آخر الأخبار

كوشنر وبلير في تل أبيب والقاهرة: رقصة الموت الانتخابية على أ

شارك

مسعى أمريكي لإنقاذ خطة سلام وفق حسابات انتخابية أمريكية وإسرائيلية على حساب الدم والأرض الفلسطينيين


القدس- محمد أبو خضير- "القدس" دوت كوم- في مشهد بات مألوفاً في تاريخ الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي، تتجدد الرقصة الدبلوماسية التي تجمع بين الوعود البراقة والنيّات الخفية، بينما تبقى الضحية الوحيدة الشعب الفلسطيني وأرضه ودمه. تأتي زيارة جاريد كوشنر، صهر الرئيس ترامب ومهندس "صفقة القرن" التي أعلنت وفاتها سريرياً قبل ولادتها، لتؤكد مجدداً أن القضية الفلسطينية ليست أكثر من ورقة رابحة في لعبة سياسية معقدة تجري على طاولة الانتخابات الإسرائيلية والأمريكية.

فحين يلتقي مبعوث الرئيس الأمريكي مع توني بلير، رجل الحرب على العراق الذي تحول فجأة إلى داعية سلام، ومع نيكولاي ملادينوف، الدبلوماسي الذي ارتبط اسمه باسم نتنياهو وعرف كيف يسير على الحبال التي رسمها له في الشرق الأوسط، فإن المشهد يحمل من السخرية ما يكفي لعشرات التقارير ولملء عشرات الأفلام الوثائقية. فهم يجتمعون ليس لإنقاذ أرواح الفلسطينيين في غزة والضفة، بل لإنقاذ خطة سلام لا تريدها إسرائيل ولا تؤمن بها الولايات المتحدة، خطة وضعت أصلاً لتكون مجرد غطاء سياسي في سباقين انتخابيين متزامنين.

المفارقة الأكثر إيلاماً أن هذا المسعى الأمريكي المكثف يأتي في لحظة يتحول فيها قطاع غزة إلى ساحة تجارب للسياسات الأمريكية والإسرائيلية، حيث تُختبر قدرة واشنطن على إدارة أزمات حلفائها في آن واحد، فيما يستغل نتنياهو الملف الفلسطيني كورقة ضغط في معركته الانتخابية ضد خصومه من الجنرالات ومنافسيه في الليكود، في مشهد لا يخلو من الكوميديا السوداء؛ رئيس وزراء يواجه اتهامات بالتساهل من أقصى اليمين الصهيوني المتطرف، في الوقت الذي يرفض فيه خطة سلام قدمها حليفه الأكبر بالتنسيق معه مسبقاً، مهدداً بتفجير الاتفاق الهش الذي كلف الفلسطينيين آلاف الأرواح.

وفي الزاوية الأخرى، ترامب الذي يحتاج إلى "إنجاز" في الشرق الأوسط لتسويقه في الانتخابات النصفية الأمريكية، يجد نفسه مضطراً للتغاضي عن تمرد نتنياهو العلني على خطته، وكأنه يقول للعالم: "نحن نتفهم أن قتل الفلسطينيين وتجويعهم وتدمير بيوتهم كلها أمور مقبولة، طالما أنتم في موسم انتخابي". وفي هذا السياق، تتحول دماء غزة إلى مادة دسمة للحملات الانتخابية، وتصبح أرضها رقعة شطرنج يتنافس عليها الجنرالات الإسرائيليون في إظهار التشدد العسكري.

في وسط هذا العبث السياسي، تقف حماس التي وافقت مبدئياً على الخطة الأمريكية، بينما تجد السلطة الفلسطينية نفسها متفرج على مشهد هزلي يدور من دونها، وإن كانت تشارك في تدريب قواتها بمصر، في انتظار دورها في إدارة غزة تحت وصاية دولية، وكأن الفلسطينيين لم يتعلموا بعد أن كل "خطة سلام" أمريكية كانت تهدف بالأساس إلى إعادة ترتيب الأوضاع لصالح إسرائيل، وليس لتحقيق العدالة للشعب الفلسطيني.

كشف المستور في هذه اللعبة السياسية المعقدة، تلك التي تلبس ثوب السلام بينما تحمل في طياتها كل أدوات الحرب، وتتحدث عن حقوق الفلسطينيين بينما تمارس سياسة المماطلة والتسويف، وتعد بالإعمار بينما تواصل التدمير، وتتغنى بالانسحاب بينما تخطط للاستيطان في غزة. إنها رقصة الموت الانتخابية على أنقاض غزة، حيث يدفع الفلسطينيون الثمن الأغلى من دمائهم وأرضهم وحقوقهم، في مقابل أصوات انتخابية في تل أبيب وواشنطن.


أبعاد زيارة كوشنير وبلير وملادينوف بين الواقع والمتاهات


في مشهد يختزل كل متناقضات السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، يُعد جاريد كوشنر نفسه لزيارة هي الخامسة عشرة منذ توليه ملف السلام، وكأنه في مهمة إنقاذ لخطة ماتت ألف مرة قبل أن تولد. فالرجل الذي وصفته صحيفة "واشنطن بوست" بأنه "أكثر دبلوماسي غير مؤهل في التاريخ الأمريكي" يعود اليوم برفقة ثنائي لا يقل إثارة للجدل: توني بلير، الرجل الذي قاد بريطانيا إلى حرب العراق تحت ذريعة أسلحة الدمار الشامل التي لم تُعثر عليها، وتحول بعدها إلى رجل أعمال متنقل بين عواصم العالم، ونيكولاي ملادينوف، الدبلوماسي الذي يحب الجلوس مع نتنياهو ويتعلم من خبرته ودهائه ويتلقى تعليماته ويعشق رؤيته للصراع ويتعلم منه، وعرف كيف يتعامل مع الأطراف كافة، لكنه يجد نفسه اليوم في مهمة شبه مستحيلة: إحياء اتفاق متعثر يعارضه معلمه رئيس الوزراء الإسرائيلي علناً.

تأتي هذه الزيارة في توقيت بالغ الحساسية، يتزامن مع أزمات سياسية داخلية تعصف بكلا البلدين- إسرائيل والولايات المتحدة. إنها لحظة تتداخل فيها المصالح الشخصية مع المصالح الوطنية، وتتشابك فيها الحسابات الانتخابية مع الالتزامات الاستراتيجية، بحيث يصبح من المستحيل فصل السياسة عن الدراما، والدبلوماسية عن السيناريوهات الانتخابية.


المشكلة


وفي مركز صنع القرار في واشنطن لم يكن كوشنر يوماً دبلوماسياً محترفاً، ولا خبيراً في شؤون الشرق الأوسط، بل كان رجل أعمال شاباً وجد نفسه فجأة في قلب السياسة الأمريكية بفضل صلة القرابة من الرئيس. ومع ذلك، نجح في التسلل كصانع سياسة في ملف الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، ليصبح الوجه الأمريكي الأبرز في محادثات السلام منذ إدارة كلينتون.

لكن سيرة كوشنر تحمل الكثير من المفارقات التي تجعل دوره في "صنع السلام" أشبه بالكوميديا السياسية. فهو الرجل الذي قال في جولته الثانية إن "السلام في الشرق الأوسط ليس معضلة معقدة"، بينما يعلم الجميع أن هذه المعضلة استعصت على أقوى الدبلوماسيين لعدة عقود. وهو الرجل الذي روج لخطة اقتصادية سماها "الازدهار من أجل السلام" كبديل للحل السياسي، متناسياً أن الفلسطينيين لا يبحثون عن ازدهار تحت الاحتلال، بل عن حقوقهم الوطنية المسلوبة.

واليوم، يعود كوشنر إلى المنطقة في مهمة قد تكون الأصعب في مسيرته، ليس فقط لأنه يواجه رفضاً إسرائيلياً صريحاً، بل لأنه يدرك أن فشل هذه الخطة يعني فشلاً سياسياً مدوياً لإدارة ترامب في وقت حرج.


بلير .. الوجه القديم المكشوف


إذا كان كوشنر يمثل الوجه الجديد للدبلوماسية الأمريكية، فإن توني بلير يمثل الوجه القديم لها، مع فارق السخرية المذهل في مسيرته. فبلير، الذي قاد بريطانيا إلى الحرب في العراق فدمرها وخلف ملايين الشهداء والجرحى والمشردين وخلف دمار لا زال العراق يعانية تحت ذريعة أسلحة الدمار الشامل، يجد نفسه اليوم مناضلاً من أجل السلام في الشرق الأوسط، كأنما يريد أن يكفر عن خطاياه السابقة عبر محاولة إصلاح ما لا يمكن إصلاحه.

بلير، الذي ترك منصبه كرئيس للوزراء البريطاني في 2007 بعد أن دمرت شعبيته بسبب حرب العراق، عاد ليلعب دوراً غريباً في السياسة الدولية، متحولاً إلى رجل أعمال ومستشار للعديد من الحكومات والشركات. والآن، وبصفته عضواً في المجلس التنفيذي لـ "مجلس السلام لغزة"، يقف إلى جانب كوشنر في مهمة سلام هي الأكثر تناقضاً في تاريخ المنطقة.

المفارقة هنا أن بلير نفسه، خلال فترة توليه منصبه، كان من أقوى المؤيدين للسياسات الإسرائيلية، ولم يبدِ أبداً أي تعاطف حقيقي مع القضية الفلسطينية. لكنه اليوم، في نهاية مسيرته، يجد نفسه مدعواً للمشاركة في خطة سلام تدعو إلى إنهاء الاحتلال وإعادة إعمار غزة، كأنما القدر يريد أن يسخر منه ومن تناقضاته.


لا يمكن النظر إلى توقيت هذه الزيارة بمعزل عن السياق السياسي المعقد في كل من إسرائيل والولايات المتحدة:


الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 أكتوبر 2026

تمثل الانتخابات الإسرائيلية المقبلة محطة مفصلية في الصراع، حيث تتقارب استطلاعات الرأي بين معسكر نتنياهو (الليكود مع أحزاب اليمين المتطرف شاس ويهودية التوراة المتحدة) والمعارضة بقيادة غادي أيزنكوت (حزب ياشر). وفي هذا السياق:

معسكر نتنياهو يواجه تحديات داخلية غير مسبوقة، حيث ينشغل بقاعدته الانتخابية ويماطل في تنفيذ التزاماته الدولية لتجنب انهيار تحالف أقصى اليمين المتطرف.

معارضة الجنرالات تستغل الملف الأمني لإظهار تشددها في مواجهة حماس، متحدية نتنياهو في معركته الانتخابية.

أقصى اليمين بقيادة إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، ينظم مظاهرات تطالب بإعادة بناء المستوطنات في غزة، ويحولون هذه القضية إلى محور حملاتهم الانتخابية.


الانتخابات النصفية الأمريكية

ترامب، الذي يواجه تحديات داخلية في بلاده، بحاجة ماسة إلى إنجاز في سياسته الخارجية ليقدمه للناخبين الأمريكيين كدليل على قدرته على إحلال السلام في الشرق الأوسط. والخطة الأمريكية لغزة، في حال نجاحها، قد تشكل رصيداً مهماً في حملته الانتخابية. لكن فشلها سيكون بمثابة ضربة قوية لصورته السياسية في الداخل الأمريكي.


"مجلس السلام لغزة" - قصة خطة ولدت ميتة

في يناير 2026، وتحت قبة الأمم المتحدة، ولد كيان دبلوماسي جديد حمل اسماً براقاً: "مجلس السلام لغزة". لكن تحت هذا الاسم اللطيف، تختبئ قصة سياسية معقدة، وخطة سلام مثيرة للجدل، ومصير فلسطيني يعلق في هواء الانتخابات الإسرائيلية والأمريكية... فكيف يكون مجلس للسلام وفي عضويته نتنياهو وترامب ؟

"مجلس السلام لغزة" هو الهيئة المكلفة بتنفيذ خطة ترامب المكونة من عشرين نقطة، والتي أقرها مجلس الأمن بالقرار 2803. يضم المجلس شخصيات دولية بارزة مثل وزير الخارجية ماركو روبيو وستيف ويتكوف، إضافة إلى توني بلير ونيكولاي ملادينوف. وتتمثل مهمته الأساسية في الإشراف على: دخول المساعدات الطبية العاجلة والماء والغذاء. فتح المعابر. رفع الركام والإعمار وإعداد البنى التحتية. جمع السلاح. انسحاب جيش الاحتلال الإسرائيلي. نشر قوة تثبيت دولية بقيادة الجنرال جاسبر جيفرز. لكن السؤال الأكثر إلحاحاً: هل هذا المجلس حقيقي وفعال، أم هو مجرد واجهة سياسية تهدف إلى إعطاء شرعية دولية لخطة أمريكية إسرائيلية في وقت واحد؟


الخطة الأمريكية: بين الإعلان والنوايا الخفية

تنص خطة ترامب رسمياً على: نزع سلاح حماس وفق برنامج متدرج (الثقيل أولاً ثم الخفيف). انسحاب إسرائيلي تدريجي من القطاع. تشكيل حكومة تكنوقراط فلسطينية لإدارة غزة. إعادة إعمار القطاع بمساعدة دولية. نشر قوة تثبيت دولية لضمان الأمن. ما تخفيه الخطة بين السطور لكن المتابع لمسار الخطة يكتشف بسهولة أن ما هو معلن لا يعكس ما هو خفي: نزع السلاح مقابل ماذا؟ الخطة تطلب من حماس تسليم أسلحتها دون ضمانات حقيقية بإنهاء الاحتلال نهائياً.

الانسحاب الإسرائيلي: بين النية والتنفيذ. الخطة تتحدث عن انسحاب تدريجي، لكن إسرائيل تشترط أن يسبق الانسحاب نزع السلاح بالكامل الثقيل والخفيف والشخصي فهل هناك من يملك تعداد لهذا السلاح ؟ وهل هذا شرط ام وسيلة تعجيز إسرائيلية من نتنياهو ؟ وما هي الضمانات التي يقدمها نتنياهو قبل ترامب بعدم اجتياح القطاع وتنفيذ مجازر بحجة البحث عن السلاح الذي لم يجمع ؟.

الحكومة التكنوقراطية: من يديرها ولمن تخدم؟ تشكيل حكومة فلسطينية جديدة يواجه تحديات في المصداقية والقدرة على فرض الأمن.

الإعمار المشروط. الإعمار مشروط بتنفيذ حماس للتزاماتها، مما يمنح إسرائيل حق الفيتو على أي تقدم في القطاع.


تناقضات الخطة: مشاهد من كوميديا سياسية


نزع السلاح أولاً ثم الانسحاب؛ هذه هي المعضلة الكلاسيكية في الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي: من يبدأ أولاً؟ إسرائيل تطلب نزع سلاح حماس قبل الانسحاب، وحماس تطلب الانسحاب قبل نزع السلاح. الخطة الأمريكية حاولت حل هذه المعضلة باقتراح أن تسلم حماس أسلحتها للجنة الإدارية الوطنية الفلسطينية الجديدة وليس لإسرائيل. لكن السؤال: هل هذا الحل مقبول لإسرائيل؟ طبعً لا وتريد تسليمها ذلك السلاح أو تخزينه في مناطق هي تحددها مسبقاً بأشراف أمريكي مصري .

الإعمار المشروط؛ الخطة تتحدث عن إعادة إعمار غزة، لكن هذا الإعمار مشروط بتنفيذ حماس لالتزاماتها. وهذا يعني أن إسرائيل سيكون لديها حق النقض على أي تقدم في الإعمار، مما يبقي غزة تحت رحمة السياسة الإسرائيلية.. وتريد مخلفات والركام ومواد البناء من إسرائيل وإلى إسرائيل؟


القوة الدولية.. ضمان أم احتلال جديد؟

نشر قوة تثبيت دولية في غزة قد يبدو فكرة جيدة لضمان الأمن، لكنه يطرح أسئلة صعبة: هل هذه القوة ستكون محايدة حقاً؟ أم أنها ستكون أداة لفرض الإرادة الأمريكية والإسرائيلية على الفلسطينيين؟ مسلحة بأسلحة خفيفة تشرف على نزع السلاح في عمق غزة لا تقف على الحدود بل تنظم وتشرف على حياة الفلسطينيين لا تشارك فيها تركيا وقطر وتحدد إسرائيل حجمها ومن يشارك فيها وتضع خريطة انتشارها اللجنة الامريكية الإسرائيلية في عسقلان .

وتبرز المماطلة الإسرائيلية كأداة سياسية بامتياز، وكجزء من استراتيجية أوسع تهدف إلى تحقيق مكاسب انتخابية على حساب الدم الفلسطيني. فنتنياهو، السياسي المتهم بالفساد الذي أتقن فن البقاء في السلطة، يدرك تماماً أن الوقت يعمل لصالحه، وأن المماطلة في تنفيذ التزاماته الدولية قد تكون السبيل الوحيد للحفاظ على تحالفه مع أقصى اليمين الصهيوني العنصري الذي يدعم "إرهاب المستوطنين في الضفة ويسعى للاستيطان في قطاع غزة “.


موقف نتنياهو.. بين رفض الخطة وتطمين اليمين

في 9 أغسطس 2026، أعلن نتنياهو رفضه لخطة واشنطن، متعهداً بعدم سحب القوات الإسرائيلية من غزة حتى يتم نزع سلاح حماس بالكامل أولاً. هذا الموقف شكل تصعيداً في الخلاف مع الإدارة الأمريكية التي نسقت معه مسبقاً في تفاصيل الورقة قبل نقلها للوسطاء وحركة حماس، التي كانت قد أعلنت التوصل لاتفاق مع حماس حول جمع السلاح وفق برنامج متدرج مع الانسحاب الكامل من غزة. لكن السؤال الأهم: هل موقف نتنياهو حقيقي أم هو مجرد مناورة انتخابية؟ يمكن قراءة موقف نتنياهو في ضوء العوامل التالية؛ الانتخابات الإسرائيلية المقبلة: كلما اقترب موعد الانتخابات، ازدادت حدة تصريحات نتنياهو ضد الخطة الأمريكية، في محاولة لاستمالة الناخبين اليمينيين.

الضغوط الداخلية من أقصى اليمين؛ بن غفير وسموتريتش يمارسان ضغوطاً هائلة على نتنياهو لعدم تقديم أي تنازلات للفلسطينيين، ويهددانه بإسقاط حكومته إذا وافق على الخطة الأمريكية.

المنافسة مع الجنرالات؛ أيزنكوت وغيره من الجنرالات يستغلون الملف الأمني لإظهار تشددهم، مما يضع نتنياهو في موقف حرج.

وفي الجانب الآخر من المشهد، يقف إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، زعيما أقصى اليمين الإسرائيلي، اللذان يحولان قضية غزة إلى محور حملاتهما الانتخابية؛ مظاهرات إعادة الاستيطان.

ينظم قادة أقصى اليمين مظاهرات حاشدة تطالب بإعادة بناء المستوطنات في غزة، متناسين أن الاحتلال الإسرائيلي السابق لغزة انتهى بانسحاب أحادي الجانب في 2005، وأن العودة إلى المستوطنات تعني تكرار تجربة فشلت في الماضي.. قادت الى ٧ أكتوبر.

أما سموتريتش قال صراحة إن تغيير الحكومة قد "يلغي كل الثورة الاستيطانية" التي تحققت في السنوات الأربع الماضية. وهذا يعكس كيف تحولت القضية الفلسطينية إلى أداة انتخابية في يد أقصى اليمين.


معضلة نتنياهو.. بين أقصى اليمين وواشنطن

يجد نتنياهو نفسه في موقف صعب؛ من جهة، يحتاج إلى دعم أقصى اليمين للبقاء في السلطة، ومن جهة أخرى، لا يستطيع تحمل تكلفة المواجهة المباشرة مع إدارة ترامب قبل الانتخابات. ولذلك، يتحرك بحذر شديد، محاولاً تقديم تنازلات شكلية لأقصى اليمين دون الإضرار بالعلاقة الاستراتيجية مع واشنطن.

في واشنطن أيضاً، لا تخلو القضية الفلسطينية من حسابات انتخابية ضيقة؛ فالبيت الأبيض، بحسب مصادر مطلعة، حريص على منع الانتخابات الإسرائيلية من تعطيل تقدم الخطة، لكن دوافع واشنطن لا تقتصر على الشرق الأوسط. فالخطة تحمل بصمة السياسة الخارجية للرئيس ترامب، ونجاحها قد يشكل رصيداً مهماً في الانتخابات النصفية الأمريكية؛ فترامب، الذي يواجه تحديات داخلية كبيرة، بحاجة ماسة إلى إنجاز في سياسته الخارجية ليقدمه للناخبين الأمريكيين. وملف الشرق الأوسط، وتحديداً القضية الفلسطينية، قد يكون ورقة رابحة في يديه إذا نجح في تحقيق اختراق فيها.

السؤال الأهم: هل إدارة ترامب مستعدة للتضحية بخطتها من أجل الحفاظ على العلاقة مع إسرائيل؟ أم أنها ستمارس ضغوطاً أكبر على نتنياهو لإجباره على الموافقة على الخطة؟

في ظل هذه التحديات، يحاول الفلسطينيون إعادة تموضعهم في المشهد السياسي من خلال: التنسيق مع مصر: السلطة تتعاون مع مصر في تدريب قوات فلسطينية لإدارة غزة. استيعاب الموظفين الفلسطينيين؛ الخطة تتضمن استيعاب آلاف الموظفين الفلسطينيين في قطاع غزة لإدارة المرافق من تربية وتعليم وصحة.

في هذه المرحلة الحرجة، يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمستقبل الخطة الأمريكية:


السيناريو الأول: التنسيق الناجح؛ في هذا السيناريو، تنجح زيارة كوشنر وبلير في خفض حدة الخلاف العلني بين واشنطن وتل أبيب، مع استمرار التنسيق الأمني وتبقى القضايا الجوهرية لما بعد الانتخابات. وهذا السيناريو هو الأكثر ترجيحاً، لأنه يسمح لكل الأطراف بتحقيق مكاسب مرحلية دون المخاطرة بانهيار العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل.

مؤشرات هذا السيناريو: تصريحات ختامية إيجابية من الوفد الزائر. استمرار التنسيق الأمني بين إسرائيل والولايات المتحدة. عدم حدوث تصعيد عسكري كبير في غزة.


السيناريو الثاني: التصعيد وفشل التنسيق؛ في حال أصر نتنياهو على موقفه الرافض لأي انسحاب، قد تدفع واشنطن نحو خيارات بديلة، مثل التعامل المباشر مع أطراف إقليمية أخرى، مما يضعف موقف تل أبيب ويعمق الأزمة الداخلية.

مؤشرات هذا السيناريو: تصريحات أمريكية أكثر حدة ضد إسرائيل. محاولات أمريكية للتفاوض مع أطراف أخرى (مصر، الأردن، دول الخليج) لتجاوز إسرائيل. تصعيد عسكري إسرائيلي في غزة كرد فعل على الضغوط الأمريكية.


في هذا السياق، يتجلى التناقض الأكثر إيلاماً: فبينما يتحدث الجميع عن "خطة سلام" و"إعادة إعمار" و"مستقبل مشرق"، يواصل المستوطنون إرهاب الفلسطينيين في الضفة الغربية، ويواصل الاحتلال الإسرائيلي اجتياحات واغتيالات في غزة، وتواصل إسرائيل المماطلة في تنفيذ التزاماتها، وتواصل واشنطن التغاضي عن كل ذلك بحجة "فهم الضغوط التي يواجهها نتنياهو".

في المحصلة النهائية، تبقى الحقيقة واحدة لا تتغير؛ القضية الفلسطينية ليست أكثر من ورقة رابحة في لعبة سياسية معقدة، يجري التلاعب بها من قبل قوى كبرى وإسرائيل، كل منها يسعى لتحقيق مكاسب انتخابية ضيقة على حساب الدم الفلسطيني والأرض الفلسطينية المحتلة.

ويبقى السؤال الأهم معلقاً في الهواء، دون إجابة: متى يتوقف العالم عن التلاعب بمصير الفلسطينيين، ومتى تتحول خطط السلام من أدوات سياسية في أيدي الساسة إلى مشاريع حقيقية لتحقيق العدالة والسلام؟ أم أن القضية الفلسطينية ستظل رهينة لهذه اللعبة السياسية السافرة التي لا تعرف الرحمة، وتستمر في دفع أثمن الدماء والأراضي والحقوق مقابل أصوات انتخابية في تل أبيب وواشنطن، بينما يبقى الشعب الفلسطيني وحيداً في مواجهة آلة الاحتلال والتهميش الدولي؟

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا