تعد مجازر الثامن من مايو 1945 في مناطق قالمة وسطيف وخرّاطة حلقة دموية ضمن سلسلة طويلة من الإجرام الاستعماري الفرنسي في الجزائر. هذه الفظائع لم تكن مجرد قرارات عسكرية لجنرالات يبحثون عن المجد، بل استندت إلى خلفيات دينية وفلسفية عميقة تبيح القتل الجماعي بلا وخز للضمير. لقد تعامل الاستعمار مع المقاومة الشعبية منذ البداية بسياسة الأرض المحروقة، مستخدماً الغازات السامة في المغارات كما حدث في غار الفراشيح عام 1845.
إن المقارنة التاريخية توضح أن ما اقترفه الاحتلال الفرنسي في ثلاثة أيام من شهر مايو فاق في حصيلته الدموية عدد شهداء غزة خلال عام كامل من العدوان. ولو توفرت التغطية الإعلامية المعاصرة في ذلك الوقت، لضج العالم من بشاعة تلك الجرائم التي استهدفت مدنيين خرجوا في مسيرات سلمية. هؤلاء المتظاهرون طالبوا فقط بالاستقلال الذي وعدهم به الحلفاء عقب الحرب العالمية الثانية، لكن الرد كان إبادة جماعية منظمة.
بالبحث في التطور الفلسفي الغربي، نجد أن أغلبية الفلاسفة، سواء كانوا مسيحيين أو ملاحدة، قدموا تبريرات فكرية لحركة الاستعمار. الفيلسوف هربرت سبنسر، على سبيل المثال، ربط بين الاستيلاء على الأراضي وإبادة سكانها وبين فكرة 'العناية الإلهية' والحق التاريخي المزعوم. هذه الازدواجية في الشخصية الغربية تجمع بين المناداة بالحرية والديمقراطية وبين ممارسة أبشع أنواع الاستبداد والقتل ضد الشعوب التي توصف بـ'الأجناس الدنيا'.
لم تكن الديانة بمنأى عن هذا التبرير، حيث بدأت الفتاوى التي تشرعن اضطهاد الآخر مع القديس أغسطينوس في القرن الرابع الميلادي. استخدم أغسطينوس نصوصاً دينية لإكراه السكان الأصليين على الخضوع للسلطة الرومانية، مما شكل سابقة تاريخية للتحالف بين الكنيسة والمحتل. هذا النهج استمر لاحقاً في المراسيم البابوية التي منحت الملوك الأوروبيين الحق في غزو الأراضي غير المسيحية باعتبارها ممتلكات بلا صاحب.
في القارة الأمريكية، لعبت الكنائس الكاثوليكية والبروتستانتية دوراً محورياً في إبادة السكان الأصليين تحت ذريعة 'شعب الله المختار'. هذه العقلية هي ذاتها التي انتقلت إلى الجزائر، حيث شارك فرسان مالطا في حملة الاحتلال ونال الجنود الفرنسيون 'بركة البابا'. لقد تحول رجال الدين أمثال الكاردينال لافيجري والراهب دوفوكو إلى أذرع دينية للاحتلال، يمارسون التنصير والجوسسة والمحو الثقافي تحت غطاء الصليب.
أما الفلسفة السياسية الغربية، فقد وفرت الغطاء 'العلمي' والمدني لهذه الجرائم منذ عهد أرسطو وفكرته عن 'العبيد بالطبيعة'. حتى رواد العقد الاجتماعي والليبرالية لم يسلموا من هذا السقوط الأخلاقي؛ فجون لوك دعم مصادرة أراضي الهنود الحمر ووصفهم بالوحوش الضارية. لقد ساهم لوك في صياغة قوانين تمنح الأسياد سلطة مطلقة على العبيد، رغم كونه المنادي الأول بالحقوق المدنية في إنجلترا.
الفيلسوف الألماني هيغل اعتبر الشعوب الأفريقية والآسيوية خارج سياق التاريخ، ورأى في استعمارها ضرورة حضارية. وسار على نهجه إيمانويل كانت ودافيد هيوم، اللذان نظرا لتفوق العرق الأبيض وعدم قدرة الشعوب الأخرى على التنظيم والمدنية. هذه التنظيرات لم تكن مجرد ترف فكري، بل كانت الوقود الذي أشعل محارق الاستعمار في مختلف القارات، محولة الإبادة إلى 'رسالة حضارية'.
جون ستيوارت ميل، المنظر الشهير للحرية الفردية، استثنى الشعوب 'المتخلفة' من حق الحرية، معتبراً أن الحكم الاستبدادي هو الوسيلة الأنسب لتعليمهم المدنية. ميل نفسه عمل في شركة الهند الشرقية البريطانية، مما يثبت التداخل العضوي بين الفكر الاستعماري والممارسة الاقتصادية النهبية. وبالمثل، رأى أوغست كونت في الحضارة الأوروبية قمة التطور البشري التي يجب فرضها على الآخرين.
في السياق الفرنسي، يبرز ألكسيس دو توكفيل كنموذج صارخ للتناقض الليبرالي، حيث دعا علانية إلى احتلال الجزائر واستخدام القتل لفرض الوجود الاستعماري. توكفيل لم يكتفِ بالدعم العسكري، بل طالب بسياسات استيطانية إحلالية تهدف إلى تغيير الديمغرافية وتفكيك نسيج المجتمع الجزائري. كتابه 'عمل عن الجزائر' يعد وثيقة تاريخية تدعو صراحة إلى استخدام الإبادة كوسيلة لضمان بقاء فرنسا كقوة عظمى.
جاءت 'الداروينية الاجتماعية' لاحقاً لتمنح الاستعمار بعداً بيولوجياً زائفاً من خلال فكرة 'البقاء للأصلح'. تشارلز داروين وهربرت سبنسر ساهما في نقل مفاهيم الصراع الطبيعي إلى المجتمعات البشرية، مما جعل إقصاء الشعوب الضعيفة يبدو كنتيجة حتمية للتطور. هذه الأفكار مهدت الطريق لسياسات 'تحسين النسل' التي دعا إليها فرانسيس غالتون، والتي تحولت لاحقاً إلى ممارسات عنصرية ممنهجة.
إن الربط بين هذه الجذور الفكرية ومجازر 8 مايو 1945 يكشف أن العقلية الاستعمارية عقلية إجرامية بطبعها وتكوينها. هذه العقلية ترى في تدمير المنشآت وقتل النساء والأطفال عملاً ضرورياً لتحقيق التقدم التاريخي. ومن هنا، يتبين أن الخط الإجرامي في السياسة الغربية هو تيار ثابت ومستمر، لا توقفه أصوات الأحرار القليلة التي لا تملك سلطة القرار في بلدانها.
تتشابه جرائم الاحتلال الفرنسي في الجزائر مع ما قام به الإسبان والإنجليز في الأمريكيتين، وما فعله البلجيكيون في الكونغو. كما تتقاطع هذه الممارسات مع الجريمة النووية الأمريكية في هيروشيما وناغازاكي، وما يشهده العالم اليوم من إبادة جماعية في فلسطين. كل هذه الأحداث تنبع من قاعدة فكرية وفلسفية واحدة تقدس القوة وتلغي حق الآخر في الوجود إذا تعارض مع مصالح 'العرق المتفوق'.
إن محاولات تبرير الإجرام الفرنسي بذريعة 'العمليات الجهادية غير المحسوبة' هي محض نفاق تاريخي يهدف لتبرئة الجلاد. الحقيقة أن البطش الفرنسي كان رداً على مطالب شرعية بالحرية، تماماً كما يحدث في السياقات المعاصرة للمقاومة. التاريخ يثبت أن القوى الاستعمارية لا تحتاج لذرائع لتمارس القتل، بل هي تنفذ أجندة فكرية متجذرة في وعيها الجمعي تجاه الشعوب المضطهدة.
في الختام، يظل الوصول إلى حلول سلمية مع قادة يتبنون هذه القناعات الإجرامية أمراً بعيد المنال دون مقاومة حقيقية. إن إخضاع إرادة المحتل يتطلب تناغماً بين صمود الشعوب على الأرض وبين الأصوات الحرة في العالم. مجازر 8 مايو ستبقى شاهداً حياً على بشاعة الحضارة الغربية عندما تتجرد من إنسانيتها وتتسلح بفلسفات التفوق العرقي والديني لتبرير إبادة الآخر.
المصدر:
القدس