آخر الأخبار

الخط الأصفر في لبنان: منطقة عازلة وتدمير ممنهج للقرى الحدودي

شارك

تواصل سلطات الاحتلال الإسرائيلي تكريس نهج جديد من الاحتلال المقنع في جنوب لبنان، عبر فرض ما أسمته 'الخط الأصفر' كمنطقة أمنية عازلة خارج حدودها الدولية. وتأتي هذه الخطوة في إطار مساعي تل أبيب لتوسيع نطاق سيطرتها الميدانية، على غرار النماذج التي نفذتها سابقاً في قطاع غزة ومناطق سورية، وسط تحذيرات من تداعيات إنسانية كارثية.

ويتمثل 'الخط الأصفر' في حدود وهمية فرضها جيش الاحتلال جنوب نهر الليطاني، حيث تُعرف المنطقة الممتدة منه وصولاً إلى الحدود بأنها منطقة قتال مغلقة. ويهدف هذا الإجراء إلى منع عودة النازحين اللبنانيين إلى ديارهم، مع إعطاء الضوء الأخضر لاستهداف أي تحركات مدنية أو عسكرية باعتبارها خرقاً للتفاهمات الأمنية.

المعطيات الميدانية تشير إلى أن جيش الاحتلال توغل لمسافات تصل إلى نحو 10 كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية، شملت مناطق من محيط بلدة راشيا وصولاً إلى الناقورة ورأس البياضة. هذا التوغل لا يبدو مجرد إجراء مؤقت، بل هو مؤشر على رغبة إسرائيلية في ترسيخ واقع جغرافي جديد يمنحها تفوقاً نارياً دائماً.

من جانبه، أكد النائب حسين فضل الله أن كافة تداعيات الحرب، بما فيها 'الخط الأصفر'، سيتم إسقاطها ولن يتم السماح بتثبيتها كأمر واقع. ويأتي هذا الموقف في ظل رفض لبناني رسمي وشعبي واسع لمحاولات قضم الأراضي الحدودية وتحويلها إلى مناطق عازلة تفتقر لأي شرعية قانونية أو دولية.

وتعيد هذه التطورات إلى الأذهان تجربة 'الشريط الحدودي' الذي أقامه الاحتلال بين عامي 1978 و2000، مع وجود فروق جوهرية في حجم الدمار الحالي. فبينما كان الاحتلال السابق يسمح ببقاء بعض السكان، تعتمد الاستراتيجية الحالية على التهجير الكامل وتدمير كافة مقومات الحياة في القرى المستهدفة.

ورصدت مصادر ميدانية دماراً هائلاً في بلدة الخيام والقرى المحيطة بها، حيث نفذت قوات الاحتلال عمليات تفجير وتجريف واسعة للمنازل والمرافق العامة. وتزعم إسرائيل أن هذه العمليات تستهدف بنى تحتية عسكرية، رغم استمرار سريان اتفاقات وقف إطلاق النار التي تم تمديدها مؤخراً.

وفي منطقة العرقوب، أوضح رئيس اتحاد البلديات قاسم القادري أن القرى التزمت بنهج المواجهة السلمية ولم تشهد أي مظاهر مسلحة طوال فترة النزاع. وأشار القادري إلى أن السلطات المحلية تتبع للدولة اللبنانية بشكل كامل، مما ينفي الذرائع الإسرائيلية التي تستخدم لتبرير استهداف المنطقة وتدمير بنيتها.

هذا الحزام لم يبقَ ضمن نطاق ضيق، بل توسّع تدريجياً باتجاه منطقة العرقوب، ما أدى عملياً إلى عزل القرى وقطع الطرق الحيوية ومنع المزارعين من الوصول إلى أراضيهم.

وأضاف القادري أن السكان فوجئوا بعد الهدنة بإنشاء الحزام الأمني الذي بدأ يلتهم مساحات واسعة من الأراضي الزراعية والمناطق السكنية. هذا الحزام أدى إلى عزل القرى عن بعضها البعض، وقطع الشرايين الحيوية التي تربط منطقة العرقوب بقضاء حاصبيا ومحافظة النبطية، مما فاقم الأزمة المعيشية.

وتعاني البلدات الواقعة ضمن نطاق 'الخط الأصفر' من أزمات حادة في قطاع الخدمات، لا سيما انقطاع المياه نتيجة منع فرق الصيانة من الوصول إلى المصادر الأساسية. وقد وجهت البلديات مذكرات رسمية إلى قوات 'اليونيفيل' والجهات الدولية للتدخل العاجل لضمان حرية الحركة وتأمين الاحتياجات الإنسانية.

ويرى مراقبون أن إسرائيل تسعى من خلال هذه المنطقة العازلة إلى امتلاك أوراق ضغط إضافية في أي مفاوضات سياسية مستقبلية مع لبنان. فمن خلال إفراغ المنطقة من سكانها، تحاول تل أبيب فرض شروط أمنية قاسية تتجاوز القرارات الدولية المعترف بها، وتشرعن اعتداءاتها المتكررة.

وعلى الصعيد السياسي، عقدت واشنطن جولتين من المحادثات المباشرة بين الجانبين اللبناني والإسرائيلي لبحث سبل وقف الأعمال العدائية. ويتمسك الجانب اللبناني، برئاسة جوزيف عون، بضرورة انسحاب الاحتلال إلى الحدود الدولية ونشر الجيش اللبناني كقوة وحيدة مسؤولة عن الأمن في الجنوب.

الإحصائيات الرسمية تشير إلى حجم المأساة التي خلفها العدوان، حيث ارتقى أكثر من 2500 شهيد وأصيب الآلاف، فضلاً عن نزوح نحو خمس سكان لبنان. هذه الأرقام تعكس ضراوة الهجمة الإسرائيلية التي لم تقتصر على الأهداف العسكرية، بل طالت النسيج الاجتماعي والاقتصادي للدولة اللبنانية.

إن استمرار الاحتلال في قضم الأراضي اللبنانية والفلسطينية والسورية يعكس سياسة ثابتة ترفض الانصياع للقرارات الأممية الداعية للانسحاب. ويظل 'الخط الأصفر' عنواناً جديداً للصراع، حيث يحاول الاحتلال تحويل الحدود إلى منطقة محرمة على أصحابها الشرعيين تحت غطاء 'الأمن والدفاع'.

وفي الختام، يبقى مصير القرى الحدودية معلقاً بين صمود الأهالي والمناورات السياسية الدولية، في ظل إصرار إسرائيلي على تحويل الجنوب إلى حزام أمني مدمر. وتتجه الأنظار الآن نحو الموقف الدولي ومدى قدرته على إلزام الاحتلال باحترام السيادة اللبنانية ووقف عمليات التجريف الممنهجة.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا