كشفت مصادر دبلوماسية مطلعة عن تحركات أمريكية ودولية مكثفة تقودها واشنطن لإنقاذ خطة السلام المتعلقة بقطاع غزة، حيث يطرح المبعوث الأمريكي جاريد كوشنر ومبعوث مجلس السلام نيكولاي ملادينوف مساراً جديداً للتنفيذ. ويهدف هذا المسار إلى تجاوز العقبات التي وضعتها الحكومة الإسرائيلية أمام وثيقة البنود الـ15 التي طرحتها الإدارة الأمريكية سابقاً.
ويتضمن المقترح الجديد إنشاء ما يسمى بـ 'المناطق التجريبية' في مناطق شمال قطاع غزة ومدينة رفح جنوباً، في محاكاة لنماذج أمنية طبقت سابقاً في مناطق نزاع أخرى مثل لبنان. ويسعى هذا التوجه إلى خلق بيئة أمنية مستقرة تسمح ببدء تنفيذ مراحل الخطة السياسية الأوسع التي تتبناها واشنطن.
ومن المقرر أن يشهد هذا المسار نشر قوات دولية في تلك المناطق التجريبية خلال أسابيع قليلة، حيث تشير التقارير إلى أن المرحلة الأولى ستضم جنوداً من أوغندا وكوسوفو. كما يلحظ المقترح إمكانية إدماج جنود من المملكة المغربية في مراحل لاحقة لتعزيز التواجد العربي والدولي المشرف على الأمن.
وفي إطار هذا الحراك الدبلوماسي، من المتوقع أن يلتقي كوشنر وملادينوف برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يوم غد الاثنين، في محاولة لإقناعه بالعدول عن موقفه الرافض. وكان نتنياهو قد صرح في وقت سابق بأن خارطة الطريق التي طرحها الرئيس ترمب غير مقبولة بالنسبة لتل أبيب، مما وضع الجهود الدولية في مأزق.
وتشير مصادر إلى أن إسرائيل تبدي قلقاً بالغاً إزاء المطالب الأمريكية بوقف عمليات الاغتيال الموجهة ضد عناصر الفصائل الفلسطينية في غزة. وترى الحكومة الإسرائيلية أن وقف هذه العمليات قد يمنح الفصائل فرصة لإعادة بناء قدراتها العسكرية، وهو ما ترفضه المؤسسة الأمنية في تل أبيب جملة وتفصيلاً.
بالتوازي مع ذلك، شهدت العاصمة المصرية القاهرة اجتماعات مكثفة ضمت وسطاء من مصر وقطر وتركيا مع المبعوثين الأمريكيين لبحث سبل المضي قدماً في الخطة. وقد شاركت قيادات من حركة حماس في بعض هذه المداولات، حيث تم إطلاعهم على تفاصيل المسار المقترح والمناطق التجريبية المزمع إنشاؤها.
وفي سياق متصل، التقى رئيس المكتب السياسي لحركة حماس خليل الحية برئيس جهاز المخابرات العامة المصرية حسن رشاد للتباحث في التطورات الميدانية والسياسية. وأكدت مصادر أن الحية استعرض خلال اللقاء ما وصفها بالانتهاكات الإسرائيلية المستمرة لاتفاقات وقف إطلاق النار السابقة، مشدداً على ضرورة وجود ضمانات دولية حقيقية.
كما استقبل الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي المبعوث الأمريكي جاريد كوشنر، حيث جرى التأكيد على ضرورة الالتزام بتنفيذ بنود اتفاق وقف الحرب في غزة. وشددت الرئاسة المصرية على أهمية المسار السياسي الذي يضمن حقوق الشعب الفلسطيني ويؤدي إلى استقرار المنطقة بشكل دائم.
ميدانياً، لم تتوقف العمليات العسكرية الإسرائيلية رغم الحراك الدبلوماسي، حيث شنت الطائرات الحربية غارات استهدفت مناطق متفرقة في قطاع غزة. وأسفرت هذه الغارات عن استشهاد فلسطيني في خان يونس وإصابة آخرين في مخيم النصيرات، مما يزيد من تعقيد المشهد التفاوضي في القاهرة.
وتدعو خطة ترمب في جوهرها إلى وقف فوري وشامل للعمليات العسكرية، مع البدء في إجراءات نزع سلاح الفصائل الفلسطينية داخل القطاع. كما تنص الخطة على انسحاب تدريجي للقوات الإسرائيلية بالتزامن مع بدء عمليات إعادة الإعمار تحت إشراف إدارة مدنية فلسطينية جديدة تحظى بقبول دولي.
وتواجه هذه الخطة تحديات كبيرة، حيث تشترط حركة حماس أن يكون أي اتفاق مرتبطاً بانسحاب كامل ووقف نهائي للعدوان قبل البدء في تنفيذ الالتزامات الأخرى. وفي المقابل، تصر إسرائيل على الاحتفاظ بحرية العمل العسكري في القطاع لمواجهة ما تسميه التهديدات الأمنية المتشكلة، وهو ما يعيق التوصل إلى صيغة نهائية.
يُذكر أن وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه في أكتوبر الماضي لم ينجح في إنهاء الهجمات الإسرائيلية بشكل كامل، رغم تقليص حدة العمليات القتالية الكبرى. وقد أدت هذه الهجمات المستمرة إلى سقوط مئات الشهداء والجرحى، معظمهم من المدنيين، مما يضع ضغوطاً هائلة على الوسطاء الدوليين للتوصل إلى حل.
ويرى مراقبون أن مقترح القوات الدولية قد يكون 'الجزرة' التي تقدمها واشنطن لنتنياهو لضمان أمن الحدود الإسرائيلية، وفي الوقت نفسه توفير حماية للمدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، يبقى التساؤل قائماً حول مدى قبول الفصائل الفلسطينية لوجود قوات أجنبية على أرض القطاع، وهو ما قد يعتبره البعض انتقاصاً من السيادة.
تتجه الأنظار الآن إلى نتائج لقاء كوشنر مع نتنياهو، حيث سيتحدد بناءً عليه مصير المسار الجديد وما إذا كانت المنطقة ستتجه نحو تهدئة مستدامة أم جولة جديدة من التصعيد. ويبقى الدور المصري والقطري محورياً في تقريب وجهات النظر بين الأطراف المتصارعة لضمان عدم انهيار الجهود الدبلوماسية الأخيرة.
المصدر:
القدس