يقول كاتب العمود في صحيفة نيويورك تايمز توماس فريدمان إنه لم يتبق سوى سؤالين عن الحرب الأمريكية على إيران، أولهما: كم كأس مرارة سيتجرعها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب لإنهاء هذه الحرب بالحد الأدنى من الإنجازات؟ وثانيهما: هل سيقول ترمب إن ما يتجرعه من مرارة هو وجبة فاخرة؟
ويضيف أنه لا يمانع في أن يضطر ترمب لتجرع كؤوس كثيرة كأن لا يتحقق "الاستسلام غير المشروط" لإيران الذي وعد به، إذا كان ذلك سيؤدي إلى تخلي إيران عن نحو 1000 كيلوغرام من اليورانيوم القريب من درجة صنع السلاح النووي، لأن ذلك من شأنه أن يزيل التهديد المباشر بامتلاك إيران قنبلة نووية.
ويشدد على أن ذلك -حتى لو تم- لا يخولنا القول إن ترمب انتزع صفقة مثالية ومغرية لأن تأمين هذا اليورانيوم عالي التخصيب لن يُبقي فقط النظام في السلطة، مع احتفاظه بنحو 10 أطنان من اليورانيوم منخفض التخصيب، بل سيقويه فعلا بشكل مقلق.
وسيذكر التاريخ أن ترمب ونائبه جيه دي فانس ووزير الحرب بيت هيغسيث ووزير الخارجية ماركو روبيو هم الفريق الذي منح إيران فرصة جديدة للحياة في اللحظة التي كانت فيها بأضعف حالاتها أمام شعبها.
ويرى فريدمان أن الطريقة الوحيدة التي ستتخلى بها إيران عن ذلك اليورانيوم القريب من درجة صنع القنبلة النووية ستكون في إطار اتفاق يرفع الحظر الأمريكي على صادرات النفط الإيرانية، ويفكك شبكة العقوبات الاقتصادية الأمريكية المفروضة على طهران، وهو ما سيمنح النظام مصدرا ماليا ضخما يستخدمه لشراء ذمم المعارضة، ومواصلة قمع الشارع وتمويل وكلائه في لبنان والعراق واليمن.
وينقل الكاتب عن روبرت ليتواك، خبير الحد من التسلح ومؤلف كتاب "الدول المارقة والسياسة الخارجية الأمريكية" قوله إن ترمب أطلق هذه الحرب التي اختارها بهدف تغيير النظام في طهران، لكنه الآن على وشك إنهائها عبر صفقة ستكون نسخة معدّلة من الاتفاق الذي فاوض عليه أوباما عام 2015 وقيد طموحات إيران النووية قبل أن يتخلى عنه ترمب "بتهور" عام 2018.
ويضيف فريدمان أن ترمب وفريقه للأمن القومي لم يضعوا -على ما يبدو- أي سيناريوهات قبل الحرب، واعتمدوا فقط على وعود رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بأن النظام الإيراني سيتهاوى ويسقط بعد أسابيع قليلة من القصف العنيف، وفشلوا في توقع ما يمكن أن تفعله إيران وهي في موقف المحاصر.
فقد كان أول ما فعلته إيران هو إغلاق مضيق هرمز، الممر الحيوي لشحن النفط والذي يمر عبره نحو 20% من نفط العالم الخام، وهو ما أدى إلى ارتفاع أسعار الوقود عالميا، فضلا عن اكتشاف إيران قدرتها على خنق الاقتصاد الأمريكي والعالمي فقط ببعض الطائرات المسيّرة وصواريخ كروز وعناصر قليلة من الحرس الثوري، يضيف فريدمان.
وبعبارة أخرى، افترض ترمب ونتنياهو أن منظومتهما العسكرية العملاقة التي تبلغ قيمتها مليارات الدولارات يمكن استخدامها لقصف إيران وإجبارها على التخلي عن مكونات سلاح دمار شامل، لكنهما مكّنا إيران من اكتشاف "سلاح التعطيل الشامل" الذي تملكه.
ويشدد الكاتب على أن هذه الخطوات المتهورة مكنت النظام الإيراني من اكتشاف أهمية سلاحه الدائم الذي لا يقدر بثمن وهو إغلاق أهم صنبور نفط في العالم متى شاءت، مشيرا إلى أن فشل ترمب في توقع هذا الأمر هو طبيعي لأنه يعتقد أنه يعرف كل شيء، بينما هو في الواقع لا يعرف شيئا.
ويحيل فريدمان إلى الدرس الذي ألقاه الرئيس الأمريكي ونائبه على ضيف البيت الأبيض فولوديمير زيلينسكي في البيت الأبيض عندما قالا له إنه لا يملك أوراقا وعليه الخضوع لإرادة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، فيقول "تخيلوا لو أن ترمب وفانس كانا بدلا من ذلك فضوليين ومتواضعين، وسألا زيلينسكي عن سر قدرته المدهشة على مقاومة القوة الروسية العظمى؟"
ويمضي في حواره التخيلي "عندها كان زيلينسكي سيقول: سيد ترمب، سيد فانس، دعني أشرح لكما كيف أعادت الطائرات المسيّرة تشكيل ساحة المعركة الحديثة، ومكّنت الصغير من التصرف كأنه كبير، والضعيف من التصرف كأنه قوي".
وربما كان ترمب عندها سيسأل هيغسيث قبل أن يبدأ هذه الحرب بضربات ضخمة "اسمع يا بيت، ماذا لو فعلت إيران مثل أوكرانيا، وألقت فقط ببضع طائرات مسيّرة لا يتجاوز ثمن الواحدة منها 30 ألف دولار في مضيق هرمز وأغلقته؟ ماذا نفعل عندئذ؟"
ولأن ترمب، فيما يبدو، لم يطرح هذا السؤال أبدا، ولأن هيغسيث كان جاهلا أو خائفا أكثر من أن يطرحه، فإن الحرس الثوري الإيراني "حقق ما يعادل وظيفيا سلاحا نوويا، من خلال قدرته على خنق الاقتصاد العالمي بإغلاق مضيق هرمز، واحتجاز البنية النفطية والمدنية لدول الخليج رهينة"، كما قال ليتواك.
ويرى فريدمان أن ترمب، بتصرفاته ومقترحاته المرتجلة، يبعث برسالة مقلقة إلى إيران وحلفاء واشنطن مفادها أن الولايات المتحدة لم تعد شريكا يمكن الوثوق بثباته، ويستدل على ذلك بدعوته المفاجئة جميع الدول، بما فيها تركيا وباكستان ومصر والأردن والسعودية وحتى إيران، إلى توقيع اتفاقات أبراهام فورا، رغم أن بعضها لديه أصلا سلام مع إسرائيل، وبعضها الآخر يرفض التطبيع أو يربطه بحل الدولتين.
ويعتبر فريدمان أن طرح فكرة انضمام إيران إلى اتفاقات سلام مع إسرائيل بعد الحرب أمر غير واقعي إلى حد السخرية، ويكشف غياب التخطيط والخبرة، ويضيف أن هذا النوع من المواقف يزيد قلق الحلفاء العرب والإسرائيليين من أن الحليف الأمريكي تقوده شخصية غير مستقرة ولا يمكن التنبؤ بقراراتها.
ويختم فريدمان بالقول إن إسقاط النظام الإيراني وإنهاء طموحاته النووية كانا سيخدمان مستقبل الشرق الأوسط، لكن ذلك يتطلب خطة محكمة، وسيناريوهات مدروسة، وتحالفات واسعة وشرعية دولية، لكن ترمب و"فريقه الفوضوي" لم يفعلوا أي شيء من ذلك، بل منحوا في المقابل النظام الإيراني فرصة جديدة للبقاء، ونفوذا دائما على إمدادات النفط العالمية، وموارد إضافية لمواصلة زعزعة المنطقة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة