كشف تقرير حديث صادر عن مكتب وزارة التخطيط والتعاون الدولي في محافظة مأرب عن أرقام صادمة تعكس حجم المأساة الإنسانية في أكبر تجمع للنازحين باليمن. وأفادت مصادر رسمية بأن نحو 47% من الأطفال داخل المخيمات يفتقرون لشهادات الميلاد، مما يهدد بنشوء جيل بلا هوية قانونية. هذا الوضع يحرم آلاف الصغار من الالتحاق بالمدارس أو الحصول على الرعاية الصحية المنظمة، ويجعلهم عرضة للسقوط خارج حسابات المساعدات الإغاثية الدولية والمحلية.
وعلى الصعيد التعليمي، سجل التقرير وجود أكثر من 6 آلاف طفل خارج منظومة التعليم، وهو ما أرجعه مراقبون إلى الظروف الاقتصادية القاسية التي تدفع العائلات لإلحاق أطفالها بسوق العمل مبكراً. وتواجه المدارس المتاحة في مناطق النزوح ضغطاً هائلاً يفوق طاقتها الاستيعابية، مما أدى إلى تسرب مخيف يهدد مستقبل المجتمع. وحذر خبراء من أن هذه البيئة تعد أرضاً خصبة لعمالة الأطفال وزواج القاصرات، فضلاً عن سهولة استقطابهم من قبل الجماعات المسلحة نتيجة الجهل والحاجة المادية.
وفيما يخص الأمن الغذائي والمعيشي، أشار التقرير إلى أن محافظة مأرب وصلت إلى نقطة التشبع الكامل بعد استيعابها ملايين النازحين الذين يشكلون 62% من إجمالي نازحي البلاد. وارتفعت نسبة انعدام الأمن الغذائي الحاد بمعدل 13% مقارنة بالعام الماضي، لتطال نحو 234 ألف أسرة. كما يواجه 69% من النازحين الذين يقطنون في منازل مستأجرة خطر الإخلاء القسري نتيجة عجزهم التام عن دفع الإيجارات المتراكمة بسبب انقطاع سبل الدخل وتدهور الأوضاع المعيشية.
أما عن البنية التحتية والخدمات الأساسية، فإن 63% من المرافق الصحية في المحافظة باتت تعمل بشكل جزئي أو تحتاج إلى صيانة عاجلة وتجهيزات طبية. وتواجه النساء الحوامل والمرضعات، اللواتي يقدر عددهن بنحو 100 ألف امرأة، صعوبات بالغة في الوصول لخدمات الرعاية الأساسية. بالإضافة إلى ذلك، لا يزال 63% من السكان يفتقرون لمصادر مياه شرب آمنة، مما يضاعف المخاطر الصحية والبيئية في المخيمات المكتظة التي يعيش أغلب سكانها في خيام متهالكة لا تقي من تقلبات الطقس.
وتأتي هذه الأزمات المتلاحقة في ظل تراجع حاد في التمويل الدولي، حيث لم يتم تمويل سوى 29% من خطة الاستجابة الإنسانية لليمن لعام 2025. وأوضحت مصادر أن انصراف اهتمام المانحين نحو بؤر صراع دولية أخرى أدى إلى فجوة تمويلية بلغت 71%، مما يضع ملايين النازحين في مواجهة مباشرة مع الجوع والمرض. وتؤكد القراءة السياسية للأرقام ضرورة الانتقال من نهج الإغاثة الطارئة إلى خطط التعافي المستدام وبناء مؤسسات تعليمية وخدمية دائمة لمواجهة أمد الحرب الطويل.
المصدر:
القدس