آخر الأخبار

عيد الأضحى في غزة: حرب الإبادة تغيب الأضاحي وتعمق جراح الناز

شارك

تخيم أجواء من الحزن العميق والمرارة على العائلات الفلسطينية في قطاع غزة مع حلول عيد الأضحى المبارك، حيث يواصل الاحتلال الإسرائيلي حرب الإبادة الجماعية التي أتت على كافة مظاهر الحياة. ويجد السكان أنفسهم غير قادرين على استكمال شعائر العيد وذبح الأضاحي كما اعتادوا في السنوات التي سبقت العدوان، مما حول العيد إلى مناسبة لاستذكار الفقد والألم.

وأدى آلاف المواطنين صلاة العيد فوق أنقاض المنازل المدمرة وفي مخيمات النزوح المكتظة، وسط دعوات من الخطباء لتعزيز التكافل والتزاور وصلة الأرحام. وشدد الخطباء على أن إحياء الشعائر يواجه تحديات غير مسبوقة بسبب الحصار الخانق الذي يمنع دخول الماشية للعام الثالث على التوالي، مما جعل الحصول على أضحية أمراً مستحيلاً للغالبية العظمى.

وقبل اندلاع حرب الإبادة، كانت العائلات الغزية تعيش طقوساً مبهجة تبدأ بتربية الأضاحي في المنازل أو شرائها من الأسواق وسط فرحة الأطفال والأحفاد. أما اليوم، فقد انقلبت الموازين رأساً على عقب، حيث فقد معظم السكان البالغ عددهم 2.2 مليون نسمة بيوتهم أو أفراداً من عائلاتهم، مما جعل مظاهر الاحتفال تغيب تماماً عن المشهد.

ويروي المعلم المتقاعد عطية محمد أبو شعر، الذي قضى عقوداً في سلك التعليم، كيف تحولت ذكرياته الجميلة في مدينة رفح إلى حسرة وألم. ويقول أبو شعر إن العيد بات يمر كأي يوم عادي يفتقد للقدسية والبهجة التي كانت تميزه، مشيراً إلى أن الفراغ الذي تركه غياب الأضاحي والاجتماعات العائلية لا يمكن تعويضه في ظل النزوح المستمر.

وتحدثت مصادر محلية عن الارتفاع الجنوني في أسعار المواشي القليلة المتوفرة في الأسواق، حيث وصل سعر الخروف الواحد إلى نحو 7 آلاف دولار أمريكي. هذا المبلغ الخيالي يمثل عائقاً تعجيزياً أمام المواطنين الذين فقدوا مصادر دخلهم وأصبحوا يعتمدون بشكل كلي على المساعدات الشحيحة التي تدخل القطاع بصعوبة بالغة.

وفي مدينة غزة، يعبر المواطن مشهور المشهراوي عن صدمته من تبدل الأحوال، حيث كانت شوارع المدينة تضج بالحياة وحركة توزيع اللحوم على الفقراء والجيران. ويؤكد المشهراوي أن غياب الجيران الذين استشهدوا أو نزحوا، وتدمير المنازل التي كانت تحتضن موائد العيد، جعل من الصعب على أي إنسان أن يشعر بطعم الفرح وسط هذا الركام.

ولا تقتصر المعاناة على غزة، بل تمتد لتشمل الضفة الغربية التي قدمت مئات الشهداء منذ بدء العدوان، من بينهم الشهيد الطفل عبد الله دوّاس من مخيم جباليا. وكانت والدة الطفل عبد الله قد احتفظت بملابس عيد الفطر ليرتديها في الأضحى، إلا أن رصاص الاحتلال كان أسرع، ليغادر الدنيا تاركاً غصة في قلب عائلته التي استقبلت العيد بالدموع.

العيد يمر كأي يوم عادي وليس كيوم معظم، لقد أصبح يوماً كئيباً تسكنه الحسرة على ما فقدناه من أحبة وذكريات.

وتشير الإحصائيات الرسمية إلى حجم الكارثة الإنسانية، حيث ارتقى نحو 73 ألف شهيد وأصيب 173 ألفاً آخرين في قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر. هذه الأرقام تعني أن كل بيت في القطاع لديه قصة فقد أو جرح، مما يجعل من العيد محطة لتجديد الأحزان بدلاً من كونه مناسبة للاحتفال وتوزيع الأضاحي.

وفي مخيم قلنديا بالضفة الغربية، لا يختلف المشهد كثيراً، حيث قدم المخيم 11 شهيداً منذ بدء العدوان الأخير، ليرتفع عدد شهدائه منذ عام 1967 إلى 102 شهيد. ومن بين هؤلاء الشهيد مصطفى حمد الذي ارتقى في مارس الماضي، تاركاً فراغاً كبيراً في أسرته التي كانت تنتظر العيد لتجتمع حوله، لكنها اليوم تزور قبره بدلاً من الاحتفال معه.

وإلى جانب القتل والدمار، حرم الاحتلال سكان القطاع من أداء فريضة الحج هذا العام، بعد إغلاق المعابر ومنع السفر بشكل كامل. هذا الحرمان أضاف بعداً آخر للمأساة، حيث كان الآلاف ينتظرون دورهم لزيارة بيت الله الحرام، لكن سياسة العقاب الجماعي حالت دون تحقيق أمنيتهم الدينية.

ويحاول بعض النازحين التخفيف من وطأة الحرمان على أطفالهم عبر شراء كميات بسيطة من اللحوم المجمدة، رغم أنها لا تعوض طقوس الذبح وتوزيع الأضاحي الطازجة. ويقول مواطنون إن الفرحة في العيد هي عبادة، لكن الظروف الراهنة التي يفرضها الاحتلال تجعل من ممارسة هذه العبادة تحدياً يفوق قدرة البشر على الاحتمال.

وتعكس شهادات المواطنين رغبة جامحة في العودة إلى ديارهم المدمرة وإعادة بناء ما دمره الاحتلال، مؤكدين أن إرادة الحياة لن تنكسر رغم كل هذا الموت. ويأمل السكان أن يأتي العيد القادم وقد اندحر العدوان، ليعود التكبير في الساحات وتمتلئ الأجواء ببهجة الأضاحي واللقاءات العائلية التي سلبها الاحتلال قسراً.

إن مشهد العيد في غزة اليوم هو تجسيد حي لحرب الإبادة التي تستهدف الوجود الفلسطيني بكافة أبعاده المادية والروحية والدينية. فمنع الأضاحي ليس مجرد إجراء اقتصادي، بل هو محاولة لكسر الروح المعنوية للشعب الذي يصر على تعظيم شعائر الله حتى وهو يرزح تحت القصف والحصار.

ويبقى الأمل بالله كبيراً لدى الحاج أبو شعر وغيره من الصابرين في غزة، بأن ينجلي هذا الكابوس وتعود الحياة إلى طبيعتها في القطاع الصامد. وحتى ذلك الحين، سيظل الفلسطينيون يحيون أعيادهم بالصبر والمصابرة، متمسكين بحقهم في الفرح والحياة فوق أرضهم، رغم أنف آلة القتل الإسرائيلية التي تحاول تغييب البهجة.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا