كشفت مصادر مطلعة عن توجه إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لدعم اتفاقية تعاون نووي مدني مع المملكة العربية السعودية، تمنح الرياض الحق في تخصيب اليورانيوم ومعالجة الوقود النووي المستنفد. وتأتي هذه الخطوة لتمثل تحولاً في السياسة الأمريكية التقليدية التي كانت تصر على 'المعيار الذهبي' الذي يمنع الدول الشريكة من امتلاك قدرات التخصيب محلياً.
تجري المحادثات بين واشنطن والرياض منذ سنوات طويلة، حيث تسعى المملكة للحصول على التكنولوجيا الأمريكية المتطورة لبناء مفاعلاتها النووية. ويهدف هذا التعاون إلى تمكين الشركات الأمريكية من الفوز بعقود ضخمة لتطوير البنية التحتية للطاقة النووية في السعودية، مما يعزز النفوذ التجاري والاستراتيجي للولايات المتحدة في المنطقة.
تثير هذه الأنباء مخاوف جدية في الأوساط السياسية بواشنطن ولدى بعض الحلفاء الإقليميين، خاصة وأن الاتفاق لا يتضمن قيوداً صارمة تمنع تحويل التكنولوجيا للأغراض العسكرية. ويشير مراقبون إلى أن غياب 'البروتوكول الإضافي' للرقابة الدولية قد يقلل من قدرة الوكالة الدولية للطاقة الذرية على رصد أي أنشطة غير معلنة.
من الناحية الاقتصادية، تندرج الرغبة السعودية في امتلاك الطاقة النووية ضمن 'رؤية 2030' التي يقودها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان. وتهدف المملكة من خلال هذا البرنامج إلى تنويع مصادر الطاقة وتقليل الاعتماد على حرق النفط والغاز لتوليد الكهرباء، مما يوفر كميات أكبر من الخام للتصدير وجني عوائد مالية أعلى.
تشير البيانات الصادرة عن إدارة معلومات الطاقة الأمريكية إلى أن السعودية تستهلك كميات هائلة من النفط لإنتاج الطاقة، خاصة في فصل الصيف. ويصل هذا الاستهلاك إلى نحو 1.4 مليون برميل يومياً، وهو ما تراه الرياض هدراً لموارد يمكن استثمارها بشكل أفضل في الأسواق العالمية إذا ما توفر البديل النووي.
أعلنت المملكة بوضوح في مطلع عام 2025 أنها ستمضي قدماً في تخصيب اليورانيوم لإنتاج 'الكعكة الصفراء' اللازمة للوقود النووي. هذا التصريح وضع الإدارة الأمريكية أمام خيارين: إما الانخراط في الاتفاق لضمان الإشراف على البرنامج، أو ترك الساحة لمنافسين دوليين مثل الصين وروسيا.
تعتبر الصين وروسيا من أبرز المنافسين للولايات المتحدة في هذا الملف، حيث قدمت بكين عروضاً لبناء محطات نووية سعودية في وقت سابق. كما تمتلك موسكو خبرة في المنطقة بعد تشييدها لمحطة الضبعة في مصر، مما يجعل الرياض تمتلك بدائل قوية في حال تعثر المفاوضات مع واشنطن.
يواجه الاتفاق عقبة قانونية وتدقيقاً صارماً في الكونغرس الأمريكي، حيث يتطلب قانون الطاقة الذرية لعام 1954 مراجعة أي اتفاقية تعاون نووي. ويطالب أعضاء في الكونغرس بضمانات أكيدة تمنع السعودية من استخدام التكنولوجيا لتطوير أسلحة نووية، خاصة في ظل التوترات المستمرة مع إيران.
تطرح التوجهات الجديدة تساؤلات حول اتساق السياسة الخارجية الأمريكية، لا سيما وأن واشنطن مارست ضغوطاً قصوى على طهران للتخلي عن برنامج التخصيب. ويرى منتقدون أن منح الرياض حق التخصيب قد يضعف الموقف الأمريكي المطالب بنزع السلاح النووي في المنطقة بشكل عام.
على الصعيد الإقليمي، تبدي إسرائيل قلقاً دائماً من أي طموحات نووية في جوارها، حتى لو كانت لأغراض سلمية. ورغم مساعي واشنطن لربط التعاون النووي بملف التطبيع، إلا أن الرياض لا تزال تربط أي تقدم سياسي مع تل أبيب بضرورة إيجاد حل عادل للقضية الفلسطينية وإقامة الدولة.
أفادت مصادر بأن وزير الطاقة الأمريكي اجتمع بنظيره السعودي العام الماضي، مؤكداً أن البلدين يسيران على مسار إيجابي نحو اتفاق نووي مدني. ومع ذلك، لا يزال الغموض يكتنف التفاصيل الفنية المتعلقة بإدارة منشآت التخصيب، وما إذا كانت ستخضع لنظام 'الصندوق الأسود' الذي يديره أمريكيون.
تعد قضية معالجة الوقود النووي المستنفد نقطة خلافية أخرى، حيث يمكن من خلالها استخلاص مواد تدخل في صناعة الرؤوس الحربية. ويؤكد الجانب السعودي أن التزامه بمعاهدة عدم الانتشار كافٍ لطمأنة المجتمع الدولي، مشدداً على حقه السيادي في امتلاك دورة وقود كاملة.
يرى خبراء أن التوصل لاتفاق نووي سيمنح الولايات المتحدة قدرة أكبر على الاطلاع على تفاصيل البرنامج السعودي مقارنة بالشركاء الآخرين. وهذا الاطلاع قد يساهم في تخفيف المخاوف الأمنية على المدى الطويل، ويضمن بقاء الرياض ضمن المنظومة التكنولوجية والأمنية الغربية.
في نهاية المطاف، يبقى قرار المضي قدماً في هذا الاتفاق رهناً بالتوازنات السياسية داخل واشنطن ومدى قبول الكونغرس للتنازل عن 'المعيار الذهبي'. وستحدد الأشهر القادمة ما إذا كانت السعودية ستدخل النادي النووي بشراكة أمريكية أم ستتجه نحو الشرق لتأمين طموحاتها الطاقوية.
المصدر:
القدس