كشفت مصادر إعلامية عن قرار اتخذه المستوى السياسي في دولة الاحتلال يقضي بمنع ممثلي قوة الاستقرار الدولية من القيام بجولة ميدانية في قطاع غزة. وتأتي هذه الخطوة في وقت كان من المفترض أن تبدأ فيه هذه القوة مهامها ضمن إطار خطة السلام التي طرحها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، مما يشير إلى تراجع إسرائيلي عن التفاهمات الدولية.
وأفادت تقارير بأن الوفد الدولي الممنوع يضم ممثلين عن دول إندونيسيا، المغرب، كوسوفو، كازاخستان، وألبانيا، والذين وصلوا مؤخراً لعقد لقاءات مع مسؤولين عسكريين وممثلين عن القيادة الأمريكية. وكان من المخطط أن يتوجه الوفد إلى مدينة رفح جنوبي القطاع، إلا أن تعليمات سياسية عليا حالت دون إتمام هذه الزيارة الميدانية.
ويرى مراقبون أن هذا المنع يعكس تجميداً مؤقتاً للمرحلة التالية من خطة التسوية، ويهدف إلى إبقاء السيطرة الميدانية الكاملة بيد جيش الاحتلال. وتعتبر هذه العرقلة جزءاً من استراتيجية أوسع تهدف إلى منع أي رقابة دولية على التحركات الإسرائيلية داخل المناطق التي تم التوغل فيها مؤخراً.
من جانبه، أكد الخبير في الشأن الفلسطيني حسن لافي أن إسرائيل لا تزال متمسكة بخيار التغيير الاستراتيجي في جغرافية وديموغرافية قطاع غزة. وأوضح أن خيار التهجير القسري والسيطرة على مساحات واسعة من القطاع يظل هو الحل الأمثل في عقيدة قادة الاحتلال الحالية، بعيداً عن أي حلول سياسية دولية.
وأشار لافي إلى أن حالة التباطؤ المتعمد في تنفيذ بنود وقف إطلاق النار تهدف إلى منع عودة الحياة الطبيعية وعرقلة جهود التعافي المبكر وإعادة الإعمار. ويهدف هذا السلوك إلى جعل العيش في غزة أمراً مستحيلاً، مما يضغط على السكان للقبول بخيارات التهجير كحل وحيد أمام الواقع المعيشي المنهار.
وفي سياق متصل، أوضح الكاتب وسام عفيفة أن الاحتلال يتنصل من استحقاقات المرحلة الأولى من خارطة الطريق التي تضمنتها ورقة ترامب. وتشمل هذه الاستحقاقات إعادة إدخال الشاحنات بمعدل 600 شاحنة يومياً، ووقف العمليات العسكرية والاغتيالات، والانسحاب إلى ما يعرف بـ 'الخط الأصفر'.
وبيّن عفيفة أن جيش الاحتلال تجاوز الخطوط المتفق عليها وأوجد مناطق أمنية جديدة غير معلنة، يطلق عليها 'المناطق البرتقالية'، وهي مناطق رماية مفتوحة تمنع عودة النازحين. هذا التجاوز الميداني يجعل من وجود أي قوة دولية أمراً مرفوضاً إسرائيلياً لأنه سيكشف حجم الخروقات المرتكبة.
وذكرت مصادر مطلعة أن لقاءات القاهرة الأخيرة شهدت إبلاغ الوسطاء برفض إسرائيل العودة إلى الخط الأصفر، مما تسبب في أزمة تفاوضية جديدة. ويحاول الاحتلال حالياً إعادة صياغة قواعد التفاوض بما يتناقض مع الوثيقة المكونة من 15 بنداً والتي تم التوافق عليها مسبقاً مع الأطراف الدولية والفصائل الفلسطينية.
وتشير المعطيات إلى أن الاحتلال يمارس دور المتحكم المطلق في المشهد الميداني، متجاهلاً كافة القوانين الدولية والالتزامات السياسية تجاه الإدارة الأمريكية. ويأتي منع الوفود الدولية متزامناً مع استمرار منع الصحفيين الأجانب من دخول القطاع، في محاولة للتعتيم على حجم الجرائم المرتكبة ضد المدنيين.
وعلى صعيد المنظمات الإنسانية، تحولت المؤسسات الدولية إلى جهات تشتكي من تجاهل الاحتلال المستمر لمهامها الإغاثية. فقد فرضت سلطات الاحتلال شروطاً تعجيزية جديدة على عمل نحو 20 منظمة دولية، مما أدى إلى شلل كبير في تقديم المساعدات الضرورية للسكان المحاصرين.
ميدانياً، يواصل جيش الاحتلال توسيع المناطق العازلة وإقامة مواقع عسكرية ثابتة في قلب المناطق السكنية المدمرة، مما يعزز من فرضية الاحتلال طويل الأمد. وتعمل هذه التحركات على تقويض أي فرصة لإقامة سلطة إدارية فلسطينية قادرة على إدارة شؤون القطاع في المرحلة المقبلة.
وتشير الإحصائيات الرسمية الصادرة عن وزارة الصحة إلى تفاقم الكارثة الإنسانية، حيث ارتفع عدد الشهداء منذ بدء حرب الإبادة في أكتوبر 2023 إلى أكثر من 72,608 شهيداً. كما تجاوز عدد المصابين 172 ألفاً، في ظل انهيار شبه كامل للمنظومة الصحية نتيجة الاستهداف المباشر والحصار.
ورغم دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في العاشر من أكتوبر 2025، إلا أن الانتهاكات الإسرائيلية اليومية لم تتوقف في مختلف مناطق القطاع. ويستخدم الاحتلال القوة العسكرية لفرض وقائع جديدة على الأرض، مستغلاً حالة الصمت الدولي وعدم وجود آليات ضغط حقيقية لإلزامه بالاتفاقات الموقعة.
ختاماً، يبدو أن حكومة الاحتلال تسعى لتحويل خطة ترامب إلى أداة لخدمة أهدافها التوسعية، من خلال اقتطاع أجزاء من شرق وشمال القطاع لتأمين مستوطنات الغلاف. هذا السلوك يضع المجتمع الدولي أمام تحدٍ كبير لإنقاذ ما تبقى من فرص للاستقرار ومنع استمرار جريمة التهجير القسري بحق الفلسطينيين.
المصدر:
القدس