منذ ارتقائه شهيداً في الثاني عشر من يوليو تموز لعام 2025، لا تزال سيرة الشهيد محمد زكي حمد تتصدر منصات التواصل الاجتماعي كنموذج فريد جمع بين القيادة العسكرية والعمل الدعوي. استشهد حمد إثر غارة إسرائيلية استهدفت مركبة في مخيم الشاطئ بمدينة غزة، لينهي مسيرة حافلة بدأت منذ ولادته عام 1994 وبروزه كقائد فصيل في كتيبة بيت حانون التابعة لكتائب القسام.
بثت مصادر عسكرية مقاطع مصورة ضمن سلسلة 'أقمار الطوفان' توثق جوانب خفية من حياة الراحل، حيث ظهر فيها وهو يقود التدريبات العسكرية ويشارك في جولات الرباط الميدانية. ولم تقتصر المشاهد على الجانب القتالي، بل شملت تلاوات قرآنية بصوته وجلسات إسناد ديني كان يعقدها لرفاقه داخل الأنفاق لتعزيز صمودهم في وجه العدوان المستمر.
أحد أبرز المحطات في حياة حمد كان تأليفه لكتاب 'تحت راية الطوفان' من داخل العقد القتالية في مدينة بيت حانون، وهي المنطقة التي تعرضت لتدمير شبه كلي. الكتاب يمثل شهادة ميدانية نادرة توثق كواليس العمليات العسكرية والتحديات الجسيمة التي واجهها المقاتلون بعيداً عن كاميرات الإعلام، مسلطاً الضوء على الجهد البشري الهائل المبذول في الإعداد والتجهيز.
تحدثت مصادر محلية عن تفاصيل وردت في الكتاب تصف مشقة العمل اليدوي في ترميم الأنفاق التي تعرضت للقصف، حيث كان إنجاز متر واحد فقط يتطلب جهداً جماعياً لعشرة مقاومين طوال اليوم. كما كشف الكتاب عن خطورة عمليات البحث عن مواد البناء والكهرباء وسط الركام وتحت تحليق مكثف للطيران الإسرائيلي، مما أدى لارتقاء عدد من رفاقه خلال هذه المهام.
على الصعيد الدعوي، عُرف الشهيد بكونه أحد المؤسسين لمشروع 'صفوة الحفاظ' المعني بسرد القرآن الكريم كاملاً في جلسة واحدة، وهو ما طبقه فعلياً في حياته. ونشر مدونون مقاطع توثق سرده للقرآن من الفجر حتى الغروب دون انقطاع، مشيرين إلى أنه كان يجمع بين صلاة التراويح والقيام وبين التواجد في الصفوف الأولى للمواجهة العسكرية.
أفادت مصادر إعلامية بأن حمد لم يكن مجرد خطيب منبر، بل كان يطبق دروس القرآن وقصص الصحابة عملياً في الميدان، مما منحه هيبة ومحبة واسعة بين أهالي بيت حانون. وقد وصفه ناشطون بأنه 'جيل قرآني فريد' استطاع الموازنة بين متطلبات المعركة القاسية وبين الروحانية العالية التي تتطلبها حياة الزهد والعبادة.
تداول رواد مواقع التواصل الاجتماعي وصية مؤثرة تركها الشهيد لابنه 'زكي'، يحثه فيها على الفخر بانتمائه للإسلام والتحلي بالقلب الطيب تجاه المسلمين. وتضمنت الوصية دعوة صريحة لنجله بحمل سلاحه من بعده وسلوك طريق الجهاد، مؤكداً أن الحياة في سبيل الله هي أسمى الغايات التي تغيظ الأعداء وتصون الكرامة.
أشار إعلاميون إلى أن الشهيد كان يمثل صمام أمان لإخوانه في 'ساعات العسرة' داخل الأنفاق، حيث كان يبشرهم بنصر الله ويحثهم على الثبات. هذه الروح المعنوية العالية كانت ركيزة أساسية في صمود كتيبة بيت حانون التي خاضت معارك شرسة لشهور طويلة ضد القوات الإسرائيلية المتوغلة في شمال القطاع.
اعتبر متابعون أن كتاب 'تحت راية الطوفان' سيظل مرجعاً تاريخياً لفهم عقلية المقاومة في غزة وكيفية إدارتها للصراع بأدوات بدائية أمام ترسانة عسكرية متطورة. فالكتاب لا يسرد انتصارات عسكرية فحسب، بل يغوص في التفاصيل النفسية والجسدية للمقاتل الفلسطيني الذي يعيش تحت الأرض لأسابيع طويلة.
أكد ناشطون أن رحيل حمد ترك فراغاً كبيراً في العمل الدعوي والعسكري بمدينة بيت حانون، لكن سيرته تحولت إلى وقود للمقاومين الجدد. وقد وصفت حسابات إخبارية الشهيد بأنه الرجل الذي مضى بثبات من بين الركام، جامعاً بين الكلمة والموقف، وبين البندقية والمصحف، ليترك خلفه إرثاً لا يمحى.
في تعليقه على المشاهد المنشورة، أوضح الناشط تامر قديح أن خلف كل لقطة 'للمثلث الأحمر' تكمن قصص تضحية لم تروها الكاميرات، وهو ما حاول حمد تدوينه في كتابه. فالكمائن التي تظهر في ثوانٍ معدودة تتطلب أياماً من العمل الشاق والمخاطرة بالأرواح لتجهيزها، وهو ما يفسر حجم الفقد عند استشهاد قادة ميدانيين من طرازه.
لقي المقطع الذي يظهر فيه الشهيد وهو يوصي المسلمين بالتمسك بالقرآن رواجاً كبيراً، حيث اعتبره الكثيرون 'دستور عمل' للمرحلة المقبلة في مواجهة التحديات. الرسالة التي وجهها حمد كانت واضحة بضرورة جعل القرآن قائداً في كل صغيرة وكبيرة، وهو ما جسده في حياته حتى لحظة استهدافه.
ختاماً، تظل قصة محمد زكي حمد شاهدة على مرحلة فارقة من تاريخ الشعب الفلسطيني، حيث تداخلت فيها دماء العلماء بدماء القادة الميدانيين. سيرة 'الشيخ المقاتل' كما يلقبه محبوه، ستبقى محفورة في ذاكرة غزة، ليس فقط كقائد عسكري، بل كأديب ومؤرخ سطر بدمه وقلمه ملحمة 'تحت راية الطوفان'.
المصدر:
القدس