آخر الأخبار

معاناة ذوي الإعاقة في غزة: قصة الزوجين نهاد وزينب جربوع

شارك

تتحول حياة الغزيين في ظل الحرب المستمرة من استقرار بسيط إلى جحيم لا يطاق، وهو ما تجسده قصة الزوجين نهاد وزينب جربوع. فبعد أن كانت غرفتهما الصغيرة تمثل لهما قصراً من السعادة والرضا رغم الإعاقة، وجدا نفسيهما اليوم حبيسي خيمة بائسة تفتقر لأدنى مقومات الحياة الآدمية في دير البلح.

بدأت رحلة المعاناة المضاعفة لزينب حين تزوجت من نهاد وهي تعلم بإصابته بشلل رباعي منذ الطفولة، عازمة على أن تكون سنده في الحياة. لكن القدر شاء أن تصاب بمرض أدى لبتر قدميها بعد أربعة أعوام من الزواج، لتصبح مقعدة بجانبه، ويتحول الثنائي من معيلين لأنفسهما إلى محتاجين لمن يرعاهما وسط ظروف الحرب القاسية.

كانت الكراسي الكهربائية المتحركة تمثل لنهاد وزينب شريان الحياة والحرية، حيث مكنتهما من التنقل وإعالة طفليهما الصغيرين قبل اندلاع العدوان. ومع اشتعال الحرب، دمر قصف الاحتلال هذه الكراسي، مما حول حركتهما إلى سجن دائم داخل خيمة ضيقة، وجعل من النزوح المتكرر رحلة عذاب لا تنتهي.

تصف زينب مرارة النزوح التي تكررت تسع مرات، مؤكدة أن وضع ذوي الاحتياجات الخاصة في الحرب هو مواجهة مباشرة مع الموت البطيء. فقد اضطرت العائلة للتنقل من مخيم الشابورة في رفح وصولاً إلى وسط القطاع، وسط انعدام الوسائل المساعدة التي تسهل حركة المقعدين في الطرقات الوعرة.

داخل الخيمة، تغيب الخصوصية وتنتشر الحشرات والقوارض، بينما يفتقر الزوجان لمرحاض ملائم لحالتهما الصحية الصعبة. وتضطر زينب لاستخدام وسائل بدائية جداً لقضاء الحاجة، مما يضيف عبئاً نفسياً وجسدياً ثقيلاً على كاهلها وكاهل أطفالها الذين باتوا يقومون بمهام تفوق أعمارهم بكثير.

يبرز الطفل إياد، البالغ من العمر 12 عاماً، كبطل مأساوي في هذه القصة، حيث تحول من تلميذ في المدرسة إلى 'رجل البيت' المسؤول عن رعاية والديه. يقع على عاتق إياد نقل والديه على كرسي يدوي متهالك، وإحضار الماء والطعام من مسافات بعيدة، مما حرمه من طفولته وحقه في التعليم.

أما الابنة الكبرى، التي لم تتجاوز 13 عاماً، فقد باتت تتحمل أعباء المنزل الشاقة من غسيل وتنظيف وإعداد للطعام على الحطب. وتعبّر والدتها عن حزنها العميق لرؤية طفلتها وهي تمارس أعمالاً شاقة لا تطيقها، في ظل غياب الغاز والكهرباء والماء الصالح للاستخدام.

الحرب بالنسبة إلينا كأشخاص ذوي احتياجات خاصة تعني الموت، نزحنا 9 مرات وسط معاناة لا توصف.

تتفاقم الحالة الصحية لزينب بسبب مرض عصبي نادر يسبب لها انتفاخات وجروحاً دامية في يديها، ولا يتوفر له علاج في ظل انهيار المنظومة الصحية. ويخشى زوجها نهاد أن تفقد ما تبقى من أطرافها، حيث تضطر أحياناً لقضم أصابعها من شدة الألم الذي لا يسكنه سوى أدوية مفقودة تماماً.

من جانبه، يعيش نهاد فوق أريكة تحولت إلى سرير دائم لم يغادره منذ أكثر من شهرين، واصفاً حياتهم بأنها 'تحت الصفر'. ويؤكد أن فقدان الكراسي الكهربائية جعلهم يعيشون في سجن حقيقي، حيث لا يمكنهم التحرك أو حتى استنشاق الهواء خارج حدود الخيمة الضيقة دون مساعدة شاقة من الآخرين.

تتجاوز مطالب العائلة توفير الطعام والشراب، حيث تؤكد زينب أن صرختهم الوحيدة هي الحصول على العلاج وتركيب أطراف صناعية خارج القطاع. وتناشد الجهات الدولية بضرورة إجلائهم طبياً، معتبرة أن البقاء في غزة دون رعاية طبية متخصصة هو حكم بالإعدام على ذوي الإعاقة.

تشير الإحصائيات الرسمية الصادرة عن مصادر فلسطينية إلى أن هناك نحو 42 ألف شخص في قطاع غزة يعانون من إصابات جسيمة غيرت مجرى حياتهم. هذه الأرقام تعكس حجم الكارثة الإنسانية، حيث تتطلب هذه الحالات تأهيلاً مستمراً وطويل الأمد لا يتوفر حالياً في ظل استهداف المستشفيات.

سجلت المصادر الطبية قرابة 6 آلاف حالة بتر للأطراف منذ بدء العدوان، تتركز معظمها في الأطراف السفلية بنسبة تصل إلى 75%. هذه الزيادة المهولة في أعداد ذوي الإعاقة تضع ضغطاً هائلاً على المجتمع الذي يعاني أصلاً من فقدان الموارد الأساسية والأدوات المساعدة.

يبقى الأطفال هم الضحية الأكبر لهذه الحرب، حيث يعاني أكثر من 10 آلاف طفل من إصابات جسيمة تسببت في إعاقات دائمة. وتكشف البيانات أن الأطفال شكلوا أكثر من نصف حالات الإجلاء الطبي التي تمت بصعوبة بالغة، مما يستوجب تحركاً دولياً لإنقاذ ما تبقى من جيل يواجه مستقبلاً مثقلاً بالإعاقة واليتم.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا