كشفت تقارير صحفية دولية استناداً إلى وثائق وزارة العدل الأمريكية، عن تفاصيل مثيرة تتعلق بمبنى غامض شيده المجرم المدان جيفري إبستين في جزيرته الخاصة 'ليتل سانت جيمس' بمنطقة الكاريبي. وأوضحت المصادر أن إبستين، الذي انتحر في سجنه عام 2019، قضى سنوات في بناء شبكة علاقات واسعة مع شخصيات نافذة في الشرق الأوسط لتحقيق مآرب تجارية واقتناء تحف إسلامية نادرة.
المبنى الذي أثار حيرة المتابعين لسنوات، تميز بتصميم مقبب وجدران مخططة باللونين الأزرق والأبيض، وقد أطلق عليه إبستين بشكل منتظم اسم 'المسجد'. وأكد فنانون ومهندسون عملوا مع الممول الأمريكي الراحل أنه كان مهووساً بالتصاميم الإسلامية، حيث جلب الرخام خصيصاً من أوزبكستان لتزيين هذا الهيكل الفريد.
ومن أكثر الحقائق صدمة في التحقيقات، هي وصول قطع أصلية من كسوة الكعبة المشرفة إلى يد إبستين، حيث استخدمها كمنسوجات جدارية لتزيين منزله ومبناه الخاص. وتظهر المراسلات أن هذه القطع شملت منسوجات كانت تغطي الكعبة من الداخل وأخرى من الخارج، بالإضافة إلى قطعة ثالثة من المصنع المتخصص في مكة المكرمة.
وتشير الوثائق إلى أن إبستين استغل علاقاته مع وسطاء ودبلوماسيين للوصول إلى البلاط الملكي السعودي، ومن بينهم الدبلوماسي النرويجي تيري رود-لارسن. وقد سعى إبستين من خلال هذه القنوات إلى تقديم نفسه كمستشار مالي، خاصة مع توجه المملكة لطرح أسهم شركة أرامكو للاكتتاب العام في ذلك الوقت.
وفي عام 2014، ظهر إبستين في صورة مع مسؤول تنفيذي إماراتي بارز يدعى سلطان أحمد بن سليم، وهما يتأملان إحدى منسوجات الكعبة المعروضة على أرضية منزل إبستين في نيويورك. هذا المسؤول، الذي ترأس سابقاً شركة موانئ دبي العالمية، كان واحداً من عدة شخصيات سقطت ضحية علاقتها بالممول المثير للجدل، حيث أُجبر لاحقاً على الاستقالة.
المهندس الروماني إيون نيكولا، الذي كلفه إبستين بتنفيذ بعض الأعمال الفنية، كشف أن الأخير طلب منه تصميماً يحاكي 'حمام يلبغا' التاريخي في مدينة حلب السورية. وتضمنت طلبات إبستين تفاصيل غريبة، منها استبدال الخطوط العربية التي تحمل لفظ الجلالة بأحرف اسمه الأولى باللغة الإنجليزية، في إشارة إلى نرجسيته المفرطة.
ولم تتوقف طموحات إبستين عند المقتنيات، بل امتدت لتقديم مقترحات سياسية واقتصادية 'جذرية' للمسؤولين الذين التقاهم، ومنها فكرة إنشاء عملة موحدة للدول الإسلامية تحت مسمى 'الشريعة'. وكان يهدف من وراء هذه الأفكار إلى تعزيز نفوذه الشخصي والحصول على عقود استشارية بمليارات الدولارات.
وتؤكد السجلات أن إبستين التقى بالفعل بولي العهد السعودي محمد بن سلمان في عدة مناسبات، وحاول جاداً استمالته عبر وسطاء مثل رأفت الصباغ وعزيزة الأحمدي. ورغم هذه الجهود المكثفة، إلا أن العلاقة لم تستمر طويلاً بعد تولي الأمير منصب ولي العهد، حيث بدأ في رفض استشارات إبستين وتجاهل مقترحاته.
هذا الرفض أثار استياء إبستين، الذي عبر في رسائل نصية خاصة عن غضبه بلهجة استعلائية، مدعياً أن المملكة ستعاني لأنها لم تتبع توجيهاته. وتعكس هذه الرسائل طبيعة الشخصية التي كان يتمتع بها إبستين ومحاولاته المستمرة للعب دور المحرك الخفي في السياسات الدولية والاقتصاد العالمي.
وفي عام 2017، تعرضت جزيرة إبستين لإعصار 'ماريا' المدمر، مما أدى إلى تضرر أجزاء كبيرة من المبنى ومحتوياته الفنية والدينية. وأظهرت وثائق الشحن والجمارك أن مساعدي إبستين كانوا يعملون حتى اللحظات الأخيرة على تأمين وصول القطع الأثرية والمنسوجات الإسلامية إلى الجزيرة المعزولة.
ورغم نشر ملايين الصفحات من الوثائق، لا يزال الغموض يكتنف الطريقة الدقيقة التي خرجت بها قطع الكعبة من المملكة العربية السعودية وصولاً إلى يد إبستين. ولم تصدر الحكومة السعودية أو الشخصيات التي وردت أسماؤهم في المراسلات أي تعليقات رسمية لتوضيح ملابسات هذه الهدايا أو الصفقات.
ويرى مراقبون أن اهتمام إبستين بالثقافة الإسلامية لم يكن نابعاً من تقدير ديني، بل كان جزءاً من استراتيجية 'تبييض' لصورته وبناء جسور مع أثرياء المنطقة. فقد تفاخر سابقاً بامتلاك أكبر سجادة فارسية في العالم، مدعياً أنها نُهبت من أحد المساجد الكبرى لتستقر في قصره الخاص.
إن قصة 'مسجد' إبستين تفتح الباب مجدداً أمام تساؤلات حول كيفية اختراق هذا المجرم لدوائر صنع القرار في عواصم عربية ودولية. وتكشف الوثائق كيف يمكن للمال والنفوذ أن يسهلا الوصول إلى أكثر المقدسات رمزية واستخدامها كأدوات للزينة في جزر مخصصة لممارسات غير قانونية.
ختاماً، تبقى قضية جيفري إبستين صندوقاً أسود يفيض بالأسرار التي تمس شخصيات عالمية ومؤسسات كبرى، حيث تظل تفاصيل حياته في جزيرته الخاصة شاهداً على حقبة من الفساد العابر للحدود. ومع استمرار الكشف عن الوثائق، تظهر تباعاً خيوط جديدة تربط بين عالم الجريمة المنظمة ودهاليز السياسة الدولية.
المصدر:
القدس