يستعرض كتاب 'الحزب الشيوعي الفلسطيني من التأسيس إلى التغيير' للباحث محمد منصور أبو ركبة، المسار التاريخي المعقد للحركة الشيوعية في فلسطين، مسلطاً الضوء على الدور المحوري الذي لعبته عصبة التحرر الوطني إبان نكبة عام 1948. فقد نجحت العصبة في تثبيت نحو 150 ألف فلسطيني في قراهم ومدنهم، معتبرة أن القبول بقرار التقسيم آنذاك كان الوسيلة الوحيدة المتاحة للحفاظ على الهوية الوطنية وإقامة دولة مستقلة.
بعد النكبة، ظل قطاع غزة المنطقة الوحيدة التي لم تخضع لإجراءات الضم، لكنه عاش تحت إدارة عسكرية مصرية وأحكام عرفية مشددة. وفي هذا المناخ، برزت عصبة التحرر الوطني كقوة سياسية وحيدة صمدت بعد انهيار المؤسسات الأخرى، ودخلت في صدام مباشر مع الإدارة المصرية التي لاحقت أعضاءها بتهم العمالة وأودعتهم السجون، قبل أن تنقلهم قوات الاحتلال لاحقاً إلى سجن بئر السبع.
شكلت عودة الشاعر والمناضل معين بسيسو من العراق إلى غزة نقطة تحول جوهرية في تاريخ الحركة، حيث وظف خبرته السياسية وقدراته الخطابية لاستقطاب الشباب. وبفضل جرأته في طرح الأفكار اليسارية العالمية وتقديمه لأدب نيرودا وناظم حكمت، تحول الفكر الشيوعي في القطاع من مجرد شعارات إلى منطق عملي ومنظم استهدف الشخصيات التقليدية والقوى المحافظة.
في عام 1952، وفي ظل ملاحقة الأجهزة الأمنية، تأسست أول خلية سرية للحزب الشيوعي الفلسطيني في غزة بجهود معين بسيسو وسمير برقوني ومحمود نصر. وجاءت هذه الخطوة رداً على تحول فرع العصبة في الضفة الغربية إلى الحزب الشيوعي الأردني، وانضمام نشطاء الداخل إلى الحزب الشيوعي الإسرائيلي، مما فرض ضرورة إيجاد إطار وطني مستقل يمثل الكادحين في القطاع.
وضع الحزب الوليد برنامجاً سياسياً ركز على العودة والتعويض وفق القرارات الأممية، وإلغاء الأحكام العرفية وحماية الحدود من الاعتداءات الإسرائيلية. وأصدر الحزب نشرة سرية بعنوان 'الشرارة' لتكون لسان حاله في القضايا الوطنية، ورغم نشاطه المكثف، واجه منافسة قوية من حركة الإخوان المسلمين التي ركزت على العمل الاجتماعي والإغاثي في المخيمات.
سجل التاريخ للحزب الشيوعي قيادته للمظاهرات الشعبية العارمة عام 1955 رفضاً لمشروع توطين اللاجئين الفلسطينيين في سيناء. وتحت شعار 'لا توطين ولا إسكان يا عملاء الأمريكان'، انفجر الشارع الغزي عقب هجوم إسرائيلي دامي، مما أجبر الإدارة المصرية على إعادة النظر في سياساتها تجاه الحراك الشعبي والمطالب الوطنية.
أثمر الضغط الشعبي الذي قاده الشيوعيون بالتحالف مع الإخوان والمستقلين عن نتائج استراتيجية، حيث استجاب الرئيس جمال عبد الناصر لمطالب إلغاء التوطين. وتوج هذا المسار بتشكيل الكتيبة 141 فدائيين بقيادة مصطفى حافظ، وعقد صفقة الأسلحة التشيكية التي كسرت احتكار الغرب للسلاح، مما شكل رافعة حقيقية للكفاح المسلح الفلسطيني.
مع اندلاع الانتفاضة الأولى عام 1987، قطف الحزب الشيوعي ثمار عقود من النضال الجماهيري، حيث كان أحد الأعمدة الأربعة المكونة للقيادة الوطنية الموحدة. وأكدت الانتفاضة صحة الرؤية الشيوعية الداعية إلى جدوى المقاومة الشعبية من الداخل، وقدرتها على تحييد التفوق العسكري للاحتلال عبر أدوات نضالية نوعية.
ساهم الحزب بفعالية في صياغة البرنامج الكفاحي للانتفاضة، وقاد أعضاؤه المسيرات الشعبية وبناء المتاريس، مما عرض كوادره لموجات واسعة من الاعتقال والاغتيال. وقد جسد الشيوعيون في تلك المرحلة نموذجاً للصمود في أقبية التحقيق، معتبرين أن الانتفاضة هي التي ترسم حدود الدولة الفلسطينية المستقلة على أراضي عام 1967.
شهدت الحركة الشيوعية نقاشات حادة حول توحيد التنظيمات في الضفة وغزة والشتات، وهي الفكرة التي واجهت معارضة من بعض التيارات بدواعي 'الأممية'. وصاغ بشير البرغوثي تقريراً سياسياً أكد فيه على ضرورة استقلال الحزب الفلسطيني وتوحيد قواه لمواجهة الواقع الاجتماعي والسياسي الناجم عن الاحتلال وتعزيز دور منظمة التحرير.
ظهر في الساحة أيضاً 'الحزب الشيوعي الفلسطيني الثوري' كفصيل يساري مستقل، جاء تعبيراً عن أزمة الحلقات الماركسية التي تطلعت لممارسة الكفاح المسلح بشكل مباشر. وانتقد هذا التيار ما وصفه بـ'النهج اليميني' في الحزب الشيوعي الأردني الذي كان يعرقل قيام كيان شيوعي فلسطيني مستقل وقادر على المبادرة العسكرية.
استقطب الحزب الثوري قطاعات واسعة من الشباب واليساريين الذين لم ينخرطوا في تنظيمات سابقة، داعياً إلى تحالف ديمقراطي ثوري واسع. وركز برنامجه على ضرورة دمج الهوية الوطنية بالبعد الطبقي، معتبراً أن الكفاح المسلح هو الوسيلة الأنجع لاستنهاض الحالة الوطنية بعد نكسة حزيران وتشتت الهوية.
في تحول دراماتيكي مع بداية التسعينيات، تحول الحزب الشيوعي الفلسطيني إلى 'حزب الشعب الفلسطيني'، تزامناً مع انهيار المنظومة الاشتراكية عالمياً وبروز تفاهمات التسوية. ويعكس هذا التحول محاولة اليسار الفلسطيني التكيف مع المتغيرات الدولية والإقليمية، والانتقال من مرحلة الثورة الشاملة إلى واقع البحث عن كيان سياسي في ظل اتفاقيات أوسلو.
يخلص الكتاب إلى أن اليسار الشيوعي، رغم الانقسامات والأزمات الفكرية، ظل جزءاً لا يتجزأ من معركة الهوية الوطنية الفلسطينية. فقد ساهم الشيوعيون في صياغة الوعي السياسي لأجيال متعاقبة، وربطوا بين النضال الوطني من أجل الاستقلال وبين العدالة الاجتماعية، مؤكدين على دور الجماهير كفاعل أساسي في مسيرة التحرر.
المصدر:
القدس