آخر الأخبار

الفيزازي يثير الجدل بوصف ناشطات أسطول غزة بـ 'زوارق النكاح'

شارك

شهدت منصات التواصل الاجتماعي في المغرب حالة من الغضب العارم عقب تدوينة نشرها الشيخ السلفي محمد الفيزازي، تضمنت إساءات مباشرة لناشطات مغربيات مشاركات في 'أسطول الصمود العالمي'. واعتبر منتقدون أن تصريحات الفيزازي تجاوزت حدود النقد السياسي لتصل إلى مستوى الطعن في النيات والأعراض، خاصة بعد استخدامه أوصافاً مستوحاة من مصطلحات مثيرة للجدل ظهرت إبان الصراعات الإقليمية السابقة.

الفيزازي، في تدوينته التي أثارت العاصفة، شبّه السفن المتجهة لكسر الحصار عن قطاع غزة بما أسماه 'زوارق النكاح'، في إسقاط مباشر على مصطلح 'جهاد النكاح'. ورغم إقراره بأن المصطلح كان ظالماً في سياقات أخرى، إلا أنه تساءل بسخرية عما إذا كان المشهد الحالي يكرر ذات التجربة، وهو ما اعتبره نشطاء إهانة بالغة للمشاركات في المبادرة الإنسانية.

من جانبه، وصف الكاتب والإعلامي يونس مسكين هذه التدوينة بأنها 'إساءة تصل إلى درجة الصدمة'، مؤكداً أن تحويل فعل إنساني نبيل إلى مادة للسخرية الأخلاقية هو انحدار في لغة الحوار. وأوضح مسكين أن الأسطول يضم نخبة من الأطباء والحقوقيين والصحافيين الذين يسعون لكسر حصار جائر، وليسوا بصدد البحث عن مكاسب شخصية أو شهرة زائفة.

وفي ذات السياق، هاجم الناشط عزيز هناوي موقف الفيزازي، مشيراً إلى أن الأخير يدعي المشيخة في الوقت الذي يسخر فيه من طبيبات ومناضلات مغربيات نذرن أنفسهن للقضية الفلسطينية. واعتبر هناوي أن هذا الخطاب يعيد إنتاج حملات التشويه التي استهدفت الحركات الشعبية في سنوات سابقة، ويهدف إلى تقويض العمل التضامني مع غزة.

الإعلامي كمال عصامي رأى أن ما صدر عن الفيزازي يعكس عودة لخطاب التشنج والاستفزاز الذي لا يخدم النقاش العام في البلاد. وأكد عصامي أن الاختلاف في الرأي حول جدوى الأساطيل البحرية حق مشروع، لكن اللجوء إلى اللمز والتشكيك الأخلاقي يشتت الانتباه عن الأولويات الحقيقية للقضية الفلسطينية ومعاناة المحاصرين.

ويعد 'أسطول الصمود العالمي' تحركاً مدنياً دولياً يهدف إلى تسليط الضوء على الحصار الإسرائيلي المفروض على قطاع غزة منذ عام 2007. ويشارك في هذا التحرك متضامنون من جنسيات مختلفة، يحملون مساعدات رمزية ويسعون لكسر العزلة الدولية المفروضة على سكان القطاع عبر رحلات بحرية منظمة.

المشاركة المغربية في هذا الأسطول لم تكن رمزية فحسب، بل ضمت طيفاً واسعاً من الفاعلين المدنيين والحقوقيين من مختلف التوجهات السياسية. ويعكس هذا التنوع الإجماع الشعبي المغربي حول دعم الحقوق الفلسطينية، حيث يلتقي الإسلاميون واليساريون والقوميون في خندق واحد للدفاع عن القضايا الإنسانية العادلة.

هل نحن أمام زوارق النكاح؟ مصطلح جهاد النكاح كان ظالماً يقيناً، لكن هجرة النساء إلى ساحات القتال كانت خطأ فادحاً.

الفيزازي لم يكتفِ بانتقاد الناشطات، بل وسع دائرة هجومه لتشمل الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، عبد الإله بنكيران. واتهم الفيزازي بنكيران بالتحريض على مشاركة النساء في هذه الرحلات دون 'محرم' أو إذن من الأزواج، مما أضاف بعداً سياسياً جديداً للسجال الديني والأخلاقي القائم.

ويرى مراقبون أن هذا التصعيد الكلامي يأتي في سياق ترتيب الأوراق السياسية قبل الاستحقاقات الانتخابية المرتقبة في المغرب. حيث يتم توظيف القضايا الإقليمية، مثل العلاقة مع غزة أو المواقف من القوى الإقليمية، كأدوات في الصراع الانتخابي الداخلي لإعادة تشكيل صورة الخصوم السياسيين أمام الرأي العام.

تاريخ محمد الفيزازي حافل بالتحولات، حيث انتقل من الخطاب المتشدد قبل أحداث عام 2003 إلى إعلان مراجعات فكرية شاملة نحو الاعتدال. ومع ذلك، يرى منتقدوه أن تصريحاته الأخيرة تشير إلى انتكاسة نحو أسلوب الخطاب الصادم الذي يعتمد على إثارة الاستقطاب المجتمعي لتحقيق حضور إعلامي.

الجدل الدائر حالياً يفتح الباب أمام تساؤلات كبرى حول حدود الخطاب الديني في القضايا السياسية والإنسانية. فبينما يرى البعض أن من حق الشيخ التعبير عن رأيه الشرعي، يرى آخرون أن توظيف الدين للطعن في أعراض المتضامنين يمثل انحرافاً خطيراً عن قيم التضامن التي جبل عليها المجتمع المغربي.

المبادرات التضامنية المغربية تجاه فلسطين اتسمت دائماً بالاستمرارية، سواء عبر القوافل البرية أو الأساطيل البحرية. ولم تكن هذه التحركات يوماً مرتبطة بأجندة حزبية ضيقة، بل كانت تعبيراً عن نبض الشارع الذي يرى في حصار غزة جريمة إنسانية تستوجب التحرك بكافة الوسائل السلمية المتاحة.

وفي ظل تواصل الحرب الإسرائيلية على غزة، تكتسب هذه المبادرات المدنية أهمية مضاعفة للضغط على المجتمع الدولي. وتؤكد مصادر حقوقية أن محاولات التشويه الداخلي لن تثني النشطاء عن مواصلة جهودهم، بل قد تزيد من الإصرار على إيصال رسالة التضامن المغربية إلى المحاصرين في القطاع.

ختاماً، يبقى السجال الذي فجره الفيزازي مرشحاً للتصاعد في ظل الانقسام حول أسلوب النقد المتبع. وبينما تنشغل الأوساط السياسية بالردود المتبادلة، تظل العيون شاخصة نحو السفن التي تمخر عباب البحر، حاملة معها آمال كسر حصار طال أمده، بعيداً عن معارك 'التخوين' و'التشكيك' في النيات.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا