آخر الأخبار

مخططات إسرائيل لتغيير الشرق الأوسط: غزة ولبنان والسودان

شارك

تشير الوقائع الميدانية والسياسية في منطقة الشرق الأوسط إلى أن دولة الاحتلال انتقلت من مرحلة التخطيط النظري إلى التنفيذ الفعلي لمشروع إعادة رسم خرائط المنطقة. هذا المشروع الذي تعززت وتيرته عقب أحداث 'طوفان الأقصى'، يهدف بالأساس إلى فرض هيمنة إسرائيلية مطلقة وتفكيك القوى الإقليمية المنافسة.

لم تكن البداية من غزة، بل تمتد جذور التحركات الإسرائيلية إلى التدخل في ملف سد النهضة الإثيوبي، بهدف الضغط على الأمن القومي المصري والسوداني. وقد واكب ذلك دور استخباراتي وسياسي في دعم الانقسامات داخل السودان، بدءاً من انفصال الجنوب وصولاً إلى دعم ميليشيات الدعم السريع لنهب الثروات وتفتيت إقليم دارفور.

في اليمن، رصدت مصادر تحركات إسرائيلية لتشجيع النزعات الانفصالية، ومحاولة جر أطراف يمنية للدخول في 'المعاهدات الإبراهيمية'. هذه التحركات تتسق مع الاعتراف الإسرائيلي المنفرد بكيان 'أرض الصومال'، في محاولة لخلق موطئ قدم استراتيجي على ممرات الملاحة الدولية.

تطمح حكومة بنيامين نتنياهو إلى تحويل مسارات الطاقة العالمية، بحيث تتدفق إمدادات النفط والغاز من الخليج العربي والسعودية مباشرة نحو ميناء حيفا ومنه إلى أوروبا. هذا المخطط يسعى لتهميش الممرات المائية التقليدية وجعل الاحتلال المركز اللوجستي الأول للطاقة في المنطقة.

يمثل الاستيلاء على 'محور فيلادلفيا' الحدودي بين قطاع غزة ومصر خرقاً صريحاً لاتفاقية كامب ديفيد، وجزءاً من استراتيجية أوسع لتهديد الأمن القومي المصري. كما تظل خطة تهجير سكان القطاع نحو سيناء هدفاً معلناً يسعى الاحتلال لتحقيقه رغم الرفض العربي والدولي الواسع.

في الجبهة الشمالية، يسعى الاحتلال لتفكيك الدولة اللبنانية عبر إثارة الفتن الداخلية تحت ذريعة نزع سلاح المقاومة. وتؤكد مصادر أن الأطماع الإسرائيلية تتجاوز نهر الليطاني، حيث لا تنوي قوات الاحتلال الانسحاب من الأراضي التي توغلت فيها، معتبرة لبنان ساحة للتوسع الجغرافي.

سوريا ليست بعيدة عن هذه المخططات، حيث يستمر التحريض الإسرائيلي في الجنوب السوري ومحاولات عزل الطائفة الدرزية. كما يواصل الاحتلال السيطرة على مناطق واسعة في جبل الشيخ لضمان منع استقرار الدولة السورية أو استعادتها لسيادتها الكاملة.

الشرق الأوسط يتغير نعم، ولكن في اتجاه مغاير لما خططت له دولة الاحتلال وأقنعت به الإدارة الأمريكية.

على الصعيد المالي، تكبدت القوى الدولية خسائر فادحة جراء الانخراط في صراعات المنطقة، حيث خسرت فرنسا وحدها نحو 1.17 مليار دولار خلال شهرين. شملت هذه التكاليف العمليات الجوية لمقاتلات رافال والمهام البحرية المكثفة في مياه المتوسط والأحمر.

الحرب التي اندلعت ضد إيران في فبراير 2026 كشفت عن فجوة كبيرة في تقديرات التكاليف، حيث قدرها البنتاغون بـ 25 مليار دولار، بينما رفعت طهران التقديرات إلى 100 مليار. هذه الحرب التي خلفت آلاف القتلى، وضعت الاقتصاد العالمي والمنطقة على حافة الانهيار قبل إعلان الهدنة.

رغم القوة العسكرية المفرطة، فشل الاحتلال في تحقيق أهدافه الجوهرية في قطاع غزة، حيث لا يزال الصمود الفلسطيني يحول دون تنفيذ مخططات التهجير. كما أن الموقف المصري الصلب شكل حائط صد منيع أمام تصفية القضية الفلسطينية عبر سيناء.

في الضفة الغربية، ورغم تدمير معظم المخيمات وتوسيع عمليات النزوح الداخلي، لم ينجح الاحتلال في كسر إرادة البقاء. وتواجه المخططات الإسرائيلية في الأردن عقبات جيوسياسية تمنع تحويل الضفة إلى ساحة للتهجير القسري نحو الشرق.

تشهد المنطقة ولادة محور إسلامي جديد يضم السعودية وتركيا وباكستان ومصر، وهو ما يمثل رداً استراتيجياً على محاولات عزل القوى العربية. هذا المحور يعيد توازن القوى ويضع حداً للتطلعات الإسرائيلية بقيادة 'حلف معتدل' يكون الاحتلال على رأسه.

الهدنة الحالية التي ترعاها إسلام آباد منذ أبريل 2026، تمثل فرصة لالتقاط الأنفاس، لكنها تكشف أيضاً عن عجز الاحتلال عن حسم الصراع عسكرياً. تمديد الهدنة دون سقف زمني يعكس رغبة دولية في احتواء الانفجار الكبير الذي قد يطيح باستقرار الطاقة العالمي.

ختاماً، يبدو أن الشرق الأوسط يتغير بالفعل، ولكن ليس وفق المشيئة الإسرائيلية التي روجت لها إدارة ترامب. فالأشهر القادمة ستحمل مؤشرات إضافية على تراجع النفوذ الإسرائيلي دولياً، وبروز خارطة تحالفات جديدة تضع مصالح شعوب المنطقة فوق أطماع الهيمنة.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا