قدم الباحث ضياء نعيم الصفدي، في دراسة صادرة عن مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، مقاربة معمقة لظاهرة التخابر في قطاع غزة، متجاوزاً التوصيف القانوني التقليدي للجريمة. يرى الصفدي أن التخابر ينمو في بيئة ضاغطة تفرزها الحرب، حيث يتحول الفرد تحت شروط معينة إلى أداة تعمل ضد مجتمعها ضمن منظومة اندماج جزئي مع الاحتلال.
تؤكد الدراسة أن مفهوم التجسس المعاصر بات أكثر تعقيداً، إذ يقوم على علاقة تواصل واعية ومقصودة تهدف لتمكين الجهة المعادية من تحقيق أهدافها الإستراتيجية. هذا الفعل لا ينتهي بانتهاء المهمة، بل يتحول إلى دور وظيفي يُعاد إنتاجه داخل شبكة معقدة من العلاقات الأمنية والميدانية التي تستهدف البنية التحتية للمجتمع.
كشفت المعطيات أن الحرب الأخيرة على غزة أحدثت تحولاً نوعياً في مهام المتخابرين، حيث انتقل الدور من تزويد الاحتلال بمعلومات عامة إلى المشاركة الميدانية المباشرة. يسهم هؤلاء الآن في رصد التحركات اللحظية وتحديد الأهداف العسكرية، مما يجعل الاختراق عمودياً يمس جوهر الفعل المقاوم ويعيد تشكيله من الداخل.
في تحليلها للدوافع، تشير الدراسة إلى أن الفقر والبطالة يمثلان مدخلاً أساسياً للاستقطاب، حيث تُقدم الإغراءات المالية كفرص نادرة في بيئة اقتصادية منهارة. ومع ذلك، لا يقتصر الأمر على العوز المادي، بل يتطور في بعض الحالات إلى علاقة تبادلية يحسب فيها الفرد مكاسبه مقابل ما يقدمه من خدمات أمنية.
تنتقل الدراسة من التفسير الاقتصادي إلى العوامل النفسية، معتبرة أن الإحباط والشعور بالتهميش يخلقان أرضية خصبة للاستقطاب المعادي. يجد بعض الأفراد في التعامل مع الاحتلال وسيلة لتعويض النقص أو استعادة إحساس زائف بالقدرة، وهو مسار يتشكل تدريجياً عبر تفاعل الحاجة النفسية مع العروض الخارجية.
تلعب الظروف الاجتماعية دوراً محورياً في تعميق هشاشة الأفراد، حيث يساهم التفكك الأسري وضعف الروابط المجتمعية في تقليل المناعة الذاتية. ويشدد الصفدي على أن فهم هذه العوامل لا يعني تبرير الفعل أو إضفاء الشرعية عليه، بل يهدف لتفكيك الظاهرة وفهم آليات عملها العميقة للتمكن من مواجهتها.
يبرز ضعف الوعي المعرفي والسياسي كفراغ تستغله الروايات المضللة لتشويه حقيقة العلاقة مع العدو وتسهيل عملية التجنيد. في المقابل، يظل الوازع الديني والوطني الصلب هو العائق الأكبر الذي يمنع تحويل الخيانة إلى مجرد صفقة تجارية، حيث يعيد هذا الوازع تعريف الفعل كجريمة كبرى لا تقبل المساومة.
تستعرض الدراسة نماذج ميدانية لمجموعات منظمة عملت مع الاحتلال، من أبرزها مجموعة (ك.ش) في مدينة رفح جنوب القطاع. تضم هذه المجموعة نحو 300 عنصر، وأنشأت نقطة اتصال ميدانية متقدمة لرصد التحركات الحدودية وجمع بيانات دقيقة حول النشاط اليومي في تلك المنطقة الحساسة.
وفي منطقة جنوب خان يونس، وتحديداً في مناطق خزاعة وعبسان والقرارة، تنشط مجموعة (ج.أ) التي تضم حوالي 40 مسلحاً. تخصصت هذه المجموعة في العمل الاستخباراتي الميداني المباشر، مستغلة وجود عناصرها داخل النسيج الاجتماعي لبناء قاعدة بيانات تفصيلية حول تحركات الأشخاص والمقاومة.
أما في شرق مدينة غزة، فتبرز مجموعة (ر.ج) التي تتركز مهامها في المناطق الحدودية وخطوط التماس المباشرة مع الاحتلال. توفر هذه المجموعة معلومات ذات قيمة استخباراتية عالية نظراً لموقعها الجغرافي، مما يتيح للاحتلال قراءة آنية للميدان في مناطق يصعب الوصول إليها بالوسائل التكنولوجية وحدها.
وفي المناطق ذات الكثافة السكانية المرتفعة بشمال القطاع، تنشط مجموعة (أ.م) التي تستغل الاكتظاظ العمراني للتخفي والرصد. تتولى هذه المجموعة جمع معلومات حول البنية التنظيمية والتحركات الميدانية للفاعلين المحليين، مما يخدم الأهداف الأمنية للاحتلال ويقوض حالة الثقة داخل الحاضنة الشعبية.
تحذر الدراسة من أن الأثر الأعمق للتخابر يتجاوز الخسائر العسكرية المباشرة ليصل إلى تفكيك النسيج الاجتماعي وإشاعة روح الشك. إن فقدان الثقة المتبادلة بين أفراد المجتمع يضعف القدرة على التماسك في مواجهة الضغوط الخارجية، وهو هدف إستراتيجي يسعى الاحتلال لتحقيقه عبر أدوات الحرب الاستخباراتية.
أشارت مصادر إلى أن المقاومة الفلسطينية تتابع هذه التحركات بيقظة، وقد نجحت في تصفية رؤوس قيادية لمجموعات العملاء مثل ياسر أبو شباب. تعكس هذه العمليات صراعاً مستمراً في الخفاء لحماية الجبهة الداخلية من الاختراقات التي تحاول النيل من صمود المجتمع الفلسطيني في غزة.
تخلص الدراسة إلى أن مواجهة التخابر تتطلب إستراتيجية شاملة لا تكتفي بالحلول القانونية والأمنية فقط، بل تمتد لبناء مناعة اجتماعية. إن تعزيز الوعي وترميم الروابط الوطنية يمثلان خط الدفاع الأول لمنع تحول الأفراد إلى أدوات في يد الاحتلال، في معركة تُخاض على مستوى الوعي والمعنى بقدر ما تُخاض في الميدان.
المصدر:
القدس