آخر الأخبار

أهمية مرتفعات علي الطاهر في صراع جنوب لبنان وتطورات الميدان

شارك

تبرز مرتفعات علي الطاهر اليوم كواحدة من أكثر النقاط سخونة على خارطة المواجهات في جنوب لبنان، حيث يكثف جيش الاحتلال الإسرائيلي قصفه الجوي والمدفعي تمهيداً لعملية عسكرية محتملة تهدف للسيطرة على هذه التلال الإستراتيجية. وتكتسب هذه المنطقة أهميتها من موقعها الجغرافي الحاكم الذي يشرف على مدينة النبطية وإقليم التفاح ووادي الليطاني، مما يجعلها نقطة رصد حيوية تتحكم بمحاور الحركة الرئيسية في العمق اللبناني.

ميدانياً، أقر مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بإصابة ثلاثة جنود بجروح خطيرة إثر عملية نفذها حزب الله في منطقة تلة علي الطاهر، فيما زعمت مصادر عبرية أن الهجوم تم بواسطة طائرة مسيرة انطلقت من داخل شبكة أنفاق معقدة أسفل المرتفعات. وتدعي هيئة البث الإسرائيلية وجود مجموعة من مقاتلي حزب الله محاصرين داخل هذه الأنفاق، في محاولة لتبرير استمرار العمليات العسكرية العنيفة في المنطقة.

وعلى صعيد الخسائر البشرية في صفوف المدنيين، ارتكبت قوات الاحتلال مجازر في بلدتي أنصار ودير الزهراني، أسفرت عن استشهاد 11 لبنانياً وإصابة 19 آخرين، غالبيتهم من الأطفال والنساء. وأكدت وزارة الصحة اللبنانية أن الغارات استهدفت مناطق سكنية مأهولة، مما يعكس سياسة التصعيد الواسعة التي تنتهجها تل أبيب للضغط على الحاضنة الشعبية والموقف السياسي اللبناني.

سياسياً، يدور صراع موازٍ حول مستقبل هذه التلال، حيث كشفت مصادر عن مقترح أمريكي يقضي بانسحاب حزب الله من المنطقة وتسليمها للجيش اللبناني كجزء من تفاهمات وقف إطلاق النار. ومع ذلك، يواجه هذا المقترح تعقيدات كبيرة، إذ يرفض حزب الله التخلي عن مواقع يعتبرها جزءاً من منظومته الدفاعية السيادية، بينما تشكك أطراف لبنانية في نوايا إسرائيل التي قد ترفض تسليم الموقع للجيش وتصر على دخوله بنفسها.

وفي بيروت، أدان الرئيس اللبناني جوزيف عون الخروقات الإسرائيلية المتكررة لاتفاق الإطار، معتبراً أن ما يجري هو تقويض لجهود التهدئة الدولية. ومن جانبه، شدد رئيس الحكومة نواف سلام على أن الدولة اللبنانية هي الجهة الوحيدة المخولة بالتعامل مع أي بنى تحتية عسكرية على أراضيها، رافضاً أي تدخل إسرائيلي مباشر لفرض واقع أمني جديد يتجاوز السيادة الوطنية.

ويرى مراقبون أن إسرائيل تسعى لتغيير قواعد الاشتباك التي استقرت منذ عام 2000، حيث تمثل تلال علي الطاهر جزءاً أساسياً من خطوط الدفاع التي بناها حزب الله عقب الانسحاب الإسرائيلي. وتخشى الأوساط العسكرية اللبنانية أن تكون السيطرة على هذه المرتفعات مقدمة لعملية برية أوسع تستهدف قضاء النبطية بالكامل، خاصة مع استمرار استهداف وتفجير المنازل في القرى الحدودية.

وفي سياق الاغتيالات، أعلن جيش الاحتلال عن تصفية سمير الحاج حسن، الذي وصفه بأنه قائد ميداني في قوة الرضوان، مدعياً أن العملية استهدفت غرفة عمليات إستراتيجية. ورغم هذه الادعاءات، تؤكد مصادر ميدانية أن المقاومة لا تزال تحتفظ بقدرتها على المبادرة وتنفيذ هجمات دقيقة خلف خطوط التماس، وهو ما تجلى في عملية المسيرة الأخيرة التي أوقعت إصابات بليغة في صفوف جنود الاحتلال.

إن التعامل مع أي بنى عسكرية موجودة على الأراضي اللبنانية هو مسؤولية الدولة اللبنانية حصرًا.

من جانبه، اعتبر رئيس مجلس النواب نبيه بري أن المجازر التي ارتكبت في أنصار ودير الزهراني هي استكمال لحرب الإبادة التي تشنها إسرائيل على لبنان. وأشار بري إلى أن الاحتلال يحاول من خلال التصعيد الميداني فرض شروط تفاوضية قاسية قبل الجولة الثامنة من المفاوضات المقررة في روما مطلع الشهر المقبل، مؤكداً أن لبنان لن يخضع لسياسة الابتزاز بالنار.

وتشير التحليلات السياسية إلى أن ملف مرتفعات علي الطاهر بات مرتبطاً بالحسابات الانتخابية والداخلية لبنيامين نتنياهو، الذي يسعى لتحقيق إنجاز عسكري ملموس في الجنوب اللبناني. ويرى محللون أن إصرار إسرائيل على تدمير الأنفاق بنفسها، كما حدث في نموذج نفق مجدل زون سابقاً، يؤكد أنها لا تثق في أي ترتيبات أمنية لا تشرف عليها بشكل مباشر، مما يعقد فرص الحل الدبلوماسي.

في المقابل، يجد لبنان الرسمي نفسه في مأزق بين ضغوط التفاوض والواقع الميداني المتفجر، حيث يشدد باحثون سياسيون على ضرورة امتلاك الدولة لأوراق قوة حقيقية. ويرى البعض أن غياب التنسيق الكامل حول ورقة السلاح يضعف الموقف التفاوضي اللبناني أمام التعنت الإسرائيلي، في وقت تواصل فيه واشنطن محاولاتها لمنع انزلاق المنطقة نحو حرب شاملة وغير مسيطر عليها.

حزب الله من جهته، حذر من أن أي محاولة لفرض أمر واقع جديد في الجنوب ستقابل بردود فعل متناسبة، مؤكداً أن المعركة في علي الطاهر هي معركة إرادات. وتؤكد مصادر مقربة من الحزب أن المقاتلين مستعدون لخوض مواجهة طويلة ومعقدة لمنع سقوط هذه المرتفعات، التي تمثل رمزية عسكرية وتاريخية في مسار الصراع مع الاحتلال الإسرائيلي.

ومع اقتراب موعد مفاوضات روما، تتجه الأنظار إلى ما ستسفر عنه التحركات الدبلوماسية الأمريكية، في ظل استمرار نزيف الدماء في القرى اللبنانية. ويبقى التساؤل قائماً حول مدى قدرة الجيش اللبناني على تسلم مهام أمنية في مناطق النزاع المباشر، وهل ستقبل إسرائيل فعلياً بانسحاب كامل من الأراضي التي توغلت فيها مقابل ضمانات دولية ولبنانية.

إن الوضع في جنوب لبنان مرشح لمزيد من التصعيد في الأيام القادمة، خاصة مع تلويح القناة 13 الإسرائيلية باحتمال توسيع العمليات العسكرية. وتظل مرتفعات علي الطاهر هي البوصلة التي ستحدد مسار المواجهة، فإما أن تكون جسراً لاتفاق أمني جديد، أو شرارة لحرب أوسع تحرق الأخضر واليابس في المنطقة الحدودية وما وراءها.

ختاماً، يبقى المدنيون اللبنانيون هم الحلقة الأضعف في هذا الصراع، حيث تستمر موجات النزوح من قضاء النبطية تحت وطأة الغارات العنيفة. ومع استمرار سقوط الشهداء والجرحى، تتعالى الأصوات الدولية المطالبة بوقف فوري لإطلاق النار، إلا أن الواقع الميداني في تلال علي الطاهر يشير إلى أن لغة السلاح لا تزال هي السائدة حتى اللحظة.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا