آخر الأخبار

قصة عبد المهدي الوحيدي: من نكبة 1948 إلى حرب غزة 2023

شارك

بين جدران منزله الذي طالت الحرب أجزاء واسعة منه في مخيم جباليا للاجئين شمالي قطاع غزة، يجلس الحاج عبد المهدي الوحيدي، البالغ من العمر 85 عاماً، مستنداً إلى ذكريات مثقلة بالوجع. يراقب الوحيدي بصمت ما تبقى من ملامح حياته التي باتت محاصرة بالركام، بينما تجلس بجانبه رفيقة دربه الثمانينية عزيزة، التي شاركته ستة عقود من الصبر والتهجير.

وُلد عبد المهدي في عام 1940، وكان لا يزال طفلاً حين وقعت نكبة عام 1948، التي شردت مئات آلاف الفلسطينيين من ديارهم. ورغم هول الصدمات التي عاشها في طفولته، إلا أنه يؤكد اليوم أن ما يكابده الشعب الفلسطيني في غزة حالياً يفوق في بشاعته كل ما شهده طوال ثمانية عقود من حياته.

بصوت متهدج يملؤه التعب، يستذكر الحاج موطنه الأصلي قائلاً إن عائلته تنحدر من مدينة بئر السبع، كبرى مدن صحراء النقب. يروي كيف أجبرت القوات الإسرائيلية السكان على الرحيل القسري، ليتحول وطنه إلى ذكرى بعيدة تطارد مخيلته وسط أنقاض المخيم الذي لجأ إليه لاحقاً.

تعود الذاكرة بالوحيدي إلى أيام بئر السبع، حيث كانت الحياة وادعة بين الممتلكات والمواشي قبل وصول ميليشيات 'الهاغاناه'. يتذكر النقاشات الحادة بين العائلات حول قرار البقاء أو الرحيل، وكيف قررت عائلته التوجه غرباً نحو غزة على أمل العودة التي ظنوها ستتحقق خلال أسابيع قليلة.

يصف الحاج رحلة اللجوء الأولى بأنها كانت سيراً على الأقدام لأيام طويلة، حملوا خلالها ما استطاعوا من مؤن وأموال. يقول بأسى إنهم لم يتخيلوا أبداً أن ذلك الخروج سيكون بداية لمنفى أبدي، استقروا في بدايته بحي الزيتون قبل أن ينتهي بهم المطاف في خيام مخيم جباليا.

كانت بدايات اللجوء قاسية جداً، حيث عاشت العائلة في خيام لا تقي برد الشتاء ولا حر الصيف، وسط ظروف صحية متردية ونقص حاد في الغذاء. يروي الوحيدي كيف كانت طوابير المياه والطعام تشكل جزءاً من يومياتهم المؤلمة، في ظل انتشار الأمراض وتردي النظافة العامة في المخيم الناشئ.

طوال عقود المنفى، ظل والد عبد المهدي وجده يزرعان في نفوس الأبناء والأحفاد التمسك بحق العودة كوصية مقدسة. ورغم أن العودة لم تتحقق، إلا أن الوحيدي كافح لبناء حياة جديدة، حيث عمل لسنوات طويلة في قطاع البناء، وتمكن بجهده من تشييد منازل وشراء أراضٍ في القطاع.

نكبة في أول عمري، ونكبة أخرى في آخره. ماذا عسانا نقول؟ هذه الحرب دمرت كل شيء تماماً وأعادتنا إلى نقطة الصفر.

لكن العدوان الإسرائيلي الأخير على غزة أتى على كل ما بناه الحاج وأشقاؤه طوال سنوات التعب والشقاء. يقول الوحيدي إن الحرب دمرت الحجر والشجر، وأعادتهم جميعاً إلى نقطة الصفر في أواخر أعمارهم، مما جعل الشعور بالفقد مضاعفاً ومريرأً هذه المرة.

ويؤكد المسن الفلسطيني أن حجم الدمار في هذه الحرب غير مسبوق مقارنة بكل الحروب السابقة التي شهدها القطاع. ويرى أن استهداف البنية التحتية والمنازل بشكل شامل يعكس رغبة في محو الوجود الفلسطيني، واصفاً ما يحدث بأنه نكبة ثانية تأتي في ختام عمره المثقل بالهموم.

مع اندلاع الحرب في أكتوبر 2023، أُجبر الوحيدي على النزوح مجدداً وهو في سن الثمانين، متنقلاً بين مراكز الإيواء والخيام. نزح من جباليا إلى ميناء غزة ثم إلى دير البلح، وعاش لحظات مرعبة عندما اقتحم جيش الاحتلال مدرسة تابعة للأمم المتحدة كان يحتمي بها مع عائلته.

يتذكر الحاج صرخات النساء والأطفال تحت وابل الرصاص الإسرائيلي، وكيف أُجبر النازحون على الإخلاء القسري نحو الجنوب عبر مكبرات الصوت. يصف تلك اللحظات بأنها كانت اختباراً قاسياً لكرامة الإنسان، حيث اضطر للسير مسافات طويلة متكئاً على زوجته المسنة للنجاة من القصف المستمر.

يعترف الوحيدي بمرارة أنه تمنى الموت في لحظات معينة بسبب قسوة النزوح والعيش في الخيام فوق الرمال، بعيداً عن أدنى مقومات الحياة. يقول إن فقدان البيت يعني فقدان الكرامة، وأن المجاعة ونقص الاحتياجات الأساسية جعلت التحمل فوق طاقة البشر، صغاراً وكباراً.

رغم الدمار، شعر الحاج ببصيص أمل حين تمكن من العودة إلى شمال غزة في أكتوبر 2025 بعد إعلان وقف إطلاق النار. صُدم بحجم الخراب الذي حول جباليا إلى ركام، لكنه أصر على البقاء فوق أنقاض منزله، مفضلاً العيش وسط الحطام على حياة التشرد والنزوح.

يختم عبد المهدي شهادته بالتأكيد على أن هذه الكارثة مستمرة ولم تنتهِ كما يروج البعض، مشيراً إلى استيلاء الاحتلال على مساحات واسعة من أراضي القطاع. ويرى أن ما يعيشه الفلسطينيون اليوم هو فصل جديد وأكثر دموية من صراع طويل بدأ منذ طفولته في بئر السبع ولم ينتهِ بعد.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا