تشهد الأوضاع الإنسانية والاقتصادية في قطاع غزة تدهوراً غير مسبوق، حيث اتسعت دائرة الفقر لتشمل الغالبية العظمى من السكان. وأفادت مصادر حكومية بأن استمرار الانهيار الاقتصادي جعل السكان يعتمدون بشكل كامل تقريباً على المساعدات الإغاثية الشحيحة للبقاء على قيد الحياة، في ظل تعطل منظومات الحماية الاجتماعية الرسمية.
وأكد وكيل وزارة التنمية الاجتماعية، رياض البيطار أن تقديرات الجهات المختصة تشير إلى قفزة هائلة في معدلات الفقر، حيث ارتفعت في عموم فلسطين إلى 58% خلال الأشهر الأولى من العدوان. وأوضح أن التوقعات تشير إلى تجاوز هذه النسبة حاجز الـ 60% مع استمرار التصعيد العسكري وتردي الظروف المعيشية للسكان في الضفة وغزة على حد سواء.
وفيما يخص قطاع غزة تحديداً، وصف البيطار المشهد بأنه "أكثر كارثية"، حيث تجاوزت نسبة الفقر الفعلي 90% بين السكان. ويتزامن هذا الارتفاع مع توقف شبه تام لكافة الأنشطة الاقتصادية والإنتاجية، ما أدى لارتفاع معدلات البطالة إلى مستويات قياسية تجاوزت في بعض التقديرات حاجز الـ 80%.
وأشار المسؤول إلى أن فئة "أفقر الفقراء" تضاعفت بشكل هائل نتيجة فقدان مصادر الدخل وتدمير المنشآت التجارية والأسواق، بالإضافة إلى فقدان المنازل. وأوضح أن نحو 90% من الأسر الغزية باتت تعتمد بشكل مطلق على المعونات الغذائية والنقدية التي تقدمها المؤسسات الدولية والمحلية لتدبير شؤونها اليومية.
وقبل اندلاع الحرب، كانت نحو 81 ألف أسرة تستفيد من برنامج التحويلات النقدية التابع لوزارة التنمية الاجتماعية، وهي الأسر الأكثر احتياجاً في القطاع. إلا أن الانهيار المالي وتعطل التحويلات البنكية، بالإضافة إلى تراجع التمويل الدولي، أدى إلى توقف صرف هذه المخصصات لفترات طويلة رغم تزايد الحاجة إليها.
وتعمل الجهات الحكومية حالياً ضمن خطة استجابة طارئة تهدف إلى إدارة مراكز الإيواء وتقديم الخدمات الاجتماعية الأساسية للنازحين. وتشمل هذه الجهود حماية الفئات الضعيفة مثل الأطفال والنساء وكبار السن، ومحاولة تقديم الدعم النفسي والاجتماعي للحالات التي تعرضت لصدمات قاسية جراء القصف المستمر.
ولم تعد الاحتياجات مقتصرة على المواد الغذائية، بل امتدت لتشمل كافة مقومات البقاء الأساسية مثل مياه الشرب النظيفة والخيام ومواد الإيواء. كما تعاني الأسر من نقص حاد في الأغطية والملابس والأدوية، فضلاً عن غياب السيولة النقدية التي تمكنهم من شراء احتياجاتهم الضرورية من الأسواق المتبقية.
ويعد ملف الإيواء من أعقد الملفات التي تواجه الجهات المختصة، حيث يوجد نحو مليون شخص داخل مراكز النزوح المختلفة. وتأتي هذه الأزمة بعد أن دمر الاحتلال أكثر من 106 آلاف وحدة سكنية بشكل كلي، بالإضافة إلى عشرات الآلاف من الوحدات التي تضررت جزئياً أو أصبحت غير صالحة للسكن بتاتاً.
وتتضمن الاحتياجات العاجلة في قطاع الإيواء توفير الخيام والوحدات السكنية المؤقتة "الكرفانات"، بالإضافة إلى مستلزمات النظافة الشخصية وشبكات الصرف الصحي المتنقلة. وأكدت المصادر أن استمرار عمليات النزوح القسري وتكرار استهداف المناطق السكنية يضاعف من حجم هذه الاحتياجات بشكل يومي ويفوق القدرات المتاحة.
وعلى صعيد الحماية الاجتماعية، تولي الوزارة اهتماماً خاصاً بملف الأيتام والأطفال فاقدي الرعاية الأسرية، حيث يتم العمل على حصرهم وتوثيق بياناتهم. وتظهر الإحصائيات الرسمية أن إجمالي عدد الأيتام في القطاع وصل إلى 64,616 يتيماً، الغالبية العظمى منهم فقدوا آباءهم خلال الحرب الحالية المستمرة منذ أكتوبر.
كما كشفت البيانات عن واقع مأساوي للنساء، حيث ارتفع عدد الأرامل اللواتي فقدن أزواجهن إلى أكثر من 21 ألف امرأة منذ بدء العدوان. وتجد هؤلاء النساء أنفسهن أمام مسؤولية هائلة لإعالة أطفالهن في ظل انعدام الدخل وانهيار البنية التحتية للمؤسسات التي كانت تقدم الرعاية والتمكين للمرأة.
وتعرضت معظم مؤسسات الرعاية الاجتماعية ودور الإيواء المتخصصة لأضرار مباشرة أخرجتها عن الخدمة، سواء بسبب القصف المباشر أو وقوعها في مناطق عمليات عسكرية خطرة. ورغم هذه التحديات، تحاول الجهات الحكومية إعادة تفعيل بعض المراكز مثل "بيت الأمان" لرعاية الحالات الهشة والنساء المعنفات وفق الإمكانيات المتاحة.
وشدد البيطار على أن الأزمة في غزة تجاوزت مفهوم الإغاثة المؤقتة لتتحول إلى أزمة تنموية شاملة تتطلب إعادة بناء منظومة الحماية الاجتماعية من الصفر. وكشف عن تطوير أنظمة محوسبة لتوحيد قواعد بيانات النازحين والأسر المتضررة لضمان عدالة توزيع المساعدات ومنع الازدواجية في ظل شح الموارد.
وفي ختام تصريحاته، أكد المسؤول على استمرار التنسيق مع الوكالات الأممية والمنظمات الدولية لتنفيذ برامج الأمن الغذائي والدعم النقدي. ودعا المجتمع الدولي إلى ضرورة التدخل العاجل لتوفير تمويل مستدام يضمن الانتقال من مرحلة الاستجابة الطارئة إلى مرحلة التعافي المبكر وإعادة إعمار ما دمره الاحتلال.
المصدر:
القدس