يشهد الشارع المصري حالة من الترقب والجدل الواسع مع بروز ملامح مشروع قانون الأسرة الجديد، الذي يتناول قضايا شائكة مثل النفقة والحضانة والرؤية. ويرى مراقبون أن القضية تتجاوز التعديلات الإجرائية لتصل إلى جوهر تكوين الأسرة المصرية وهويتها، وسط تساؤلات عن مدى مواءمة هذه النصوص للواقع الاجتماعي المعقد.
تنطلق الانتقادات الموجهة للمشروع من كونه يتعامل مع الأسرة كساحة نزاع قانوني صرفة، متجاهلاً الأسس الأخلاقية التي تقوم عليها العلاقة الزوجية. فبدلاً من تعزيز قيم المودة والرحمة، يميل التوجه الحالي نحو فرض قيود وعقوبات مالية مشددة قد تزيد من حدة الشقاق بين الطرفين.
إن مفهوم القوامة في المنظور الاجتماعي السائد لا يعني التسلط، بل هو مسؤولية ورعاية مرتبطة بالقدرة على الإنفاق والاحتواء. وحين يتم اختزال دور الرجل في كونه 'ماكينة صراف آلي' محاصرة بالالتزامات القانونية، فإن ذلك يفرغ مؤسسة الزواج من محتواها الإنساني والروحي.
تتزايد المخاوف من أن تؤدي هذه التعديلات إلى نتائج عكسية، أبرزها عزوف الشباب عن الإقدام على خطوة الزواج خوفاً من التبعات القانونية المفتوحة. فالحياة الزوجية التي تُبنى على الخوف من القانون بدلاً من الثقة المتبادلة، غالباً ما تنتهي إلى الفشل السريع أو العلاقات غير المستقرة.
المفارقة تكمن في أن محاولات الانتصار للمرأة عبر تشديد العقوبات المالية على الرجل قد تضر بالمرأة نفسها في نهاية المطاف. إذ يؤدي تراجع الإقبال على الزواج إلى خلل في البنية الاجتماعية، ويحول البيوت القائمة إلى ساحات للصراع الاقتصادي الدائم بدلاً من السكينة.
لا يمكن فصل ملف الأسرة عن الواقع الاقتصادي الطاحن الذي تعيشه البلاد، حيث يواجه الشباب صعوبات هائلة في تأمين السكن وتكاليف المعيشة الأساسية. وفي ظل هذه الظروف، تبدو القوانين التي تزيد من الأعباء المالية وكأنها حواجز إضافية تمنع تكوين أسر جديدة ومستقرة.
إن الاستقرار الأسري الحقيقي لا يتحقق بإفقار طرف على حساب الآخر، بل بالعدل والتوازن الذي يراعي طبيعة العلاقة الإنسانية. فالعقود الأسرية تختلف جذرياً عن العقود التجارية الجامدة، وتتطلب مرونة تراعي الظروف المعيشية والاجتماعية المتقلبة.
يشير محللون إلى أن الكثير من الأطروحات الحالية متأثرة بخطابات نسوية غربية نشأت في بيئات ثقافية وتاريخية مغايرة تماماً للمجتمع العربي. وقد أثبتت التجارب في تلك المجتمعات أن تغليب منطق الصراع أدى إلى تفكك أسري وانهيار في معدلات الإنجاب والنمو السكاني.
تعتبر الشريعة الإسلامية، في جوهرها، الضمانة الحقيقية لحقوق الطرفين بعيداً عن الانحيازات الأيديولوجية، حيث تقوم على التوازن بين الحقوق والواجبات. لذا فإن أي إصلاح حقيقي يجب أن يبدأ من تعزيز الوعي الديني والأخلاقي والتربية على قيم المسؤولية المشتركة.
بدلاً من تحويل المحاكم إلى الوسيلة الوحيدة لإدارة الحياة الأسرية، ينبغي على الدولة معالجة الجذور الاقتصادية للأزمة. فتسهيل الحصول على السكن وتوفير فرص العمل الكريمة هو السبيل الأنجع لحماية الأسرة من الانهيار قبل وصولها إلى ردهات القضاء.
يمكن استحضار نماذج دولية ناجحة في هذا السياق، مثل التجربة التركية التي أطلقت 'صندوق الأسرة والشباب' لدعم المقبلين على الزواج. هذا الصندوق يقدم قروضاً حسنة ميسرة، مما يساهم في تخفيف الأعباء المالية عن كاهل الشباب ويشجعهم على بناء أسر مستقرة.
تاريخياً، واجهت محاولات سابقة لتعديل قوانين الأسرة في مصر رفضاً شعبياً حين اصطدمت بالهوية الثقافية والدينية للمجتمع. والدرس المستفاد هو أن القوانين التي تُفرض بمعزل عن ثقافة المجتمع وواقعه الاقتصادي غالباً ما تفشل في تحقيق الاستقرار المنشود.
إن حماية الأسرة تتطلب رؤية استراتيجية شاملة تجمع بين التشريع العادل والدعم الاقتصادي الملموس، بعيداً عن سياسات التأزيم. فالهدف الأسمى يجب أن يكون تقوية بنيان الأسرة باعتبارها الحصن الأخير للمجتمع، وليس تعقيد مسارات تكوينها أو استمرارها.
في الختام، يبقى مشروع قانون الأسرة الجديد تحت مجهر النقد المجتمعي، بانتظار صياغة تضمن حقوق الجميع دون إجحاف. فالعدالة الاجتماعية تبدأ من داخل البيت، وحماية المجتمع تبدأ من حماية المودة والرحمة بين الرجل والمرأة في إطار من التوازن والمسؤولية.
المصدر:
القدس