تحل ذكرى النكبة الفلسطينية في منتصف مايو من كل عام، لتستحضر فصلاً مأساوياً بدأ بتصاعد الاستيطان اليهودي وانتهى باحتلال الأرض. وقد بلغت هذه الأحداث ذروتها عبر هجمات شنتها عصابات صهيونية مسلحة استهدفت القرى والمدن الفلسطينية بين عامي 1947 و1948، مما أدى إلى مواجهات دامية مع الجيوش العربية.
أسفرت هذه الهجمات الممنهجة عن تهجير نحو 957 ألف فلسطيني من ديارهم، من أصل 1.4 مليون نسمة كانوا يقطنون في نحو 1300 مدينة وقرية. وتوزع هؤلاء المهجرون قسراً بين الضفة الغربية وقطاع غزة والدول العربية المجاورة، بينما واجه آلاف آخرون مصير التهجير الداخلي تحت سلطة الاحتلال.
تعود جذور المشروع الاستيطاني إلى النصف الثاني من القرن التاسع عشر، حيث سعت الأيديولوجية الصهيونية للسيطرة على الأراضي الفلسطينية. وشهد العهد العثماني البدايات الأولى لهذا التوسع، لا سيما بعد مؤتمر لندن عام 1840، وبروز دور المليونير البريطاني ليونيل دي روتشيلد في تمويل المستوطنات الأولى.
شكل عام 1917 منعطفاً خطيراً بصدور "وعد بلفور"، الذي تعهدت فيه بريطانيا بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين. ومع بدء الانتداب البريطاني، سخرت السلطات إمكاناتها لدعم التوسع اليهودي وتسهيل السيطرة على مواقع استراتيجية، مما مهد الطريق لعمليات التهجير الكبرى التي حدثت لاحقاً.
برزت في تلك الفترة منظمات صهيونية مسلحة مثل "الهاغاناه" و"الأرغون" و"شتيرن"، والتي تولت تنفيذ المخططات العسكرية. وقد قامت هذه العصابات ببناء عشرات المستوطنات وتدريب عناصرها على القتال، تمهيداً لشن غارات واسعة ضد السكان الفلسطينيين العزل والقوات البريطانية على حد سواء.
في عام 1947، أحالت بريطانيا ملف فلسطين إلى الأمم المتحدة، التي أصدرت قرار التقسيم رقم 181. وبموجب هذا القرار، مُح اليهود 56% من مساحة فلسطين التاريخية، بينما خُصص للعرب 43% فقط، وهو ما رفضه الفلسطينيون والعرب جملة وتفصيلاً واعتبروه قراراً غير شرعي.
رداً على قرار التقسيم، شكل العرب "جيش الإنقاذ" بمشاركة متطوعين من مختلف الدول العربية لمقاومة المشروع الصهيوني. ورغم الحماس الشعبي، عانى الجيش من نقص في التدريب والعتاد، حيث تألف تسليحه من خليط من البنادق القديمة والمعدات المحدودة التي لم تكن تكفي لمواجهة العصابات المنظمة.
شهدت تلك الفترة ارتكاب مجازر وحشية لبث الرعب في نفوس الفلسطينيين، كان من أبرزها مجزرة فندق سميراميس ومجزرة دير ياسين. وفي دير ياسين، استشهد نحو 254 فلسطينياً في هجوم دموي تخلله تمثيل بالجثث واستهداف مباشر للنساء والأطفال، مما دفع الآلاف للنزوح خوفاً من مصير مماثل.
خاض المقاومون الفلسطينيون معارك بطولية، أبرزها معركة القسطل التي استشهد فيها القائد عبد القادر الحسيني. وقد وجه الحسيني صرخة مدوية للجامعة العربية قبل استشهاده، محذراً من ضياع فلسطين بسبب نقص الدعم العسكري والأسلحة اللازمة لمواجهة الترسانة الصهيونية المتطورة.
في منتصف ليل 14 مايو 1948، أعلن ديفيد بن غوريون قيام دولة إسرائيل فور انتهاء الانتداب البريطاني. وسارعت القوى الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، للاعتراف بالكيان الجديد، مما أضفى غطاءً دولياً على عملية اغتصاب الأرض الفلسطينية.
دخلت الجيوش العربية من الأردن والعراق ومصر ولبنان الحرب رسمياً عقب إعلان الاحتلال، وخاضت معارك شرسة في باب الواد وجنين والفالوجة. وتمكن الجيش الأردني من الحفاظ على القدس والضفة الغربية، بينما حقق الجيش العراقي انتصارات مهمة في جنين قبل أن تتوقف العمليات بقرارات سياسية.
واجه الجيش المصري صعوبات تنظيمية ونقصاً في السلاح، لكنه خاض معارك صمود في الفالوجة بمشاركة ضباط برزوا لاحقاً في التاريخ المصري. ومع ذلك، أدى فرض الهدنة الدولية وخرق الاحتلال المستمر لها إلى تراجع القوات العربية وفقدان السيطرة على مساحات واسعة من البلاد.
انتهت الحرب بتوقيع اتفاقيات هدنة عام 1949، والتي كرست واقعاً جديداً عُرف بـ "الخط الأخضر". ومنذ ذلك الحين، بقيت النكبة جرحاً نازفاً في الذاكرة الفلسطينية، حيث يواصل اللاجئون تمسكهم بحق العودة إلى ديارهم التي هُجروا منها قبل عقود طويلة.
المصدر:
القدس