لم تتوقف آثار الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة عند تدمير الحجر والبشر، بل امتدت لتطال الشرايين التقنية المتبقية للحياة، حيث تسبب المنع الممنهج لدخول قطع الغيار والإطارات والزيوت المعدنية في شلل شبه تام لوسائل النقل والمولدات الكهربائية. وبات البحث عن إطار مطاطي أو لتر من الزيت معركة يومية يخوضها السكان في ظل حصار خانق يهدد بتوقف الخدمات الطبية والإنسانية الطارئة.
في ورش الصيانة المتهالكة وسط القطاع، يصف فنيو الميكانيك عملهم الحالي بـ 'الجراحة القيصرية'، حيث يضطرون لتفكيك المركبات التي دمرها القصف لاستخراج قطع غيار مستعملة. وأفادت مصادر بأن هذه القطع 'السكراب' أصبحت تباع بأسعار خيالية، بينما قفز سعر لتر الزيت من 10 شواكل إلى أكثر من 700 شيكل، مما أجبر الكثيرين على ركن مركباتهم نهائياً.
وأجبر هذا النقص الحاد السائقين على اتباع طرق بدائية وخطيرة للحفاظ على حركة مركباتهم، من بينها خياطة الإطارات المهترئة بأسلاك معدنية ووضع رقع مطاطية داخلية لمنع انفجارها. كما يضطر السائقون لاستخدام الزيت المحروق المعاد تدويره للمحركات رغم إدراكهم لخطورة ذلك على سلامة المركبة، إلا أن غياب البدائل لم يترك لهم خياراً آخر في ظل الحاجة الماسة للتنقل.
هذا الشلل الميكانيكي أعاد غزة عقوداً إلى الوراء، حيث عادت عربات 'الكارو' التي تجرها الحيوانات لتكون الوسيلة الأساسية لنقل الجرحى والمؤن وجثامين الشهداء. ومع زيادة الضغط على هذه الوسائل البدائية، ظهرت أزمات جديدة تتعلق بنقص حدوات الخيول والمسامير، مما دفع أصحاب العربات للبحث في الركام عن معادن لتصنيع بدائل محلية الصنع.
وعلى الصعيد الطبي، حذرت مصادر طبية من أن المنظومة الصحية باتت مستنزفة تماماً بسبب تهالك المولدات الكهربائية وغياب قطع غيارها الضرورية. ويحتاج القطاع الصحي شهرياً إلى نحو 2500 لتر من الزيوت لضمان استمرار عمل المولدات التي تغذي أقسام غسيل الكلى وحضانات الأطفال وغرف الطوارئ، مما يضع حياة مئات المرضى في خطر حقيقي.
وفي الميدان، تجد طواقم الدفاع المدني والإسعاف نفسها عاجزة أمام نداءات الاستغاثة بسبب تآكل إطارات مركباتها نتيجة السير فوق الركام وشظايا القذائف. وأشارت مصادر ميدانية إلى أن بعض سيارات الإسعاف تضطر للسير على 'الجنوط' الحديدية للوصول إلى المصابين، مما يؤخر عمليات الإنقاذ ويضاعف من معاناة الجرحى أثناء نقلهم إلى المستشفيات.
ولم تكن مرافق المياه والصرف الصحي بمنأى عن هذه الأزمة، حيث تواجه المعدات الثقيلة التابعة للبلديات والمنظمات الدولية مصيراً مشابهاً يهدد بتوقفها. وقد حذرت منظمة 'اليونيسف' من أن استمرار نقص الإطارات والزيوت يعيق حركة شاحنات توزيع المياه، مما قلص كميات المياه الصالحة للشرب المتاحة للسكان وزاد من مخاطر انتشار الأوبئة.
حتى تأمين رغيف الخبز بات مهدداً، إذ تعتمد المخابز الآلية على معدات تتطلب صيانة دورية وزيوت محركات خاصة غير متوفرة حالياً في الأسواق. ومع استمرار هذا الوضع، يصبح توقف المخابز عن العمل مسألة وقت، مما يضيف عبئاً جديداً على المواطنين الذين يعانون أصلاً من الجوع والنزوح المستمر في مختلف مناطق القطاع.
وفي ظل هذا الفراغ، انتعشت سوق سوداء يبيع فيها السماسرة القطع المهربة أو المستصلحة بأسعار تفوق القدرة الشرائية للمواطنين بثمانية أضعاف. ويروي أصحاب شاحنات نقل المياه معاناتهم في الحصول على إطار واحد بأسعار خيالية، حيث يضطرون للشراء تحت ضغط الحاجة لضمان استمرار مصدر رزقهم الوحيد لإعالة أسرهم.
وتتعالى نداءات الاستغاثة من قبل السائقين والعاملين في القطاعات الإنسانية بضرورة تدخل الجهات الدولية للضغط على الاحتلال للسماح بدخول هذه المواد الأساسية. ويؤكد المواطنون أن الإطارات والزيوت ليست سلعاً كمالية، بل هي ضرورة قصوى لاستمرار الحياة ومنع الانهيار الكامل لما تبقى من بنية تحتية وخدماتية في غزة.
يبقى قطاع غزة يصارع 'الشلل الميكانيكي' الذي يضاف إلى سلسلة الأزمات التي تلاحق سكانه منذ بدء العدوان، وسط مخاوف من تحول القطاع إلى مقبرة للمركبات والبشر. وتنتظر العائلات والفرق الإغاثية حلاً دولياً عاجلاً يفتح المعابر أمام 'عجلات الحياة' قبل أن تتوقف تماماً وتتوقف معها آخر سبل البقاء المتاحة.
المصدر:
القدس