د. مؤيد عفانة: المواطنون يعيشون حالة متناقضة بين التزامات العيد والعجز المالي وقلة ذات اليد ما يدفع كثيراً من الأسر للاستدانة
مسيف مسيف: العيد يحل بظروف اقتصادية استثنائية وغير طبيعية ما انعكس بصورة مباشرة على الإنفاق والنشاط الاقتصادي
د. ثابت أبو الروس: عيد الأضحى يرتبط بسوق الثروة الحيوانية.. وتراجع القدرة الشرائية للمواطن جعل الأضحية عبئاً مالياً
حسناء الرنتيسي: اعتداءات المستوطنين حوّلت العيد في القرى والتجمعات الزراعية والبدوية لمناسبة مثقلة بهاجس البقاء الاقتصادي
د. شادي حمد: يجب الحفاظ على أجواء العيد الاجتماعية والإنسانية من خلال التكافل وصلة الرحم وعدم ربط الفرح فقط بالمظاهر الاستهلاكية
إخلاص طمليه: المواطنون باتوا يؤجلون احتياجاتهم الأساسية ويستهلكون مدخراتهم لتأمين متطلبات العيد ما يضعف قدرتهم على التعافي مستقبلاً
رام الله- خاص بـ"القدس"-
يحلّ عيد الأضحى هذا العام على المواطنين في ظل واحدة من أكثر المراحل الاقتصادية والاجتماعية تعقيداً، وسط تراجع القدرة الشرائية، وارتفاع معدلات البطالة، واستمرار أزمة الرواتب وأموال المقاصة، إلى جانب تصاعد الضغوط المرتبطة بغلاء المعيشة وركود الأسواق، بالتوازي مع ضغوط من الاحتلال والمستوطنين تستهدف المزارعين ومربي الماشية.
وبحسب خبراء اقتصاديون في أحاديث منفصلة مع "ے"، فإنه في وقت اعتاد فيه المواطنون استقبال العيد بأجواء اجتماعية واقتصادية نشطة، تبدو مظاهر الموسم هذا العام أكثر انكماشاً، مع اكتفاء كثير من الأسر بالحد الأدنى من الاحتياجات الأساسية، وإعادة ترتيب أولوياتها.
وتتزامن هذه الأوضاع مع تصاعد استهداف الاحتلال الإسرائيلي والمستوطنين القطاع الزراعي والثروة الحيوانية، عبر مصادرة الأراضي الزراعية، وسرقة المواشي، وتقييد وصول المزارعين والرعاة إلى أراضيهم ومراعيهم، الأمر الذي فاقم هشاشة المجتمعات الريفية والبدوية، وأضعف قدرة آلاف الأسر على تأمين دخلها، خاصة في موسم يرتبط تقليدياً بحركة بيع المواشي والأضاحي، وفق الخبراء.
ويشير الخبراء الاقتصاديون إلى أن هذه السياسات ساهمت في إضعاف النشاط الاقتصادي المحلي، وتقليص فرص الإنتاج الزراعي والحيواني، ما انعكس على الأسواق وحركة البيع والشراء.
ومع تزايد الضغوط الاقتصادية والنفسية، يجد الفلسطينيون أنفسهم أمام معادلة صعبة بين الحفاظ على الحد الأدنى من أجواء العيد والوفاء بالالتزامات المعيشية اليومية، وسط مخاوف متزايدة من الاستدانة وتراكم الديون. وبينما تتعالى الدعوات إلى تعزيز التكافل الاجتماعي ودعم المنتج المحلي والمزارعين، تبرز مطالب بإجراءات حكومية أكثر فاعلية لدعم القطاعات الإنتاجية، وتقليل الاعتماد الاقتصادي الخارجي، بما يعزز قدرة المجتمع الفلسطيني على الصمود في مواجهة الأزمات المتفاقمة.
ضائقة اقتصادية خانقة
يؤكد الخبير الاقتصادي د.مؤيد عفانة أن عيد الأضحى يمر هذا العام وسط ضائقة اقتصادية خانقة فرضتها مجموعة من العوامل المتراكبة، في مقدمتها القيود الإسرائيلية على الاقتصاد الفلسطيني، وتداعيات الحرب على قطاع غزة، إلى جانب تشديد الإجراءات التي أدت إلى تقطيع أوصال الضفة الغربية، واستمرار احتجاز أموال المقاصة، فضلاً عن الإغلاق شبه الكامل لسوق العمل الإسرائيلي أمام العمالة الفلسطينية، باستثناء أعداد محدودة.
تراجع حاد في الناتج المحلي الإجمالي
ويوضح عفانة أن هذه العوامل مجتمعة قادت إلى تراجع حاد في الناتج المحلي الإجمالي، وارتفاع معدلات البطالة إلى مستويات غير مسبوقة بلغت نحو 46%، بالتزامن مع استمرار أزمة عدم انتظام رواتب موظفي القطاع العام منذ عام 2021، وارتفاع تكاليف المعيشة، إلى جانب الأزمات المالية المرتبطة بتكدس الشيكل وضبابية المشهد الاقتصادي، ما ألقى بظلال ثقيلة على مختلف فئات المجتمع، وقلّص من حجم النشاط التجاري المعتاد خلال موسم العيد، خاصة لدى المنشآت الصغيرة ومتناهية الصغر.
ظروف صعبة للمزارعين بسبب المستوطنين
وفي القطاع الزراعي، تبدو التداعيات أكثر قسوة، بحسب عفانة، الذي يشير إلى أن المزارعين الفلسطينيين يواجهون ظروفاً معيشية صعبة بفعل تصاعد اعتداءات المستوطنين، بما يشمل سرقة المواشي، وإتلاف الأراضي الزراعية، ومهاجمة المزارعين بصورة متكررة، خصوصاً خلال مواسم الحصاد، كما حدث في موسم الزيتون الأخير، الأمر الذي دفع بعض التجمعات البدوية إلى مغادرة مراعيها وعدم وصول المزارعين إلى أراضيهم تحت وطأة التضييقات المستمرة.
ويلفت عفانة إلى أن ما تُسمى "الإدارة المدنية الإسرائيلية" تواصل إجراءاتها التي تزيد من تعقيد واقع المزارعين، من خلال هدم منشآت زراعية، وتقنين حصص المياه، وإغلاق البوابات والحواجز، إلى جانب مصادرة مساحات واسعة من الأراضي الزراعية بذريعة المناطق العسكرية المغلقة، ما يفاقم حالة اللايقين بشأن مستقبل العمل الزراعي ومصادر الدخل.
حالة متناقضة بين الالتزامات
وحول انعكاس هذه الظروف على أجواء العيد، يرى عفانة أن الفلسطينيين يعيشون حالة متناقضة بين الالتزامات الاجتماعية المرتبطة بالعيد، كشراء ملابس الأطفال والزيارات العائلية، وبين العجز المالي وقلة ذات اليد، ما يدفع كثيراً من الأسر إلى الاستدانة لتلبية الحد الأدنى من المتطلبات الاجتماعية، في ظل غياب وضوح الرؤية بشأن مصادر الرزق سواء للموظفين أو العمال أو المزارعين وأصحاب المهن.
تدخلات مهمة مطلوبة
ويؤكد عفانة أن دعم صمود المزارعين يتطلب تدخلاً متعدد المستويات، يبدأ من السياسات الحكومية عبر إعفاء مدخلات الإنتاج الزراعي من الرسوم الجمركية والضرائب، وتخصيص موازنات لتعويض المتضررين، مروراً بتوجيه مشاريع المانحين نحو دعم القطاع الزراعي، وصولاً إلى دور المجتمع المدني والقطاع الخاص في تعزيز الإنتاج المحلي والاستثمار الزراعي، وإحياء التعاونيات الزراعية باعتبارها رافعة للأمان الاقتصادي والاجتماعي للمزارعين الفلسطينيين.
ظروف اقتصادية استثنائية وغير طبيعية
يرى الباحث في معهد أبحاث الدراسات الاقتصادية الفلسطيني "ماس" مسيف مسيف أن عيد الأضحى هذا العام يحل على الفلسطينيين في ظل ظروف اقتصادية استثنائية وغير طبيعية، فرضتها تراكمات ممتدة من الأزمات الاقتصادية والسياسات الإسرائيلية التي استهدفت مصادر الدخل والإنتاج الفلسطيني، ما انعكس بصورة مباشرة على قدرة الأسر على الإنفاق، وعلى النشاط الاقتصادي والتجاري في مختلف المحافظات.
ويؤكد مسيف أن الواقع الحالي ليس وليد اللحظة، بل نتيجة سنوات من الحصار الاقتصادي والسياسي وسياسات الإفقار الممنهجة، التي تصاعدت حدتها مؤخراً، خاصة في الضفة الغربية، لتتحول إلى حرب اقتصادية تستهدف مقومات الصمود الفلسطيني أكثر مما هي مواجهة عسكرية تقليدية.
القطاع الزراعي يواجه ضغوطاً متزايدة
ويشير مسيف إلى أن الزراعة والصناعة تمثلان القطاعين الأكثر قدرة على إبقاء الاقتصاد الفلسطيني قادراً على التنفس، إلا أن القطاع الزراعي تحديداً بات يتعرض لضغوط متزايدة، من خلال مصادرة الأراضي، وسرقة المواشي، وتقييد الوصول إلى الأراضي الزراعية، رغم دوره الحيوي في توفير الأمن الغذائي ومصدر دخل لآلاف الأسر الفلسطينية.
وبحسب مسيف، فإن انعكاسات هذه الظروف على العيد ستكون واضحة، حيث يتوقع أن يتراجع الإنفاق إلى الحد الأدنى، مقارنة بالأعوام السابقة، نتيجة ضعف القدرة الشرائية وغياب السيولة المالية لدى المواطنين، ما سيؤثر بصورة مباشرة على الأسواق والقطاع التجاري الفلسطيني، ويحد من حركة البيع والشراء المرتبطة بموسم العيد.
آثار شبه كارثية على القطاع الخاص
ويحذر مسيف من أن هذا الانكماش الاقتصادي قد يترك آثاراً شبه كارثية على القطاع الخاص الفلسطيني، لا سيما في القرى والمناطق الريفية التي تُعد الأكثر تأثراً، موضحاً أن نحو 70% من المجتمع الفلسطيني يرتبط بشكل أو بآخر بالبيئة القروية والزراعية، الأمر الذي يجعل التداعيات الاقتصادية أكثر عمقاً في هذه المناطق.
ويلفت مسيف إلى أن توقيت العيد يأتي أيضاً خارج الموسم الزراعي الفعلي، الذي يبدأ عادة في منتصف يونيو/ حزيران ويستمر خلال أشهر الصيف، ما يزيد من الضغوط على المزارعين الذين يواجه بعضهم التزامات مالية وديوناً وشيكات مستحقة، قد يصبح من الصعب الوفاء بها، الأمر الذي ينذر بارتفاع معدلات الفقر المدقع والبطالة، ويخلق أزمات اقتصادية واجتماعية إضافية.
الصبر بات الخيار الوحيد
وفيما يتعلق بقدرة المواطنين على مواجهة هذه الظروف في العيد، يرى مسيف أن الصبر بات الخيار الوحيد المتاح أمام الفلسطينيين، في ظل محدودية السياسات الداعمة، واستمرار أزمة المقاصة والرواتب، إلى جانب تقييد استغلال الأراضي الزراعية.
ويدعو مسيف الجهات الرسمية إلى تبني سياسات تقلل الاعتماد الاقتصادي على إسرائيل، وتوسيع الاستثمار في الزراعة والصناعة، وتوجيه الاقتراض نحو دعم المشاريع الصغيرة، ومنح قروض بفوائد صفرية لتعزيز الصمود الاقتصادي.
محدودية المبادرات الاجتماعية
ويرى مسيف أن المبادرات المجتمعية، رغم أهميتها، تبقى محدودة الأثر أمام اتساع الأزمة التي تطال غالبية المجتمع الفلسطيني.
ويشدد مسيف على أن ترتيب الأولويات الاقتصادية بات مسؤولية مباشرة على الأسر نفسها، عبر تقليص النفقات غير الأساسية، مؤكداً أن الفلسطينيين يعيشون اليوم حالة صمود وطني تتطلب تكاتفاً مجتمعياً وحكومياً لتحمل كلفة البقاء ومواجهة الضغوط الاقتصادية المتصاعدة.
عيد الأضحى وارتباطه بالثروة الحيوانية
يؤكد الخبير والمحلل الاقتصادي د.ثابت أبو الروس أن حلول عيد الأضحى هذا العام يأتي في ظل ظروف اقتصادية صعبة وأوضاع معيشية خانقة، انعكست بشكل مباشر على المواطنين والمزارعين، خاصة في ظل تصاعد الاستهداف الإسرائيلي للثروة الحيوانية والزراعة، وما يرافقه من مصادرة أراضٍ وسرقة مواشٍ وتراجع حاد في القدرة الشرائية.
ويشير أبو الروس إلى أن عيد الأضحى يرتبط اقتصادياً بشكل وثيق بسوق الثروة الحيوانية، باعتباره موسماً أساسياً مرتبطاً بالأضاحي في مختلف المحافظات الفلسطينية، حيث تعتمد العديد من المناطق بشكل رئيسي على الزراعة وتربية المواشي كمصدر دخل أساسي.
ضرب مباشر للمنظومة الإنتاجية الزراعية والحيوانية
ويوضح أبو الروس أن سيطرة الاحتلال على ما يزيد عن 67% من أراضي الضفة الغربية، المصنفة "ج"، والتي تضم مساحات واسعة من الأراضي الخصبة، أدى إلى ضرب مباشر للمنظومة الإنتاجية الزراعية والحيوانية على حد سواء.
ويشير أبو الروس إلى أن غياب الإحصاءات الدقيقة حول حجم الخسائر في الثروة الحيوانية الناتجة عن المصادرات والاعتداءات، إلى جانب تراجع العروض في الأسواق، أسهم في ارتفاع أسعار المواشي بشكل كبير، في وقت تتراجع فيه القدرة الشرائية للمواطن، ما جعل الأضحية عبئاً مالياً على الأسر بدلاً من أن تكون شعيرة دينية.
عدوان اقتصادي
ويرى أبو الروس أن ما يجري يتجاوز الأبعاد الاقتصادية التقليدية، ليأخذ طابعاً سياسياً ممتداً، حيث يؤكد أن العدوان العسكري تحوّل إلى "عدوان اقتصادي" يستهدف الموارد الأساسية، خصوصاً الزراعة والثروة الحيوانية، بما يكرس حالة من التبعية الاقتصادية ويضعف البنية الإنتاجية الفلسطينية.
ويصف أبو الروس المشهد الاجتماعي الحالي بأنه حالة من الخوف والقلق المستمر لدى المواطنين خاصة المزارعين والرعاة، في ظل ارتفاع تكاليف الإنتاج، من أسمدة وأعلاف، وتزايد المخاطر في مناطق الرعي القريبة من المستوطنات، وكذلك محدودية مصادر الدخل.
وفيما يتعلق بسبل المواجهة، يشير أبو الروس إلى أن الموازنة الفلسطينية للعام 2026 خصصت نحو 540 مليون شيكل لصندوق الطوارئ لدعم القطاعين الزراعي والحيواني، داعياً إلى تفعيل دور البلديات في توثيق الاعتداءات، وتعزيز حماية الأراضي الزراعية، إلى جانب دعم المزارعين والرعاة بشكل مباشر.
ويشدد أبو الروس على أن صمود الاقتصاد الفلسطيني يرتكز أساساً على الزراعة والثروة الحيوانية، وأن المرحلة الحالية تتطلب تكاتفاً وطنياً شاملاً يمنع ترك المزارعين وحدهم في مواجهة ما وصفه بحرب اقتصادية تستهدف مقومات البقاء.
الحد من القدرة على استشعار أجواء العيد
يصل عيد الأضحى هذا العام إلى كثير من البيوت الفلسطينية وسط ظروف اقتصادية واجتماعية قاسية حدّت من قدرة الأسر على استشعار أجوائه المعتادة، في ظل تفاقم البطالة، وركود الأسواق، وتراجع مصادر الدخل، بما جعل العيد بالنسبة لكثيرين عبئاً مالياً أكثر من كونه مناسبة للفرح، وفق ما تؤكده الصحفية المختصة بالشأن الاقتصادي حسناء الرنتيسي.
وترى الرنتيسي أن تزايد أعداد العاطلين عن العمل، وتعثر المشاريع الصغيرة في الصمود أمام الأزمات الاقتصادية المتلاحقة، وغياب الفرص أمام الخريجين الجدد، جميعها عوامل عمّقت الضغوط المعيشية على المواطنين، وباتت تدفع الأسر إلى إعطاء الأولوية لتأمين الاحتياجات الأساسية كالغذاء والدواء وتسديد الديون، على حساب متطلبات العيد التقليدية من ملابس وحلوى ومظاهر احتفالية، خاصة في ظل تراجع واقع الخدمات الأساسية المرتبطة بالتعليم والصحة.
وتوضح الرنتيسي أن المزارعين الفلسطينيين يواجهون واقعاً أشد قسوة، إذ لا يقتصر الضرر على خسارة موسم زراعي فحسب، بل يمتد إلى تهديد أصل مصدر الرزق من خلال مصادرة الأراضي، وسرقة المواشي، وإغلاق الطرق الزراعية، الأمر الذي فاقم هشاشة المجتمعات الريفية.
وتشير الرنتيسي إلى تقديرات منظمة الأغذية والزراعة الدولية التي تفيد بأن نحو 72 ألف أسرة زراعية في الضفة الغربية بحاجة إلى مساعدات طارئة بفعل عنف المستوطنين والأزمة الاقتصادية وفقدان مصادر الدخل.
مشاعر متداخلة من الصبر والقلق
وتلفت الرنتيسي إلى أن الفلسطينيين يستقبلون العيد بمشاعر متداخلة من الصبر والقلق، حيث يواجه رب الأسرة ضغوطاً متزايدة خشية عدم قدرته على توفير احتياجات أطفاله الأساسية، فيما يعيش المزارع قلقاً دائماً من فقدان أرضه أو مواشيه نتيجة الاعتداءات المتكررة.
وتستند الرنتيسي إلى توثيق لـ2802 اعتداء للمستوطنين بين السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 وحتى 31 يوليو/تموز 2025، تسببت بإصابات وأضرار واسعة في الممتلكات الفلسطينية، معتبرة أن هذه الأرقام حوّلت العيد في القرى والتجمعات الزراعية والبدوية إلى مناسبة مثقلة بهاجس البقاء الاقتصادي.
ترسيخ مفهوم التضامن الاجتماعي
وبحسب الرنتيسي، فإن مواجهة هذا الواقع تتطلب تحركاً شعبياً واسعاً يرسّخ مفهوم التضامن الاجتماعي باعتباره جزءاً من الصمود الوطني، من خلال دعم الأسر الفقيرة، ومساندة المزارعين الذين فقدوا أراضيهم أو مواشيهم عبر صناديق إسناد محلية، وتشجيع شراء المنتجات الفلسطينية، إلى جانب دور أكبر لرجال الأعمال والمغتربين في دعم صمود المواطنين.
وتؤكد الرنتيسي أن المبادرات المجتمعية اليوم ركيزة أساسية لتعزيز الصمود ومنع الإفقار من التحول إلى أداة لدفع الفلسطينيين نحو الرحيل عن أرضهم.
الأجواء العامة للعيد أكثر ثقلاً
يؤكد مدير الأكاديمية المهنية للعلوم المالية والإدارية في فلسطين د. شادي حمد أن حلول عيد الأضحى هذا العام يأتي في ظل أوضاع اقتصادية شديدة الصعوبة، انعكست بشكل مباشر على حياة المواطنين، مع تراجع القدرة الشرائية، وارتفاع معدلات البطالة، وتآكل مصادر الدخل، إضافة إلى اعتداءات المستوطنين التي أثرت على الثروة الحيوانية، ما جعل الأجواء العامة للعيد أكثر ثقلاً وأقل قدرة على إظهار مظاهر الفرح التقليدية.
ويشير حمد إلى أن السلوك الاستهلاكي لدى الفلسطينيين تغير بشكل واضح، إذ باتت الأسر تتجه نحو السلع الأرخص والأكثر ضرورة، بدل السلع المرتفعة الثمن، في ظل غلاء المعيشة وارتفاع غير مسبوق في أسعار المحروقات والمواصلات، إلى جانب تراجع الرواتب، خاصة رواتب موظفي القطاع العام، التي وصلت إلى مستويات غير مستقرة، ما زاد من حالة القلق بشأن المستقبل الاقتصادي.
من أصعب المواسم
ويؤكد حمد أن هذا العيد يُعد من أصعب المواسم التي تمر على الفلسطينيين، رغم وجود أزمات سابقة، إلا أن الفارق اليوم يتمثل في غياب المدخرات لدى الأسر، وتراكم الديون، وتراجع القدرة على الإنفاق، ما جعل كثيرين يكتفون بالحد الأدنى من احتياجات العيد، سواء في الملابس أو الفواكه أو الحلويات، حيث أصبحت الكميات أقل والجودة أدنى مقارنة بالسنوات السابقة.
أسعار الأضاحي عبء إضافي
وفيما يتعلق بالأضاحي، يوضح حمد أن الأسعار شهدت قفزة كبيرة وصلت في بعض الحالات إلى نحو 2000 شيكل لسبع العجل، مقارنة بـ1200 إلى 1400 شيكل في السنوات السابقة لذات الحصة، وهو ما شكل عبئاً كبيراً على المواطنين، خاصة في ظل ضعف القدرة الشرائية.
إعادة صياغة الأولويات
ويرى حمد أن ما يجري سيدفع الكثير من الأسر إلى إعادة صياغة الأولويات وتقليص الإنفاق أو الاكتفاء ببدائل أقل تكلفة، بما في ذلك الاتجاه نحو اللحوم البيضاء.
ويشير حمد إلى أن الأسواق الفلسطينية تشهد تراجعاً في تنوع السلع، مع انخفاض واضح في شراء الفواكه والمكسرات، وارتفاع أسعارها بشكل كبير، في حين باتت الأسر تختار الأصناف الأرخص وتقلل الكميات بشكل ملحوظ، ما يعكس حالة الانكماش الاقتصادي الواسع.
ورغم ذلك، يشدد حمد على أهمية الحفاظ على أجواء العيد الاجتماعية والإنسانية، من خلال التكافل وصلة الرحم، وعدم ربط الفرح فقط بالمظاهر الاستهلاكية، داعياً إلى تعزيز ثقافة التضامن داخل المجتمع، ومراعاة ظروف الجيران والأسر الأضعف.
أهمية ترشيد الإنفاق
ويدعو حمد إلى ترشيد الإنفاق وتحديد الأولويات، محذراً من الدخول في دوامة ديون بعد العيد، حيث يعاني العديد من الأسر من التزامات مالية متراكمة، وشيكات مرتجعة، ما يزيد من الضغط النفسي والاجتماعي، ويؤثر على الاستقرار الأسري.
وفي جانب آخر، يلفت حمد إلى أهمية توجيه الاستهلاك نحو المنتج المحلي، خصوصاً اللحوم البيضاء والخضروات الفلسطينية، باعتبارها منتجات وطنية تساهم في دعم المزارعين وتقليل البطالة، في ظل القيود على الاقتصاد الزراعي ومصادرة الأراضي.
ويشير حمد إلى أن اللحوم الحمراء، وخاصة العجول، تعتمد بشكل كبير على الاستيراد، ما يجعل تخفيض الضرائب عليها في فترة قصيرة أمراً صعباً، خصوصاً مع اقتراب العيد وزيادة الطلب، داعياً إلى تخطيط مبكر للأسواق لتفادي الأزمات الموسمية.
ويؤكد حمد أن الأزمة الحالية ليست ظرفاً عابراً، بل نتيجة تراكمات اقتصادية وسياسية، تتطلب وعياً استهلاكياً وإدارة مالية أكثر رشداً، إلى جانب سياسات داعمة للإنتاج المحلي، لضمان قدرة الأسر الفلسطينية على الصمود في مواجهة الضغوط المتزايدة، داعياً لوضع خطة تثقيفية إعلامية لإرشاد استهلاك المواطنين لحثهم على ترتيب أولوياتهم في ظل هذه الظروف الصعبة.
إفقار قسري ممنهج
تؤكد الباحثة الاقتصادية إخلاص طمليه أن حلول عيد الأضحى في فلسطين بات يعكس بصورة مباشرة حجم الأزمة الاقتصادية والاجتماعية المتفاقمة، خاصة في الأرياف والمناطق المصنفة "ج" والمناطق القريبة من مشروع E1 الاستيطاني، في ظل ما تصاعد انتهاكات الاحتلال والمستوطنين، وما يرافقها من تقييد لحركة الفلسطينيين ومصادرة الأراضي وسرقة المواشي والاعتداءات المتكررة على مصادر الرزق.
وتوضح طمليه أن هذه السياسات أدت إلى حالة "إفقار قسري ممنهج" استهدفت المزارعين والرعاة بشكل أساسي، وأفضت إلى تراجع واضح بمساهمة القطاع الزراعي في الاقتصاد الفلسطيني، بما انعكس على تآكل قدرة الأسر الريفية على الصمود.
وتشير طمليه إلى أن استمرار هذا النمط من الاستنزاف الاقتصادي أسهم في إعادة تشكيل قسري للاقتصاد الريفي، عبر تحويله من اقتصاد إنتاجي إلى اقتصاد يعاني الاستنزاف وفقدان الموارد الأساسية.
وتلفت طمليه إلى أن موسم العيد، الذي يتزامن مع حركة بيع المواشي وارتفاع الطلب عليها بسبب الأضاحي، يتأثر بشكل مباشر بهذه الظروف، حيث تتراجع القدرة الشرائية وتضعف حركة الأسواق، ما يفاقم من خسائر المزارعين ويقلص من دورهم الاقتصادي.
فقدان "رأس المال الاجتماعي" في الريف
وتحذر طمليه من أن هذا المسار يؤدي إلى فقدان "رأس المال الاجتماعي" في الريف الفلسطيني، وهو ما تعتبره من أخطر أشكال الاستهداف، خاصة في مجتمع يعتمد بشكل كبير على الإنتاج الزراعي والحيواني.
وفيما يتعلق بانعكاسات الأزمة على الأسر، تشير طمليه إلى أن المواطنين باتوا يؤجلون احتياجاتهم الأساسية ويستهلكون مدخراتهم من أجل تأمين متطلبات العيد، في ظل ضغوط معيشية متزايدة، ما يضعف قدرتهم على التعافي مستقبلاً ويزيد من هشاشتهم الاقتصادية.
مستوى غير مسبوق من الإنهاك
أما اجتماعياً ونفسياً، فتؤكد طمليه أن المواطنين، رغم قدرتهم التقليدية على التكيف مع الصدمات، يواجهون اليوم مستوى غير مسبوق من الإنهاك، ما ينعكس على قدرتهم في تلبية أبسط متطلبات العيد، من الملابس والأضاحي وصلة الرحم، وسط مخاوف متزايدة من تراكم الديون بعد انتهاء الموسم.
وتشير طمليه إلى أن المبادرات الخيرية والتكافل الاجتماعي يساهمان في سد جزء من الفجوة، لكنها تشدد على ضرورة عدم الاعتماد على المساعدات فقط، بل العمل على إعادة بناء دخل الأسر وتعزيز قدرتها الإنتاجية.
إنشاء صندوق وطني لتعويض المزارعين
وتدعو طمليه إلى إنشاء صندوق وطني لتعويض المزارعين المتضررين، وإعادة توجيه السياسات الاقتصادية نحو القطاعات الإنتاجية كالزراعة والصناعات الغذائية والمشاريع الصغيرة، إلى جانب تعزيز مفهوم "الاقتصاد المقاوم" ودعم الإنتاج المحلي، وخلق بدائل تشغيل تقلل الاعتماد على سوق العمل الإسرائيلي، بما يعزز صمود الاقتصاد الفلسطيني ويحد من هشاشته.
المصدر:
القدس