آخر الأخبار

تطور قوانين الأحوال الشخصية بمصر وموقف الأزهر من التعديلات ا

شارك

تعيش الدولة المصرية حالة من الجدل القانوني والاجتماعي حول تعديلات قوانين الأحوال الشخصية، وهي القوانين التي تمتد جذورها لأكثر من قرن من الزمان. بدأت هذه الرحلة التشريعية في عهد الملك فؤاد عام 1920 بصدور أول قانون استند لمذهب المالكية، قبل أن يتم التوسع في المرجعيات الفقهية لتشمل المذاهب الأربعة في تعديلات عام 1929.

شهدت الحقبة الملكية تطورات هامة، منها قانون عام 1937 الذي عكس سيادة الدولة على قضائها بعد إلغاء المحاكم المختلطة. وقد منح ذلك التشريع للأجانب حق اختيار قانون بلادهم في النزاعات الأسرية، مما عكس تداخلاً بين الأوضاع السياسية والسيادية والمنظومة التشريعية في تلك المرحلة التاريخية.

مع وصول الحكم الناصري، لم تشهد قوانين الأحوال الشخصية تغييرات جوهرية في نصوصها، بل انصب التركيز على الهيكلية القضائية. وكان القرار الأبرز هو إلغاء القضاء الشرعي ودمجه ضمن القضاء المدني، وهو ما انسحب أيضاً على ما كان يعرف بـ 'القضاء الملي' للطوائف غير المسلمة.

في عهد الرئيس السادات، وتحديداً عام 1979، صدر قانون أثار عاصفة من الانتقادات وعُرف شعبياً باسم 'قانون جيهان'. تضمن القانون مادة تلزم الزوج بإعلام زوجته الأولى عند الزواج بأخرى، وفرض عقوبات جنائية على المخالفين، مما اعتبره البعض تدخلاً في الشؤون الخاصة وتجاوزاً للمألوف الشرعي.

لم يستمر قانون السادات طويلاً، حيث قضت المحكمة الدستورية العليا بعدم دستوريته عام 1984 لأسباب تتعلق بآلية صدوره في غيبة البرلمان. هذا الحكم لم يترك فراغاً تشريعياً، بل أعاد العمل بقانون 1929 حتى سارعت الحكومة بتقديم بدائل تشريعية أقرتها المجالس النيابية اللاحقة.

شهدت حقبة الرئيس مبارك محطة مفصلية أخرى بصدور قانون الخلع عام 2000، والذي حظي بدعم مباشر من شيخ الأزهر الراحل محمد سيد طنطاوي. أحدث هذا القانون انقساماً حاداً في الشارع المصري وبين النخب الدينية، حيث غاب المفتي آنذاك عن جلسات البرلمان المخصصة لمناقشته.

اليوم، يبرز مشروع قانون جديد للأحوال الشخصية تكتنفه حالة من الغموض والسرية في كواليس الحكومة والبرلمان. وتنتقد أوساط حقوقية وفقهية غياب الشفافية في عرض المسودة الكاملة للقانون على الرأي العام، واكتفاء الجهات الرسمية بتسريبات غير مؤكدة حول بنوده المثيرة للجدل.

إن الاختصاص الأصيل في قوانين الأحوال الشخصية هو للأزهر وهيئة كبار العلماء، وهي ليست مجرد إشكاليات قانونية بل قضايا تمس دين الناس وحياتهم الاجتماعية.

تتحدث مصادر رسمية عن موافقة الأزهر الشريف على الغالبية العظمى من مواد المشروع الجديد، لكن غياب الإعلان الرسمي يثير الشكوك. ويرى مراقبون أن وجود المفتي في لجان إعداد القانون لا يغني عن الدور الدستوري للأزهر وهيئة كبار العلماء كمرجعية أساسية في الشؤون الإسلامية.

تتصاعد الانتقادات الموجهة لبعض النائبات في البرلمان الحالي بسبب مقترحات توصف بالهزالة والبعد عن الواقع الاجتماعي المصري. ويُتهم البعض بمحاولة استغلال منصات التواصل الاجتماعي لطرح أفكار تهدف للظهور الإعلامي دون اتباع المسارات التشريعية الرصينة داخل أروقة اللجان المختصة.

يبقى التساؤل قائماً حول توقيت خروج شيخ الأزهر الحالي، الدكتور أحمد الطيب، للحديث علانية عن موقف المشيخة من المسودة النهائية. ويُتوقع أن يلتزم الشيخ الصمت حتى يخرج المشروع من اللجنة التشريعية للمناقشة العامة، ليكون الرد مبنياً على نصوص واضحة لا تسريبات إعلامية.

التجارب السابقة تؤكد أن مؤسسة الأزهر لن تتوانى عن إعلان موقفها الحازم في حال وجود مخالفات شرعية صريحة، كما حدث في قضية الطلاق الشفهي. فقد سبق وأن عقدت هيئة كبار العلماء اجتماعاً طارئاً انتهى برفض مقترحات السلطة التنفيذية بالإجماع، حمايةً للمنظومة الفقهية المستقرة.

هناك مخاوف حقيقية من محاولة 'سلق' القانون في جلسات برلمانية سريعة دون منح فرصة كافية للنقاش المجتمعي الموسع. ويرى محللون أن السرية المحيطة بعمل اللجنة المشكلة لإعداد القانون تخالف الدستور الذي يمنح الأزهر حق الاختصاص الأصيل في هذه التشريعات الحساسة.

المقارنة بين تعامل الحكومة مع الكنائس في قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين وتعاملها مع الأزهر تثير تساؤلات حول المساواة الدستورية. فبينما يتم التنسيق الكامل مع المؤسسات الكنسية، يبدو أن هناك محاولات لتجاوز المرجعيات الفقهية الكبرى في الجانب المتعلق بالمسلمين.

في الختام، يشدد المتابعون على أن قوانين الأسرة ليست مجرد معادلات قانونية أو استنساخاً لنماذج غربية، بل هي انعكاس لدين المجتمع وقيمه الاجتماعية. إن أي محاولة لفرض تشريعات مدفوعة بأجندات خارجية أو ضغوط دولية قد تؤدي إلى تفكك مؤسسة الأسرة بدلاً من حمايتها.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا