعلامي ساهم في زيادة الاحتقان، خاصة مع تمرير قانون الملكية العقارية الذي أثار موجة واسعة من الجدل القانوني والسياسي.
وقد انضم قانون الملكية العقارية إلى قائمة القوانين التي يصفها معارضون بأنها 'سيئة السمعة'، وذلك بسبب تضمنه بنوداً تثير شبهات حول آليات استملاك الأراضي. وحذر النائب أحمد قطاونة من أبعاد تطبيعية محتملة قد تتسلل عبر نصوص هذا القانون، وهو ما زاد من وتيرة الرفض الشعبي والبرلماني له.
قانونياً، أكد القطب البرلماني صالح العرموطي وجود شبهات دستورية واضحة في القوانين التي يتم الدفع بها حالياً، وهو رأي شاركه فيه أعضاء في اللجنة القانونية. ويرى العرموطي أن التسرع في إقرار تشريعات تمس حقوق الملكية الفردية قد يؤدي إلى أزمات قانونية معقدة في المستقبل القريب، مما يهدد الاستقرار التشريعي.
ويربط مراقبون بين النقاشات الحادة حول قانوني الإدارة المحلية والملكية العقارية وبين حالة الاحتقان العام من النهج التشريعي المتبع. فقد وصل مستوى النقد إلى مستويات غير مسبوقة، حيث بدأت تصدر رسائل مبطنة تطالب بمراجعة شاملة لآليات اتخاذ القرار في مؤسسات الدولة وليس فقط في الحكومة.
وفي هذا السياق، استخدم البرلماني السابق سليم البطاينة وصف 'تشريعات الاستبداد' للتعبير عن رفضه للقيود التي تفرضها القوانين الجديدة على العمل العام. كما دعا ناشطون نقابيون إلى ضرورة إجراء مراجعة جذرية للنهج العام في إدارة شؤون الدولة، محذرين من استمرار تجاهل المطالب الشعبية المتكررة.
وشهدت الأيام الماضية تحركاً لافتاً من قبل شخصيات وطنية وازنة، حيث وقع رئيس مجلس النواب الأسبق عبد الكريم الدغمي على بيان يطالب بالتدخل لوقف قانون الملكية العقارية. وطالب البيان بضرورة إيعاز القصر الملكي لمجلس الأعيان برد القانون، نظراً لما يحتويه من ثغرات دستورية وقانونية جوهرية.
وتعكس هذه التحركات حالة من القلق لدى النخب السياسية والاجتماعية من تداعيات القوانين التي تمس حقوق المواطنين الأساسية. ويرى مراقبون أن تفاعل الشخصيات ذات الحضور الوطني مع هذه القضايا يعطي زخماً إضافياً للمعارضة البرلمانية، ويضع الحكومة في موقف دفاعي صعب أمام الرأي العام.
ختاماً، يبقى التساؤل قائماً حول قدرة الحكومة على امتصاص هذا الغضب البرلماني والشعبي، في ظل إصرارها على المضي قدماً في مسارها التشريعي. ومع استمرار تصدر الإسلاميين للمشهد المعارض، تبدو الخارطة السياسية الأردنية مقبلة على مزيد من التجاذبات التي قد تعيد تشكيل موازين القوى بين السلطتين التنفيذية والتشريعية.
المصدر:
القدس