لم تكتفِ الحرب الأخيرة على قطاع غزة بتدمير البنية التحتية الحضرية، بل امتدت آثارها لتطال العمق الزراعي الذي يمثل سلة الغذاء الأساسية للسكان. تحولت آلاف الهكتارات من الأراضي الخضراء إلى مساحات مدمرة أو مناطق مقيدة الوصول، مما دفع وزارة الزراعة في غزة لإطلاق خطة طوارئ بالتعاون مع مؤسسات دولية ومحلية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.
تتجه الجهود الحالية نحو إعادة تأهيل التربة كخطوة أولى لاستعادة دورة الإنتاج والحياة، بمشاركة فاعلة من جمعية مجموعة غزة للزراعة والإغاثة الزراعية. ويأتي هذا التحرك بدعم مباشر من منظمة أوكسفام الدولية، في محاولة عملية لإعادة إحياء القطاع الزراعي الذي تعرض لضربة قاصمة خلال الأشهر الماضية.
يروي المزارع عادل شملخ، الذي يمتلك 3 هكتارات في منطقة الشيخ عجلين، حجم المأساة التي حلت بأرضه التي كانت تزدهر بأصناف الخضروات والفواكه. يوضح شملخ أن عملية إعادة التأهيل تتطلب ميزانيات ضخمة لتوفير الجرافات وتسوية التربة التي أثقلتها آثار القذائف والدمار، فضلاً عن الحاجة لإنشاء شبكات ري جديدة بالكامل.
التحديات الميدانية لا تتوقف عند حدود استصلاح التربة، بل تمتد إلى الارتفاع الجنوني في أسعار مستلزمات الإنتاج الأساسية التي باتت نادرة في الأسواق. فقد قفزت أسعار البذور والأدوية الزراعية من 500 شيكل للأوقية الواحدة لتصل إلى نحو 3 آلاف شيكل، مما يضع أعباءً مالية تفوق قدرة المزارع البسيط.
الأرقام المتعلقة بالأسمدة تعكس حجم الكارثة الاقتصادية، حيث ارتفع سعر الشاحنة الواحدة من ألف شيكل إلى قرابة 20 ألف شيكل. هذا التضخم الحاد في التكاليف جعل من الزراعة مغامرة مالية غير مأمونة النتائج، في ظل غياب الدعم الحكومي الكافي والقيود المفروضة على دخول المواد الأساسية عبر المعابر.
تشير بيانات رسمية صادرة عن المكتب الإعلامي الحكومي إلى أن الخسائر المباشرة في القطاعين الزراعي والحيواني تجاوزت حاجز 2.8 مليار دولار. وأكدت الإحصائيات أن 94% من الأراضي الزراعية في القطاع تضررت بشكل مباشر، مما أدى لتقلص المساحات المزروعة من 9300 هكتار إلى 400 هكتار فقط.
الدمار طال أيضاً المنشآت الزراعية المحمية، حيث تم تدمير نحو 85% من الدفيئات الزراعية التي كانت توفر المحاصيل في غير مواسمها. وتعتبر هذه البيوت البلاستيكية ركيزة أساسية للأمن الغذائي في غزة، وتدميرها يعني فقدان القدرة على التحكم في البيئة الزراعية وإنتاج الخضروات الأساسية.
أفادت مصادر بأن اختيار المناطق المستهدفة لإعادة التأهيل تم بعناية فائقة لضمان أمن المزارعين واستمرارية العمل بعيداً عن مناطق التماس. وتركزت التدخلات الأولية في مناطق المغراقة والشيخ عجلين وأجزاء من حي الزيتون، وهي مناطق عُرفت تاريخياً بجودة إنتاجها من العنب والتين والخضروات.
تبدأ مراحل المشروع بعملية حصر دقيقة للأراضي وتقسيمها، تليها خطوة حاسمة تتمثل في الفحص الميداني من قبل فرق إزالة الألغام. هذه الخطوة تهدف للتأكد من خلو التربة من مخلفات الحرب والقذائف غير المنفجرة التي تشكل خطراً دائماً على حياة المزارعين والعمال أثناء العمل.
يهدف المشروع في مرحلته الحالية إلى مساندة 100 مزارع لاستعادة نحو ألف دونم من الأراضي، مع توفير المعدات اللازمة والأيدي العاملة. كما يتضمن العمل حفر آبار مياه جديدة وصيانة الآبار المتضررة، بالإضافة إلى تركيب خطوط نقل المياه لضمان وصول الري إلى الحقول المستصلحة.
أكد وسام مشتهى، مدير برنامج الاستجابة الإنسانية في أوكسفام أن احتياجات التعافي الشامل للقطاع الزراعي تتجاوز 10 مليارات دولار. وأشار إلى أن المنظمة تعمل حالياً على تأهيل 22.5 هكتاراً كمرحلة أولى، مع تقديم دعم عيني يشمل الأشتال والإرشادات الفنية اللازمة لرفع الكفاءة الإنتاجية.
تسعى المبادرات الحالية لاستعادة ما بين 60% إلى 70% من القدرة الإنتاجية السابقة للمزارعين المستهدفين، رغم النقص الحاد في الوقود والمولدات الكهربائية. وتواجه هذه الجهود عقبات لوجستية تتمثل في ندرة قطع الغيار اللازمة لصيانة الآلات الزراعية التي تضررت خلال العمليات العسكرية.
من جانبه، أوضح الخبير الزراعي نزار الوحيدي أن العمل جارٍ للانتقال من المبادرات الفردية المشتتة إلى منظومة عمل متكاملة تحت إشراف مركزي. ويهدف هذا التوجه إلى توحيد الجهود وتنظيم التدخلات الدولية والمحلية لضمان استدامة الإنتاج وتحسين قدرة القطاع على الصمود في وجه الأزمات.
شدد الوحيدي على أن الهدف الأسمى ليس مجرد حرث الأرض وزراعتها، بل إعادة بناء الثقة بين المزارع وأرضه التي هجرها قسراً. إن نجاح هذه الخطط مرهون بالقدرة على تحويل الأراضي المتضررة من عبء مادي ونفسي إلى مصدر حقيقي للإنتاج والاستقرار الاقتصادي والغذائي لسكان القطاع المحاصر.
المصدر:
القدس