آخر الأخبار

تصاعد اعتداءات المستوطنين في الضفة الغربية

شارك

د. عبد الناصر مكي: الاستيطان الرعوي أصبح من أبرز أدوات السيطرة على الأرض ما يخلق واقعاً جديداً يهدف للتوسع التدريجي دون إعلان رسمي للضم

عبد الهادي حنتش: هذا النمط من الاعتداءات يهدف إلى نشر حالة من الرعب في الأوساط الفلسطينية خصوصاً في الأرياف ودفع السكان للتهجير القسري

د. أحمد رفيق عوض: ظاهرة التوسع الاستيطاني وما يرافقها من اعتداءات في الضفة تعكس ترجمة عملية لما يسمى "خطة الحسم" التي يروج لها سموتريتش

سهيل خليلية: الهجمات هدفها دفع العائلات الفلسطينية إلى الرحيل بالتوازي مع تعزيز وجود البؤر الاستيطانية لتصبح بديلاً سكانياً على الأرض

د. عمر رحال: المؤشرات الميدانية تنذر بمرحلة أكثر خطورة وتصاعد الاعتداءات المسلحة على القرى والتجمعات البدوية في الضفة الغربية

هاني أبو السباع: غالبية منفذي الهجمات من "فتية التلال" الاستيطانية يتغذون على خطاب يبرر طرد الفلسطينيين والسيطرة على الأرض



رام الله - خاص بـ"القدس"-

تشهد الضفة الغربية تصاعداً متسارعاً في اعتداءات المستوطنين، والتي كان آخرها استشهاد الطفل يوسف كعابنة خلال هجومهم على تجمع بدوي في بلدة جلجلية بمحافظة رام الله والبيرة، وسط تحذيرات من تداعيات متفاقمة تطال الوجود الفلسطيني في المناطق الريفية والبدوية والزراعية، مع اتساع نطاق الهجمات لتشمل القرى والتجمعات البدوية ومصادر الرزق الأساسية، بما يمهد للتهجير القسري.

ويؤكد خبراء وكتاب ومحللون سياسيون ومختصون، في أحاديث مع "ے"، أن ما يجري تجاوز حدود الاعتداءات الفردية ليأخذ طابعاً منظماً يهدف إلى فرض وقائع ميدانية جديدة عبر العنف والترهيب، بما ينعكس على الاستقرار الاجتماعي والأمني في الضفة الغربية.

ويشيرون إلى أن تصاعد الهجمات، بما يشمل استهداف الرعاة والمزارعين، وسرقة المواشي، وإحراق المزروعات والاعتداء على السكان، يؤدي إلى خلق بيئة معيشية قاسية تدفع الفلسطينيين تدريجياً إلى التهجير القسري ومغادرة أراضيهم، خاصة في المناطق المصنفة "ج" والمناطق الريفية المحاذية للبؤر الاستيطانية.

ويرون أن هذا الواقع يتزامن مع توسع متسارع للبؤر الاستيطانية والرعوية، في إطار سياسات تهدف إلى تعزيز السيطرة على الأرض وإضعاف فرص قيام دولة فلسطينية مستقلة.

وفي ظل غياب المساءلة القانونية الدولية واستمرار الدعم السياسي الرسمي الإسرائيلي للمستوطنين، تتزايد المخاوف من دخول الضفة الغربية مرحلة أكثر خطورة، مع احتمالات اتساع دائرة العنف وتفاقم الاحتقان الشعبي، محذرين من أن استمرار الاعتداءات، بالتوازي مع الأزمات الاقتصادية والسياسية الفلسطينية، قد يؤدي إلى مزيد من التآكل في مقومات الصمود الفلسطيني، ويفتح الباب أمام تحولات ميدانية أعمق يصعب احتواؤها مستقبلاً.



امتداد لمسار استيطاني تاريخي متدرج


يرى الخبير في شؤون الاستيطان د.عبد الناصر مكي أن الاعتداءات التي ينفذها المستوطنون في الضفة الغربية تشهد تصاعداً ملحوظاً منذ أحداث السابع من أكتوبر 2023، في ظل تولي حكومة إسرائيلية متطرفة بقيادة بنيامين نتنياهو وبدعم مباشر من الوزيرين إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، الذين يعلنون صراحة السعي للسيطرة على مناطق "ج" وطرد الفلسطينيين من أراضيهم.

ويوضح مكي أن هذا التصعيد لم يأتِ بشكل مفاجئ، بل يأتي امتداداً لمسار استيطاني متدرج بعد احتلال الضفة الغربية، يستهدف التجمعات الفلسطينية في الأغوار الشمالية والأغوار الوسطى، والمناطق الواقعة بين أريحا ورام الله، وقرى شمال رام الله، إضافة إلى مسافر يطا ومحيط القدس، حيث يجري فرض وقائع ميدانية جديدة عبر السيطرة على المرتفعات الجبلية والتجمعات الريفية.

ويبيّن مكي أن هذا المسار الاستيطاني يرتبط بتراكم تاريخي منذ عام 1967، مروراً بـ"مشروع ألون" عام 1968، ثم توسع المستوطنات في الأغوار، وقيام مستوطنة "معاليه أدوميم"، و"هار حوما" في جبل أبو غنيم، وصولاً إلى أكثر من 300 مستوطنة ونحو 192 بؤرة استيطانية في الضفة الغربية، ما أدى إلى إحكام السيطرة على محيط القدس والخليل وأريحا وطوباس ومناطق شمال الضفة.


أدوات ضغط ممنهجة


ويشير مكي إلى أن الاعتداءات الأخيرة التي طالت قرى في محافظة رام الله والبيرة مثل جليجليا، وسنجل، والمغير، وكفر مالك، ورمون، ودير دبوان، وكذلك قصرة في نابلس، إلى جانب مناطق مسافر يطا، تشكل أدوات ضغط ممنهجة تهدف إلى دفع الفلسطينيين نحو الرحيل القسري عبر جعل الحياة اليومية "شبه مستحيلة"، من خلال الاعتداء على السكان ومصادر رزقهم ومواشيهم.

ويلفت مكي إلى أن سموتريتش يركز على مصادرة آلاف الدونمات في الأغوار والمناطق الاستراتيجية، بما في ذلك إعادة تفعيل مستوطنات أُخليت عام 2005 مثل "صانور"، وإقامة مئات الوحدات الاستيطانية الجديدة، ضمن سياسة توسع استيطاني شاملة.


الاستيطان الرعوي أبرز أدوات السيطرة


ويوضح مكي أن ما يُعرف بـ"الاستيطان الرعوي" أصبح أحد أبرز أدوات السيطرة، حيث يقوم المستوطنون باستخدام قطعان مواشيهم لترعى داخل أراضٍ فلسطينية قرب القرى والتجمعات للسيطرة على تلك الأراضي، وبحماية مباشرة من الجيش الإسرائيلي، ما يخلق واقعاً جديداً على الأرض يهدف إلى التوسع التدريجي دون إعلان رسمي للضم.

ويشير مكي إلى أن حادثة استشهاد الطفل يوسف كعابنة في جليجليا وما تبعها من سرقة نحو 700 رأس من الأغنام، تعكس تصاعد وتيرة العنف، في ظل غياب الردع القانوني وتواطؤ سياسي، ما يشجع المستوطنين على التمادي في الاعتداءات.

ويلفت مكي إلى أن هذه التطورات تتزامن مع استحقاقات انتخابية في شهر أكتوبر/ تشرين الأول المقبل، حيث يسعى السياسيون الإسرائيليون المتطرفون إلى كسب دعم المستوطنين عبر تسهيل توسعهم وتعزيز وجودهم في الضفة الغربية.


ضغوط معيشية


ويلفت مكي إلى أن هذه السياسات الاستيطانية تترافق مع أزمة اقتصادية خانقة داخل السلطة الفلسطينية، نتيجة وقف تحويل أموال المقاصة وتراجع دخول العمال الفلسطينيين إلى داخل الخط الأخضر، ما زاد من الضغوط المعيشية وعمّق هشاشة الوضع الاقتصادي، من أجل الضغط على الفلسطينيين لدفعهم للرحيل.

ويحذر مكي من أن المرحلة المقبلة قد تكون أكثر صعوبة، في ظل استمرار التنافس السياسي داخل إسرائيل على قاعدة تعزيز الاستيطان في مناطق "ج"، وتوسيع البؤر الاستيطانية في محيط المدن الفلسطينية، بما يشمل مناطق الأغوار، وشمال رام الله، ونابلس، والخليل.

ويؤكد مكي أن المستوطنين باتوا يعتمدون بشكل متزايد على إقامة بؤر رعوية واستيطانية صغيرة تمهد لتوسعات أكبر، بهدف خلق واقع يمنع أي إمكانية لقيام دولة فلسطينية مستقلة، مشيراً إلى أن الهدف النهائي يتمثل في الضم التدريجي للضفة الغربية.


ضرورة توحيد الجهود الفلسطينية


وفي المقابل، يدعو مكي إلى توحيد الجهود الفلسطينية على المستويات كافة، وإعادة تفعيل لجان الحراسة في القرى القريبة من المستوطنات، وتعزيز التنسيق بين المؤسسات والأحزاب الفلسطينية، إضافة إلى تحرك دبلوماسي واسع يشمل الاتحاد الأوروبي والدول الغربية لفضح ممارسات المستوطنين.

ويشدد مكي على أهمية أن يتضمن المؤتمر الثامن لحركة فتح رؤية استراتيجية واضحة لمواجهة الاستيطان، من خلال برامج عملية لدعم التجمعات الفلسطينية الأكثر استهدافاً، خصوصاً في الأغوار وشمال رام الله والخليل، إلى جانب تفعيل الدور الدبلوماسي الفلسطيني في الخارج.

ويؤكد مكي أن استمرار الانقسام الفلسطيني وضعف الردود الدولية يشجعان على مزيد من التوسع الاستيطاني، محذراً من أن غياب استراتيجية موحدة قد يؤدي إلى ترسيخ السيطرة الإسرائيلية على الأرض الفلسطينية بشكل أوسع وأعمق في المرحلة المقبلة.


منحى أكثر خطورة


يوضح الخبير في شؤون الأراضي والاستيطان عبد الهادي حنتش أن هجمات المستوطنين في الضفة الغربية تتصاعد بشكل يومي، وتكتسب "منحى أكثر خطورة" مع مرور الوقت، في ظل صمت المستوى السياسي في إسرائيل والدعم المتواصل من المنظومة الأمنية، ما يعكس تنسيقاً كاملاً بين المستويات السياسية والأمنية والإعلامية لتكريس هذا الواقع على الأرض.

ويشير حنتش إلى أن هذا النمط من الاعتداءات يهدف أساساً إلى نشر حالة من الرعب في الأوساط السكانية الفلسطينية، خصوصاً في المناطق الريفية، ودفع السكان إلى مغادرة أراضيهم تدريجياً، ضمن سياسة تهجير قسري تنفذها "منظمات المستوطنين"، التي تتمتع بدعم رسمي يتيح لها حرية الحركة دون قيود أو محاسبة.


غياب المساءلة القانونية


ويؤكد حنتش أن غياب المساءلة القانونية، إلى جانب قرارات تتخذها حكومة الاحتلال المتطرفة، يسهم في تشجيع المستوطنين على مواصلة هذه الاعتداءات وتوسيع نطاقها، لافتاً إلى أن بعض هذه الممارسات ترقى "جرائم حرب".

ويرى حنتش أن استمرار هذا النهج دون ردع فعلي سيقود إلى مزيد من التصعيد وتدهور الأوضاع في الضفة الغربية خلال المرحلة المقبلة، محذراً من أن غياب أي إجراءات دولية أو قانونية فاعلة يفتح الباب أمام تفاقم الانتهاكات واتساع دائرة العنف بشكل أكبر.


ترجمة عملية لما يسمى "خطة الحسم"


يؤكد الكاتب والمحلل السياسي د. أحمد رفيق عوض أن ظاهرة التوسع الاستيطاني وما يرافقها من اعتداءات في الضفة الغربية وذلك بسلب للأراضي ومهاجمة الفلسطينيين واستشهاد عدد منهم واستهداف مصادر رزقهم، تعكس ترجمة عملية لما يسمى بـ"خطة الحسم" التي يروج لها وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش، والتي تقوم على فرض واقع جديد في الضفة الغربية المحتلة يقوم على إنهاء الصراع عبر إخضاع الفلسطينيين بين خيارات ثلاث: التهجير أو العمل أو القتل.

ويوضح عوض أن ما يجري على الأرض يشير إلى مسار ممنهج يهدف إلى فرض السيادة الإسرائيلية الكاملة على الضفة الغربية، عبر تغييرات عميقة تشمل البعد الديموغرافي والجغرافي والسياسي في آن واحد، مشيراً إلى أن هذا المسار بات واقعاً متدرجاً يتم ترسيخه عبر توسيع السيطرة على مناطق "ج" وبعض المناطق الأخرى، وإضعاف السلطة الفلسطينية، ومحاصرتها سياسياً واقتصادياً، بما يمهد لإسقاطها لاحقاً أو تقليص دورها إلى الحد الأدنى.


منظومة متكاملة لتغيير بنية الحياة الفلسطينية


ويشير عوض إلى أن سياسات الاستيطان الحالية لا تقتصر على البناء العمراني، بل تمتد إلى منظومة متكاملة تهدف إلى تغيير بنية الحياة الفلسطينية، من خلال استهداف مصادر العيش الأساسية، وفي مقدمتها الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية والأشجار، بما يؤدي إلى إفقار السكان ودفعهم تدريجياً نحو الرحيل القسري.


تجفيف أدوات الصمود الاقتصادي


ويعتبر عوض أن التركيز على استهداف الرعاة والأغنام والأراضي والمزروعات يعكس محاولة ممنهجة لتجفيف أدوات الصمود الاقتصادي للفلسطينيين.

ويبيّن عوض أن هذه السياسات تشمل أيضاً إعادة تشكيل البنية الجغرافية وشبكات الطرق، وتغيير الإطار القانوني والإداري للأرض الفلسطينية بما يسهل مصادرتها وابتلاعها تدريجياً، إلى جانب إعادة تعريف مكانة الأرض سياسياً وقانونياً بما يخدم فرض السيادة الإسرائيلية عليها بشكل كامل.


التحول الأيديولوجي داخل المجتمع الإسرائيلي


ويرى عوض أن المشهد السياسي الإسرائيلي يميل نحو استقرار اليمين في الحكم بمختلف تياراته، مع تزايد جماهيرية الأحزاب الاستيطانية، موضحاً أن معظم القوى السياسية الإسرائيلية باتت تتبنى فكرة الاستيطان ورفض التسوية أو إقامة دولة فلسطينية، وإن اختلفت درجات التطرف بينها.

ويشير عوض إلى أن التحول الأيديولوجي داخل المجتمع الإسرائيلي، وخاصة لدى الأجيال الجديدة، يعكس ميلاً متزايداً نحو التشدد الديني والسياسي، مع تراجع النموذج الإسرائيلي التقليدي الذي كان يسعى إلى تقديم نفسه كدولة حديثة منفتحة على الغرب، لصالح توجه أكثر "تلمودية وحاخامية".

ويؤكد عوض أن استمرار هذا المسار وعدم إنهاؤه مرتبط بعاملين أساسيين: طبيعة الرد الفلسطيني من جهة، وموقف المجتمع الدولي والإقليمي من جهة أخرى، محذراً من أن غياب ضغط حقيقي قد يعني استمرار التصعيد بوتيرته الحالية أو حتى تصاعده، في ظل ظروف لا تشير حتى الآن، إلى تغير جوهري في الاتجاه القائم.


نمط متصاعد من العنف الاستيطاني


يرى الباحث في شؤون الاستيطان سهيل خليلية أن استشهاد الطفل الراعي يوسف كعابنة في بلدة جلجلية بمحافظة رام الله والبيرة ليس حادثة منفصلة، بل يأتي ضمن نمط متصاعد من العنف الاستيطاني بدأ بالانتشار منذ عام 2008، وتفاقم بشكل غير مسبوق مع تولي الحكومة الإسرائيلية الحالية مهامها تحت بشعار "الثورة الاستيطانية"، التي تترجم عملياً إلى تصعيد ميداني يستهدف الفلسطينيين في الريف والمناطق الزراعية والرعوية.

ويوضح خليلية أن هذا النمط من الاعتداءات يستفيد من حالة "غياب المساءلة القانونية" التي يتمتع بها المستوطنون، ما يمنحهم حرية واسعة في التحرك وتنفيذ اعتداءاتهم دون رادع، مشيراً إلى أن الهدف المركزي لهذه السياسات يتمثل في السيطرة على الريف الفلسطيني واستهداف رموزه، وعلى رأسهم المزارعون والرعاة، إضافة إلى استهداف مصادر الحياة الأساسية مثل المواشي والأشجار والمياه.

ويؤكد خليلية أن هذه الاعتداءات، ومن بينها حادثة استشهاد الطفل يوسف كعابنة، تأتي ضمن تحقيق هدف أوسع يتمثل في دفع العائلات الفلسطينية تدريجياً إلى الرحيل من مناطقها، بالتوازي مع تعزيز وجود البؤر الاستيطانية لتصبح بديلاً سكانياً على الأرض، بما يخلق واقعاً ميدانياً جديداً يمهد لتوسيع السيطرة الإسرائيلية خارج حدود المستوطنات الرسمية.

ويشير خليلية إلى أن سلطات الاحتلال تعمل في المقابل على الترويج لروايات تتحدث عن "اشتباكات" أو "مناطق متنازع عليها"، وهي روايات مرفوضة حتى من بعض المؤسسات الحقوقية الإسرائيلية وأطراف داخل المنظومة الأمنية، التي باتت ترى في عنف المستوطنين تهديداً للاستقرار العام، في ظل اتساع نطاق الاعتداءات.


مرحلة أكثر تعقيداً وصعوبة


ويحذر خليلية من أن الضفة الغربية مقبلة على مرحلة أكثر تعقيداً وصعوبة، نتيجة تراكم عدة عوامل، أبرزها تصاعد عنف المستوطنين، وانعدام الأفق السياسي، وازدياد التوتر الإقليمي، إلى جانب التدهور الاقتصادي للسلطة الفلسطينية وتراجع قدرتها على الضبط والسيطرة.

ويحذر خليلية من أن المؤشرات الميدانية تدل على تصاعد العمليات الفردية والمجموعات الصغيرة غير المرتبطة بالأطر التنظيمية التقليدية، مرجحاً أن تكون المناطق الريفية والزراعية محوراً رئيسياً لهذه التحركات، ما قد يؤدي إلى بروز مراكز قوى محلية مستقلة تعتمد على العائلات أو مجموعات مسلحة لحماية مصالحها ومصادر رزقها.

ويعتبر خليلية أن هذا المسار لا يعني بالضرورة اندلاع انتفاضة شعبية تقليدية على غرار انتفاضتي 1987 أو 2000، بل يشير إلى تشكل حالة اجتماعية وأمنية جديدة تقوم على تفتت مراكز القوة وتعددها، في مقابل استمرار التوسع الاستيطاني في مناطق "ج"، ما يخلق واقعاً من الفصل الميداني بين التجمعات الفلسطينية والبؤر الاستيطانية.


حرب استنزاف" في الضفة الغربية


ويؤكد خليلية أن تزايد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، واستمرار عنف المستوطنين تحت غطاء سياسي، يقود إلى حالة شبيهة بـ"حرب استنزاف" في الضفة الغربية، تنعكس في مزيد من الاحتكاك والتوتر وتآكل الاستقرار تدريجياً، وسط مخاوف فلسطينية من تكرار سيناريو غزة، ما يدفع إلى مراجعات داخلية في استراتيجيات المواجهة الفلسطينية بما يتناسب مع المتغيرات الإقليمية.


سياسة ميدانية متكاملة لفرض وقائع جديدة


يؤكد الكاتب والمحلل السياسي ومدير مركز شمس لحقوق الإنسان، د. عمر رحال، أن التصاعد الملحوظ في هجمات المستوطنين في الضفة الغربية، ولا سيما في القرى والتجمعات الزراعية والرعوية شرق رام الله ومحيطها، يعكس تحولاً نوعياً وخطيراً من اعتداءات فردية ومتفرقة إلى نمط منظم وممنهج يحمل أهدافاً سياسية واضحة تتجاوز الطابع الجنائي أو الفردي.

ويوضح رحال أن تزايد عمليات قتل المواطنين من قبل المستوطنين، والاعتداء على القرى، وحرق الأشجار والمزروعات والمركبات، وسرقة الأغنام والمواشي، والهجمات المتكررة على التجمعات الفلسطينية، خصوصاً في مناطق مثل دير جرير وكفر مالك وخربة أبو فلاح وجلجليا، يؤشر إلى وجود سياسة ميدانية متكاملة تهدف إلى فرض وقائع جديدة على الأرض بالقوة، عبر استخدام العنف والترهيب كوسيلة لإعادة تشكيل الجغرافيا والديمغرافيا الفلسطينية.


خلق بيئة من الخوف والرعب وعدم الاستقرار


ويشير رحال إلى أن ما يجري لا يمكن تصنيفه باعتباره "حوادث جنائية" أو أعمالاً فردية معزولة، بل يأتي ضمن تعليمات وسياسات تدفع باتجاهها شخصيات في الحكومة الإسرائيلية الحالية، في ظل حماية مباشرة من جيش الاحتلال ودعم رسمي للمستوطنين، الذين باتوا أداة تنفيذية ورأس حربة لتحقيق أهداف سياسية تتعلق بالضم الصامت والزاحف للضفة الغربية، والسيطرة على الأرض، وتفكيك الوجود الفلسطيني، ودفع السكان نحو الرحيل القسري، خاصة في المناطق الزراعية والرعوية المهددة بالمصادرة.

ويؤكد أن استهداف الرعاة والمزارعين يحمل دلالات خاصة، نظراً لأن الزراعة والرعي يشكلان أحد أبرز أشكال الصمود الفلسطيني في المناطق المهددة بالتوسع الاستيطاني.

ويعتبر رحال أن عمليات مهاجمة الرعاة وقتل الأطفال، والاعتداء على الأهالي، وسرقة المواشي، وإحراق الحقول والمنازل، لا تهدف فقط إلى إلحاق خسائر اقتصادية، بل يسعى إلى خلق بيئة من الخوف والرعب وعدم الاستقرار تدفع الفلسطينيين إلى الهجرة القسرية تحت ضغط العنف المتواصل.

ويشدد رحال على أن غياب المحاسبة القانونية للمستوطنين يعزز الشعور بوجود "ضوء أخضر" لاستمرار الاعتداءات، في ظل إفلات شبه كامل من العقاب، مشيراً إلى أن ذلك يتقاطع مع مشاريع سياسية إسرائيلية أوسع، من بينها تكثيف الاستيطان وما يعرف بـ"خطة الحسم" الهادفة إلى فرض الضم بعيداً عن الضغوط الدولية أو القرارات السياسية المعلنة.


مرحلة أكثر خطورة في الضفة الغربية


ويحذر رحال من أن المؤشرات الميدانية تنذر بمرحلة أكثر خطورة في الضفة الغربية، متوقعاً تصاعد الاعتداءات المسلحة على القرى والتجمعات البدوية، إلى جانب زيادة عمليات حرق المزروعات وسرقة المواشي، في وقت تسهم فيه البيئة الدولية، غير الراغبة في فرض ضغوط حقيقية على الاحتلال، في تشجيع مزيد من الانتهاكات.

ويعتقد رحال أن يؤدي استمرار هذا الواقع، في ظل غياب أفق سياسي، إلى تصاعد الاحتقان الشعبي واحتمالات انفجار الأوضاع في الضفة الغربية خلال المرحلة المقبلة.


فرض وقائع جديدة نحو التضييق والتهجير


يحذر الكاتب والمحلل السياسي والمختص بالشأن الإسرائيلي هاني أبو السباع من تصاعد غير مسبوق في وتيرة هجمات المستوطنين في الضفة الغربية، معتبراً أن الاعتداءات لم تعد محصورة في المناطق المصنفة "ج"، بل امتدت تدريجياً إلى مناطق "ب"، ووصلت في الآونة الأخيرة إلى أطراف مناطق "أ"، بما يعكس تحولاً ميدانياً يهدف إلى فرض وقائع جديدة على الأرض ودفع الفلسطينيين نحو مزيد من التضييق والتهجير.

وبحسب أبو السباع، فإن عنف المستوطنين شهد ارتفاعاً ملحوظاً خلال السنوات الأخيرة، مستشهداً بإحصائيات إسرائيلية تشير إلى تسجيل 352 هجوماً للمستوطنين عام 2019، قبل أن يرتفع العدد إلى 1072 هجوماً في عام 2023، ما يعكس زيادة كبيرة في مستوى الاعتداءات وتنظيمها، لافتاً إلى أن هذه الهجمات أسفرت عن استشهاد نحو 12 فلسطينياً، إلى جانب تصاعد الاعتداءات على القرى والممتلكات الفلسطينية.

ويوضح أبو السباع أن معظم الهجمات تُنفذ تحت أنظار جيش الاحتلال الإسرائيلي، وفي كثير من الأحيان بحمايته، لافتاً إلى أن المنفذين الأساسيين هم من المستوطنين مما يعرف بـ"فتية التلال"، وهم مجموعات استيطانية متشددة تتلقى تعليماً دينياً في معاهد وجلسات دينية داخل مستوطنات مثل "يتسهار" و"كريات أربع" و"غوش عصيون"، حيث يتم تغذية خطاب ديني يبرر طرد الفلسطينيين والسيطرة على الأرض باعتبارها جزءاً مما يسمونه "أرض يهودا والسامرة".

ويشير أبو السباع إلى أن الاعتداءات تحمل بعدين رئيسيين؛ الأول ديني يستند إلى تفسيرات توراتية متشددة، والثاني سياسي يرتبط بمحاولة القضاء على فرص "حل الدولتين" وإنهاء أي أفق لاتفاق أوسلو عبر السيطرة على أكبر مساحة ممكنة من الضفة الغربية.


استغلال الحرب


ويؤكد أبو السباع أن المستوطنين استغلوا انشغال الجيش الإسرائيلي بالحرب في غزة والتوترات الإقليمية مع لبنان وإيران لتوسيع دائرة الاعتداءات.

ويشدد أبو السباع على أن غياب المحاسبة القانونية يشكل عاملاً أساسياً في تصاعد عنف المستوطنين، موضحاً أن من بين أكثر من 990 هجوماً وثقتها جمعيات غير حكومية خلال العام الأخير، قُدمت 450 شكوى للشرطة الإسرائيلية، لكن لم تُسفر إلا عن 15 لائحة اتهام فقط، بنسبة لا تتجاوز 4%.


دعم سياسي وضوء أخضر


ويشير أبو السباع إلى دعم سياسي مباشر من وزراء في الحكومة الإسرائيلية، موضحاً أن وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير قام بتسليح واسع للمستوطنين وتحريضهم، فيما وفر وزير المالية بتسلئيل سموتريتش دعماً مباشراً للبؤر الاستيطانية، وساهم في توسيعها وإضفاء شرعية عليها.

ويحذر أبو السباع من أن المرحلة المقبلة قد تشهد تصعيداً أخطر، خصوصاً مع تنامي نشاط "فتية التلال" خلال عطلة نهاية الأسبوع، متوقعاً اتساع الاعتداءات على القرى الفلسطينية في ظل غياب استراتيجية فلسطينية ودولية فاعلة لوقف عنف المستوطنين وكبح توسعه في الضفة الغربية.

القدس المصدر: القدس
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا