أكدت المقررة الأممية لحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، فرانشيسكا ألبانيزي أن ردود الفعل الأوروبية تجاه الاعتداءات الإسرائيلية على أسطول الصمود العالمي كانت ضرورية لكنها اتسمت بالتأخير الشديد. وأوضحت في تصريحات إعلامية أن هذه المواقف لم ترقَ لمستوى الجرائم التي ترتكبها تل أبيب بحق الفلسطينيين بشكل يومي، مشيرة إلى أن حصر الإدانة في شخص وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير يعد قصوراً في توصيف المشهد.
وشددت ألبانيزي على أن ما جرى بحق المتضامنين الدوليين يمثل سلوك حكومة بأكملها وليس مجرد تصرفات فردية، حيث تم اختطاف النشطاء من المياه الدولية والسيطرة على سفنهم بأسلوب يشبه القرصنة. وأضافت أن هؤلاء النشطاء تعرضوا للاعتداء والضرب والاعتقال لمجرد تحليهم بالشجاعة ورفضهم التراجع أمام التهديدات الإسرائيلية أثناء توجههم لكسر الحصار عن قطاع غزة.
واعتبرت المقررة الأممية أن حكومة بنيامين نتنياهو، مدعومة بالكنيست والقضاء الإسرائيلي، نجحت في تحويل الانتهاكات الجسيمة ضد الفلسطينيين إلى سلوك دائم وحق مكتسب يمارس ضد أي معارض لسياساتها. وأشارت إلى أن هذا النهج المؤسسي يمنح الغطاء القانوني والسياسي للممارسات القمعية التي تتجاوز كافة القوانين والأعراف الدولية المعمول بها.
وأكدت ألبانيزي أن الانتهاكات التي مارسها بن غفير ضد نشطاء الأسطول هي امتداد لما يتعرض له عشرات آلاف الفلسطينيين الذين يتم اختطافهم وتعذيبهم واغتصابهم في مراكز الاحتجاز. وأبدت استغرابها من غياب الإدانات الأوروبية الواضحة لهذه الجرائم الممنهجة التي تستهدف الإنسان الفلسطيني بشتى الوسائل غير الإنسانية.
وطالبت الدول بضرورة وقف تمويل إسرائيل عبر الاتفاقيات الاقتصادية والامتناع الفوري عن تزويدها بالسلاح الذي يستخدم في قتل المدنيين. كما وجهت نداءً لبعض الدول العربية التي تدعم سياسات تل أبيب بضرورة مراجعة مواقفها ووقف هذا الدعم الذي يساهم في استمرار معاناة الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال.
وحذرت ألبانيزي من أن إسرائيل لن تتوقف عن ممارساتها ما لم تواجه رادعاً دولياً حقيقياً، مؤكدة أنها ستواصل سياسات القتل والتجويع والاعتداءات داخل السجون كنهج دائم. ونبهت إلى أن الصمت الدولي سيعطي الضوء الأخضر لتكرار سيناريو غزة في دول أخرى بالمنطقة، وهو ما بدأ يظهر جلياً في الاعتداءات على لبنان وإيران.
وكشفت المقررة الأممية عن أرقام صادمة وثقها تقريرها الأخير لعام 2024، حيث أكدت فقدان أثر أكثر من 4 آلاف فلسطيني بعد اعتقالهم من قبل قوات الاحتلال. وأشارت إلى أن التقرير تضمن توثيقاً لحالات اغتقاب وانتهاكات جسدية ونفسية خطيرة تمارس بشكل منهجي داخل مراكز التحقيق والمعتقلات الإسرائيلية.
وفي سياق متصل، ذكرت ألبانيزي أن نحو 100 فلسطيني استشهدوا داخل السجون الإسرائيلية منذ بدء الحكومة الحالية في استخدام التنكيل كسياسة رسمية. وحملت المسؤولية المباشرة لوزير الأمن القومي بن غفير، مع تأكيدها أن المسؤولية تقع أيضاً على عاتق البرلمان والقضاء الذي شرع قوانين قاسية، منها قانون إعدام الأسرى.
وأبدت ألبانيزي دهشتها من صمت النخب الأكاديمية والحقوقية والقضاة داخل إسرائيل تجاه هذه الجرائم، رغم وجود أصوات إسرائيلية محدودة تحتج على سياسة الفصل العنصري. ووصفت قيام بن غفير بتصوير عمليات التنكيل بالنشطاء بأنه سلوك نرجسي يعكس غطرسة ناتجة عن الشعور المطلق بالإفلات من العقاب والمحاسبة الدولية.
وعلى الصعيد الدولي، أفادت مصادر بأن فرنسا وإيطاليا وإسبانيا وهولندا وبلجيكا وكندا استدعت سفراء إسرائيل لديها لتقديم تفسيرات رسمية حول الاعتداء على النشطاء. كما أعربت بريطانيا عن صدمتها من مقاطع الفيديو التي نشرها بن غفير، والتي تظهر إهانة المتضامنين الدوليين أثناء عملية اعتقالهم التعسفية.
وحول قرار رفع اسمها من قائمة العقوبات الأمريكية، أوضحت ألبانيزي أن هذا التطور جاء نتيجة قرار قضائي مستقل وليس تغييراً في سياسة الإدارة الأمريكية. وأشارت إلى أن ابنتها التي تحمل الجنسية الأمريكية كانت قد قدمت احتجاجاً قانونياً لإنهاء الظلم الواقع على موظفة دولية تتمتع بحماية الأمم المتحدة.
وتوقعت المقررة الأممية أن تستمر المحاولات الرامية لإسكاتها، خاصة من قبل الإدارة الأمريكية الحالية، على غرار ما يحدث مع قضاة المحكمة الجنائية الدولية. وأكدت أن هذه الضغوط لن تثنيها عن أداء واجبها في توثيق الجرائم وتقديم التوصيات اللازمة لملاحقة المتورطين في انتهاكات حقوق الإنسان.
وكانت ألبانيزي قد أوصت في وقت سابق بملاحقة مسؤولين إسرائيليين وأمريكيين بتهم ارتكاب جرائم حرب أمام المحاكم الدولية. كما اتهمت في تقاريرها شركات أمريكية كبرى بالتواطؤ في حملة الإبادة الجماعية المستمرة في قطاع غزة، مما عرضها لضغوط وعقوبات مالية ودبلوماسية واسعة.
يُذكر أن القضاء الفيدرالي الأمريكي وجد أن العقوبات المفروضة على ألبانيزي انتهكت على الأرجح حقها في حرية التعبير، مما أدى لتعليقها مؤقتاً. وتظل ألبانيزي واحدة من أبرز الأصوات الدولية التي توثق انتهاكات الاحتلال، رغم حملات التحريض المستمرة التي تتعرض لها من قبل الأوساط الرسمية في تل أبيب وواشنطن.
المصدر:
القدس