آخر الأخبار

عيد الأضحى في غزة: قصف حي الرمال وخروقات وقف إطلاق النار

شارك

يحل عيد الأضحى المبارك على قطاع غزة هذا العام وهو يرزح تحت وطأة حرب مدمرة لم تبقِ من مظاهر الفرح شيئاً، حيث تغيب التقاليد المعتادة تحت وقع القصف المتواصل وعمليات النزوح المتكررة. وفي مشهد قاسٍ يجسد واقع القطاع، تحولت تحضيرات العيد في حي الرمال بمدينة غزة إلى مأساة إنسانية عقب استهداف طيران الاحتلال لبناية سكنية مكتظة.

وأفادت مصادر ميدانية بأن الغارات الإسرائيلية التي استهدفت المنطقة التجارية والسكنية أسفرت عن استشهاد 6 فلسطينيين، بينهم نساء وأطفال، وتناثرت أشلاء الضحايا في الشوارع وعلى أسطح المباني المجاورة. وقد غطى غبار الدمار البضائع والأسواق التي كانت تحاول استعادة أنفاسها لاستقبال العيد، مما حول أصوات الباعة إلى صرخات استغاثة.

ومع بزوغ فجر يوم العيد، تعالت تكبيرات المصلين من فوق ركام المساجد التي سوتها الحرب بالأرض، حيث أصر آلاف الفلسطينيين على إقامة الصلاة في الساحات العامة والأراضي الخالية. وتعكس هذه المشاهد إصراراً شعبياً على إحياء الشعائر الدينية رغم تدمير مئات المساجد وإلحاق أضرار جسيمة بالبنية التحتية الدينية في مختلف مناطق القطاع.

وفي مشرحة مستشفى الشفاء، انشغلت العائلات المكلومة بتوديع أبنائها الذين ارتقوا في القصف الأخير، حيث استبدل الأهالي تحضيرات الأضاحي بتجهيز الأكفان. هذا المشهد الحزين بات يتكرر في كل مناسبة، حيث يودع الغزيون أحباءهم بدلاً من الاحتفال معهم، في ظل استمرار آلة القتل التي لا تفرق بين مدني وعسكري.

وعلى صعيد الشعائر، غابت الأضاحي بشكل شبه كامل عن أسواق القطاع للعام الثالث على التوالي، نتيجة القيود الإسرائيلية المشددة على المعابر ومنع دخول المواشي. وقد أدى هذا الحصار إلى حرمان الغالبية العظمى من السكان من أداء هذه الشعيرة، مما زاد من الشعور بالمرارة والخذلان في ظل صمت دولي تجاه سياسة التجويع والحرمان.

وتحاول بعض المؤسسات الإغاثية والجمعيات الخيرية سد جزء بسيط من الفجوة عبر توزيع كميات محدودة من اللحوم المبردة أو ذبح أعداد قليلة من الأضاحي بأسعار باهظة. ومع ذلك، تبقى هذه الجهود قاصرة عن تلبية احتياجات أكثر من مليوني نسمة يعيشون في ظروف إنسانية كارثية، حيث يفتقرون لأدنى مقومات الحياة الكريمة.

أما أطفال غزة، فقد استقبلوا العيد بوجوه شاحبة وأمنيات بسيطة تتلخص في البقاء على قيد الحياة والحصول على وجبة طعام مشبعة، بعيداً عن الملابس الجديدة والألعاب. لقد سرقت الحرب طفولتهم وحولت المتنزهات والحدائق إلى ركام، بينما تلاحقهم أصوات الطائرات المسيرة في السماء حتى في أكثر الأيام قدسية لديهم.

تحولت أجواء التسوق في حي الرمال إلى مشهد دموي، بعدما شنّت طائرات إسرائيلية غارات استهدفت بناية سكنية وسط منطقة مكتظة بالمدنيين.

وفي مراكز الإيواء وخيام النزوح، يحاول الآباء انتزاع لحظات فرح عابرة لأطفالهم رغم الجوع والبرد وفقدان المعيل، في محاولة لتناسي واقع النزوح المرير. وتستمر المعاناة الاقتصادية في إثقال كاهل العائلات التي باتت عاجزة عن تأمين مياه الشرب النظيفة، فضلاً عن مستلزمات العيد التي أصبحت من الرفاهيات بعيدة المنال.

وتشير الإحصائيات الرسمية إلى أن الحرب التي انطلقت في أكتوبر 2023 خلفت أكثر من 72 ألف شهيد وما يزيد على 172 ألف جريح، في حصيلة غير مسبوقة. كما طال الدمار نحو 90 بالمئة من المرافق الحيوية والبنى التحتية، مما جعل قطاع غزة منطقة غير قابلة للحياة وفقاً لتقارير منظمات دولية وحقوقية.

ورغم دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في العاشر من أكتوبر 2025، إلا أن الاحتلال يواصل خروقاته الميدانية بشكل يومي عبر القصف المدفعي والجوي. وتؤكد مصادر محلية أن هذه الخروقات تهدف إلى إبقاء حالة التوتر ومنع السكان من العودة إلى حياتهم الطبيعية أو البدء في عمليات ترميم ما دمرته الحرب.

وفي هذا السياق، كشفت حكومة غزة عن ارتكاب الاحتلال لأكثر من 3000 خرق للاتفاق منذ بدئه، مما أدى إلى ارتقاء 910 شهداء وإصابة المئات بجروح متفاوتة. وتوضح هذه الأرقام هشاشة الاتفاق القائم في ظل عدم وجود ضمانات دولية حقيقية تلزم الجانب الإسرائيلي بوقف عدوانه الشامل على المدنيين.

وعلى مستوى المساعدات، لا تزال سلطات الاحتلال تفرض قيوداً صارمة على تدفق الشاحنات عبر المعابر، حيث لم يسمح إلا بدخول ثلث الكميات المتفق عليها دولياً. هذا النقص الحاد في الإمدادات الطبية والغذائية يفاقم الأزمة الصحية، خاصة مع وجود آلاف الجرحى الذين يحتاجون لعمليات جراحية عاجلة خارج القطاع.

وتضيف التقارير الرسمية أن حركة السفر عبر المعابر لا تزال معطلة بشكل كبير، حيث لم يتمكن سوى عدد محدود من المرضى والجرحى من المغادرة لتلقي العلاج. وتعرقل الإجراءات الإسرائيلية سفر آلاف الحالات الإنسانية، مما يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته القانونية والأخلاقية تجاه حصار غير قانوني ومستمر.

ويبقى مشهد العيد في غزة هذا العام شاهداً على مأساة إنسانية كبرى، حيث تختلط دماء الضحايا بتكبيرات العيد في لوحة من الصمود والألم. ومع استمرار التحليق المكثف للطيران الإسرائيلي، يدرك الفلسطينيون أن طريق الخلاص لا يزال طويلاً، وأن الأعياد في غزة ستبقى مؤجلة حتى رحيل الاحتلال وكسر الحصار.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا